حان الوصال ج 8
حان الوصال ج 8
– اهي يا بهجة، اهي، اهي الشنطة، ارميها في الزباله احسن، ارميها في الزبالة
انتهي منها حينما انفتحت وتناثرت منها الملابس على الارض وقد توجعت اقدامه، يرمقها بأنفاس لاهثة لمدة من الوقت، حتى أجبر نفسه على المغادرة، يصفق باب المنزل الخارجي بعنف اهتزت له الجدان، حتى جعلها تنتفض رعبًا، ثم تحمد الله انه ذهب وتركها سليمة دون ان يؤذيها بحالته المجنونة تلك.
زفرت تطرد انفاس مكتومة بصدرها، تنزل بعيناها نحو الفوضى التي احدثها، بهياجه لتنتبه بعيناها على تلك الملابس الزاهية على الارضبة، غلبها الفضول ، لتتناول احدى القطع تتفحصها جيدا حتى فغرت فاهاها إعجابًا وانبهارًا بجماله، لتندفع بإحساس الأنثى تقف امام المرأة به تقيسه على جسدها، فتتمنم بتذكر:
– يالهوي ع العرياني، دا اشتري فعلا الفستان اللي بعتهولي في الصورة، بس طلع حلو اوي، اروح اشوف جاب ايه تاني بقى؟
رواية حان الوصال
الحلقة الثانية والأربعون
ليت تحقيق الاماني كان في الإمكان دائمًا، ما كنا تعبنا ولا ارهقنا شوق الليالي في الانتظار، كنا اكتفينا بالحلم وفقط، مادمنا نملك الأمل في تحقيقه.
ياليت
❈-❈-❈
رباب، جهّزتي الولد ولا لسه؟
هتف بالسؤال كارم فور خروجه من غرفة مكتبه صباحًا، وقبل الذهاب إلى مقر عمله، ليأتيه الرد من زوجته وهي تهبط الدرج ممسكة بيد صغيرها:
أهو يا كارم، حبيب ماما جهّز وجاي لك زي الفل.
ألقى الأخير بنظرة رضا نحو صغيره، ينتظره حتى نزل إليه، ليقبّل أعلى رأسه قائلًا بتفاخر:
وهيجنن البنات بوسامته ورزانته كمان، هو ده ابني.
عقّبت ببعض الغيرة متكتّفة الذراعين:
طبعًا ابنك حبيبك، يعني تبوسه ويعجبك لأنه شبهك.
رمقها بمكر يردد بكلمات ذات مغزى:
ولو مش شبهي كفاية إنه حتة منك، ولا تحبّي أثبت لك أنا معجب بيكِ قد إيه دلوقتي؟
ختم بغمزة وقحة أعلمتها بقصده، فلاح الخجل على ملامحها، لتحاول تنبيهه بعينيها حتى لا يتمادى أمام الولد:
لا حبيبي، متشكرين قوي، مش محتاجة إثبات. المهم تاخد عموري توديه المدرسة دلوقتي، وافتكر إن انت اللي أصريت توصله النهارده. ها، افتكر.
تبسّم بثقة بعدما رأى بأم عينيه تأثير تلميحه البسيط عليها، ليتجاوز بصعوبة حتى لا ينفذ ما خطر بباله، وعيناه تتفحص معالمها من أعلى المنامة الحريرية الملتصقة بجسدها الغض بافتنان لا يتوقف. رغم عشقه لصنف النساء، إلا أنه لا ينكر سطوتها عليه، أن تجعله يكتفي بها. هذا شيء لم يكن يتوقع أن يحدث يومًا ما.
استفاق من أفكاره المنحرفة الآن والتحديق بزوجته الجميلة، ليعطي اهتمامه للصغير الذي ملّ من انتظاره:
بابي، لو مش فاضي، أخلي السواق يوصّلني زي كل يوم.
تحمحم مستعيدًا جديته في شرح ما يبتغيه والتعليمات:
يا بني، ما قولت لك إني مفضي نفسي مخصوص النهارده علشان أوصلك، وعشان أعرّفك بآدم اللي هيبقى صاحبك الجديد. واخد بالك من كلامي؟ آدم اللي وريتك صورته إمبارح على التليفون. عايزك تعرفه على باقي أصحابك كمان. هو أجنبي، آه، بس بيعرف عربي أكتر مني ومنك.
رد صغيره بتذمّر:
فاهمك يا بابي، بس هو كبير عليا وانت قولت لي ما أصاحبش اللي أكبر مني.
هذه المرة تدخلت والدته بمرح أمام اندهاش أبيه:
لا وانت بتسمع الكلام قوي! إحنا بنقول لك كده على الأولاد الغريبة يا قلبي. أما آدم، فده هتصاحبه علشان ياخد ع الجو الجديد للمدرسة ويندمج. عمو رياض هو اللي موصي وطالب مننا كده، عشان عارف عموري حبيب بابي ومامي راجل وقد المسؤولية.
تبسّم صغيرها باعتزاز وقد أعجبه الإطراء:
ماشي يا بابي، أنا هاصاحبه وأعرّفه على كل أصحابي.
أنا قولت من الأول إنك ابني.
قالها كارم بتهليل، ليسحبه بعد ذلك من يده كي يذهب به، ملقيًا بآخر تعليماته نحو زوجته:
ما تنسيش تجهّزي قبل تمانية النهارده عشان حفل الجمعية. مش عايزين تأخير يا رباب.
وكانت إجابتها بطاعة كالعاده:
حاضر يا قلبي، قبل الميعاد هتلاقيني جاهزة كمان.
❈-❈-❈
توقف بسيارته أمام مقر الجمعية الموقّرة داخل قصر عائلة والدته، بعدما اطمأن على شقيقه داخل المدرسة الجديدة التي تم نقله إليها، بعد إجراءات معقدة قام بها في نقل الوصاية إليه استغرقت أيامًا، في ترتيب إقامته معه هنا داخل الوطن.
وجاء الآن وقت ممارسة هوايته اليومية في مراقبتها. عدة أيام مرت منذ رفضها له. لم يضغط أو يلحّ أو حتى يحاول معها مرة أخرى. فقد تعمد تركها حتى تهدأ ويجد الوقت هو الآخر للتفرغ لها. وقد شغله أيضًا نقل آدم وتهيئة الأجواء لاستقراره هنا.
يختلق الحجج كي يأتي للقاء والدته ورؤيتها. حتى وهو يلمس منها الجفاء لا يتوقف. اليوم فقط لن يدخل القصر، وما حاجته؟ وقد انتبه عليها بشرفة إحدى الغرف المطلة على الخارج. تراه ويراها، يدور حديث بالعيون بصمت أبلغ من أي حديث. يعلم أنها تريده، ولكن رأسها اليابس يصرّ على إغلاق الأبواب أمامه. أضاع الكثير من الفرص حينما كانت فاتحة ذراعيها تتقبل الفتات من المشاعر بصبر ورضا. وحين جاء وقت الشرح منه، وجدها صامة أذنيها، وقد فاض الإناء وامتلأ بأخطائه.
ولكن لا بأس، فليتريث قليلًا حتى يفرغ لها تمامًا.
❈-❈-❈
وفي الأعلى، كانت هي لا تقل عنه توقًا وشوقًا، ولكن نفسها العزيزة تأبى الرضوخ، تأبى التنازل بعد أن اتخذت قرارها. حتى وقلبها يئن وجعًا، ولكنها وضعت السلطة لكبريائها الآن.
خلاص، مشي يا بهجة.
صدر التعقيب من نجوان، والتي كانت خلفها منتبهة لكل ما يحدث، لتردف بمزيد من الأسى قبل أن تعود أدراجها داخل الغرفة التي تجمعها بها في عملهما:
مش فاهمة أنا والله تنشيف الدماغ ده آخره إيه بس؟ حقيقي، ربنا يهديكي.
تبعتها بهجة تبرر مدافعة:
أنا برضو اللي ربنا يهديني؟! طب قولي الكلام ده للباشا ابنك اللي كبر من كله.
طالعتها نجوان بأعين كاشفة حتى جلست على الكرسي المقابل لمكتبها لتواجهها:
طب بذمتك، إنتِ مصدقة كلامك ده؟ حتى بعد ما شرحت لك وقلت لك بنفسي عن السبب الأساسي اللي خلاه ينشغل عنك
موت ناريمان وتولي رياض مسؤولية طفل صغير، يجيبه من بلده اللي اتولد ونشأ فيها، ويدمجه هنا في مجتمع غريب عنه، وملوش أي حد في الدنيا غيره، دي غير البلاوي التانية اللي فوق دماغه.
قالت بشيء من الإشفاق تخلل نبرتها، لكن يغلبه العند:
والله أنا مقدرة وبقول ربنا يعينه، بس كمان ميرضكيش اتنازل عن كرامتي أكتر من كده معاه، هو اللي عايز البعد ومصر يخليني على الهامش في حياته. لو بيحبني هيشركني، لو بيحبني هيعلن عن علاقته بيا قدام الدنيا كلها، لكن بقى دا يحصل إزاي؟ والباشا شايفني مش قد المقام.
يووووه يا بهجة… تمتمت بها نجوان بسأم لتواصل بتوجيه الأمر لها؛
انتي يا بنت انتي، ما اسمعكيش تقولي الكلام ده تاني، وإلا والله يا بهجة هزعل منك…
سارعت بهجة لترضيتها:
خلاص يا ستي من غير حلفان مش هكررها، هو أنا أقدر على زعلك أصلاً؟ دا يارب أموت ولا يحصل.
هذه المرة ضايقتها بالفعل لتهدر بها تنهاها:
ما أزعل أنا ولا اتفلق حتى، انتي تدعي على نفسك ليه؟ ولا انتي جاية تعصبيني النهاردة وخلاص؟
حاولت بهجة كتم ضحكتها حتى لا تضاعف من غضبها، تشرع أن تراضيها ولكن الأخرى لم تسمح بمقاطعتها:
اقفلي بوقك دا خالص واسمعي مني وبس، فاهمة؟
فاهمة.
قولت إيه أنا؟
إلي هنا ولم تقوى على الصمود، لتوميء برأسها لها، وفمها المغلق لا يتوقف عن الضحك.
زاد غيظ نجوان منها، ولكن لم تملك إلا أن تتجاوز حتى تصل لغايتها في الحديث معها:
النهاردة الحفلة زي ما اتفقنا هتخرجي بدري معايا عشان نجهز مع بعض قبل ما نروح الحفلة، بس أنا هسبقك طبعًا بعد كده، فاهماني؟
توقفت بهجة عن الضحك عند ذكر ذلك الأمر، لتتخلى عن صمتها فتجادل:
انتي لسه برضو مصممة على الموضوع ده؟ ما تخليها مرة تانية، أنا حاسة نفسي مش جاهزة وعايزة وقت…
وقت تاني يا بهجة؟
رددت بها نجوان بنفاذ صبر، لتتابع بحسم حتى تنهي معها:
عشان أقفل عليكي من أولها، مهما حاولتي معايا أنا مش هتنازل، وعشان تبقي مرتاحة أكتر، دا ملهوش علاقة بجوزك المحترم ابني، هو ضيف عادي زي باقي الضيوف من رجال الأعمال المعزومين، أما بقى لو عاملة حساب الرفقة، فصاحبتك يا ستي معزومة، عندك حجة تانية بقى؟
❈-❈-❈
داخل مقر عملهما بالمصنع، وبعد الانتهاء من مناقشة الملفات الهامة، كان الحديث العادي الآن بينهما:
شكل مصطفى ابن خالتك عامل حفلة كبيرة، أنا عرفت كذا واحد من رجال الأعمال اللي عازمهم، غريبة اهتمامه الزايد يعني بحاجة زي دي.
ولا غريبة ولا حاجة؟ تفوه بها رياض يترك الملف المتبقي من يده،
ليعطي اهتمامه بالكامل مردفًا:
مصطفى مش بس زكي وبيحب دايمًا يلمع صورته، لا هو كمان ليه في الخير من غير حب المظاهر زي ما بيعمل بعض الناس، ولا حتى ليه في الرياء، بالإضافة إنه السنادي كمان عاملها بحب عشان ماما.
والدتك، هو لدرجة دي بيحب والدتك؟ تسائل بها كارم بدهشة تضاعفت برد الآخر، وقد تجلت به الغيرة بصورة واضحة:
ولو قولتلك إنه بيحبها أكتر من والدته كمان متستغربش، أصل دماغه قريبة أوي من دماغها، الرومانسية المفرطة والحنية بشكل أوفر، مصطفى اللي بتشوفوه مع رجال الأعمال، وحش الاقتصاد، مع والدتي ومراته حاجة تانية، هتقولي إزاي؟ هقولك معرفش.
❈-❈-❈
داخل السيارة التي كانت تقلها معه الآن، خطوبة مؤقتة هذا هو المسمى الذي فرضته لعلاقتها به، بعد أن ضاقت ذرعًا من فرض حصاره عليها وعلى مشاعرها المربكة من الأساس، لتهتدي في الآخير لعقد هذا الاتفاق معه، حتى تأخذ وقتها في التفكير بروية بعيدًا عن ضغط والديها، المصرين باستماتة على زواجها به، وكي تختبر أيضًا تلك العاطفة التي تنبت داخلها، فتعلم باختلاطها به إن كان عشق حقيقي أم هو وهم إعجاب محض وسيزول مع الوقت.
أما هو ورغم فرضها الشروط الغريبة وافق، بل وأصبح يتعامل معها بسهولة بعض الشيء وتفهم، لكنه أيضًا لا يكف عن مشاكستها، كما يحدث الآن وقد كان يقود السيارة بها في الذهاب إلى الحفل المدعوين إليه يتبادل معها الكلام القليل، وعيناه لا تفارقها، تتنقل ما بين مراقبة الطريق الذي يقود فيه السيارة وبينها، حتى فاض بها:
ممكن تخلي بالك من الطريق بدل ما نعمل حادثة؟ هتفت بها بعصبية قابلها هو بهدوئه المعتاد:
مش عارف أنا والله مدايقك في إيه يا آنسة يا أستاذة صفية؟ شوفتيني دخلت في شجرة مثلًا ولا دوست حد؟ ولا هي النظرة نفسها ناحيتك حرام عليا؟….. أظن يعني إن دا من حقي، ولا عشان أنا غلبان يعني ومش بطالب بباقي حقوقي زي كل الخطاب؟ تحبي أذكرلك بيعملوا إيه يا أستاذة يا آنسة صفية؟
قصد بالأخيرة حتى يربكها بالخجل، ليصدر رفضها على الفور:
وأنا مالي باللي بيعملوه، أنا مسمحش أصلاً بأي تجاوز وبأي صورة.
رد بدرما يتصنعها جيدًا:
وأنا يعني شوفتيني طلبت ولا حتى قادر بالتلميحات؟ آخري نظرة وحتى دي مستكتراها عليا، الله يسامحك.
أشاحت بوجهها إلى خارج النافذة حتى لا يرى ابتسامتها، لكنه أبى إلا أن يستغل الفرصة:
كمان الابتسامة مستكتراها عليا، يا ما أنت غلبان يا هشام ومش لاقي اللي يحس بيك، دعيتيلي ولا داعية عليا يا أما بس؟ على صوته بالأخيرة ليجعل ابتسامتها تتحول للضحك المكتوم، قبل أن يجفلها توقف السيارة بعنف اهتز له جسدها بالأكمل، فتهدر هاتفه به:
إنت عملت فينا حادثة بجد؟
تمتم يجيبها وعيناه في الخارج؛
لا والله ما حادثة، أنا بس اتخضيت ومن غير ما أقصد دوست فرامل ووقفت، مش دي صاحبتك برضو؟ ولا أنا عيني دغششت.
دغششت؟ رددت بالكلمة من خلفه باستنكار لتتوجه بأبصارها نحو الجهة التي ينظر بها، وصديقتها القادمة نحوهما، بطلة مبهرة سلبت اهتمام جميع المارة والأشخاص من حولها، حتى هذا الجالس بجوارها عقب بذهوله:
يا وعدي عليك يا ابن حكيم، مش بعيد قلبك يقف بعد ما تشوفها الليلة دي.
إنت بتعاكس صاحبتي؟
نعم! التف إليها بعدم تركيز ليفاجأ بها رافعة حاجبها بشر مرددة:
بسألك يا دكتور، لا تكون بتعاكس صاحبتي؟ أصابه شيء من الاضطراب اللذيذ، شيء يقارب الاستمتاع بهيئتها الخطرة تلك، لمجرد نظرة منه نحو صديقتها، اللعنة أتكون قد أصابتها غيرة!
مبترودش ليه؟ أنا بكلمك على فكرة. ضحك بمكر يجيبها:
ما أنا خايف أصارحك باللي واصلني من فعلك دلوقتي تحرجي وتولي وشك مني بعد ما تاخدك الجلالة كالعادة، وأنا مكدبش عليكي، عاجبني أوي شكلك كده.
همت تثور به منكرة ما فطنت إليه من تلميحه، ولكن منعها وصول بهجة لتنضم معهما داخل السيارة، والتي رددت فور دخولها حينما لامست بحاستها نوعًا من التوتر بينهما: