ابناء يعقوب 1

ابناء يعقوب 1

انت عمري اللي ابتدى بنورك صباحه…”

يردد هذا المقطع وأنامل يده تتخلل أناملها، وكل فينة والأخرى يطبع قبلة على ظهر يدها.

لم تمر سوى دقائق، فالسعادة تُدَون بضع كلم,,ات داخل معجم مليء بالحزن، بينما كان شارداً في عينيها، انتبهت هي إلى الشاحنة الكبيرة القادمة نحوهما، فصاحت بفزع:

– حاسب يا يعقوب.

انتفض بذعر وحاول أن يتفادى الاصطدام، يصيح بها بأمر:

– البسي حزام الأمان بسرعة.

كانت السيارة تتأرجح يميناً ويساراً، حاول التحكم في المكابح لكن لا تعمل، سألته بخوف ذريع:

– فيه إيه يا يعقوب؟

– الفرامل مش شغالة.

حوار قصير خلال ثواني معدودة انتهت بانحراف السيارة عن الطريق وانقلبت من الحافة، أخذت تتدحرج عدة مرات متتالية حتى استقرت على جانبها، كانت آخر ما رأت عيناه هي وتخبره بأنفاس متقطعة:

– خد.. بالك.. من يوسف.. يا.. يعقوب.

فقدت الوعي في الحال، وكان هو ليس أقل حال منها، لم يستوعب عقله ما حدث ففقد الوعي أيضًا.

و في وسط همهم,,ات يكاد أن يسمعها، وأشعة الشمس تخترق ما بين أهدابه ، كان ثقل جفونه يجبره على الاستسلام إلى النوم، لكن قلبه أجبره على الإفاقة بعدما ذكره زوجته، حاول جاهدًا أن يفتح عينيه، فرأى الممرضة تضبط من وضع كيس المحلول فسألها بلسان ثقيل للغاية:

– رقية فين؟

ردد ذلك السؤال مراراً وإذا به ينهض فجأة، يتلفت من حوله مناديًا:

– رقية؟ يا رقية؟

أوقفته الممرضة لتخبره:

– حضرتك رايح فين؟ ما ينفعش تقوم.

لم يكترث إلى تحذيرها، فرأى إبرة المحلول المُغذي متصلة بيده، وذراعه الأخرى محاطة بالجبس ومرفوعة على حامل معلق حول عنقه وساعده يستند على ص,,دره، رفع يده المنغرسة بها الإبرة وقام بجذبها بأنامل يده المص,,ابة بصعوبة بالغة.

جاء الطبيب إليه ليوقفه عما يفعله:

– حضرتك رايح فين؟ انت لسه تعبان وفى جسمك إص,,ابات.

دفعه يعقوب من أمامه بغض,,ب:

– أوعى من وشي، فين مراتي؟

وكاد أن يخرج من باب الغرفة أوقفه حديث الطبيب، وكانت أقسى الكلم,,ات التي سمعها طوال حياته:

– المدام اللي جابوها معاك دخلت العمليات، الدكاترة حاولوا ينقذوها هي والجنين، أنقذوا الجنين ودخلوه الحضانة لكن مع الأسف كانت هي إص,,ابتها قوية وحصل لها نزيف في المخ، البقاء لله.

يقف الآن خلف الزجاج ويرى ولده الذي كُتب عليه أن يولد لطيمًا، استند يعقوب بيده على الزجاج ونظر إلى المولود بعينين تجمعت بداخلهما الدموع، فتساقطت أول دمعة وانزلقت على خده، يتذكر آخر لحظاته مع معشوقة فؤاده والتي لم يحب سواها، جاءت وذهبت في لحظات، وكأن عمره ينحصر في تلك الفترة فقط.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *