حان الوصال ج 8
حان الوصال ج 8
توقفت عن البكاء على الفور حينما استفزها بكلماته، لترفع رأسها إليه، تعقب على قوله بحنق:
هو الموضوع في الفستان؟ الموضوع فيك أنت، أنت اللي ساكت وكتوم وبارد.
برقت عينيه بإجفال ودهشة لقولها:
إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا بهجة؟ ليه يعني؟ ما أنا كان ليَّ ظروفي؟
حتى لو عندك ظروفك برضو تتكلم، مش تسيبني أضرب أخماس في أسداس طول الوقت، تسيبني في نار الحيرة والظنون، وأنا بموت ألف مرة من التفكير، أنت تعبتِ أوي، أوي يا رياض.
تبسم بخفة يذكرها:
ما أنتي كمان طلعتي عيني يا بهجة، ولا نسيتي إنّي حاولت أفهمك لكن إنتِ رفضتي، ده أنا جيتلك لحد البيت وإنتِ تقريبًا طردتيني، ولا ناسية دي كمان؟
لا مش ناسية، بس أنت معرفتنيش بظروفك مع آدم ولا بتعبه الأخير، كنت دايمًا بتحسسني إني على الهامش في حياتك، واحدة وحافظة دورها كويس أوي، اللي ما ينفعش تحيد عنه، ودي صعبة أوي.
بح صوتها في الأخيرة ودمعت عيناها بغصة جرحت حلقه، ليضمها إليه بقوة من خصرها، يشدد عليها بذراعيه مرددًا باعتذار:
إنتِ عمرك ما خدتي الدور ده يا بهجة، حتى لما طلبت منك الجواز وجرحتك بشرطي، كان غباء مني عشان أخمد الإحساس اللي في قلبي من ناحيتك، أنا كنت بضحك على نفسي، لدرجة إن كان بيطلع كلام الحب من قلبي يترجمه لساني من غير ما أقصد، وأظن إنه كان بيوصلك حتى ولو على غير إرادتي.
ما هو ده تعبني وضعفني معاك، إني عارفة ومتأكدة من حبك، لكن جارحني نكرانك، كأنك مكسوف ولا مستعر.
خلاص يا بهجة.
تمتم بها يهزها معنفًا بخفة حتى لا تكررها، ليردف بحزم:
اللي جاي كله في النور، اللي جاي كله تعويض عن اللي فات، هعملك كل اللي إنتِ عايزاه، كل اللي تحلمي بيه.
نزعت نفسها من ضمته، كي ترى صدقه جليًا في بندقيتيه، ومع ذلك تريد مزيدًا من التأكيد:
بتتكلم جد يا رياض، يعني هتقدمني لقرايبك حتى لو كانت… بهبرة شوكت؟
ضحك يقرصها من وجنتيها:
أنا فعلاً قولت لبهيرة في الحفلة، يا خسارة، ما شوفتيش رد فعلها ولا صدمتها.
❈-❈-❈
في لحظات جنون الحب، يصبح العقل ضيفًا ثانويًا، والقلب هو الحاكم الأول. تبدأ الأفكار في التمرد، والخيال يندفع دون استئذان. تقول أشياء لم تكن لتقولها أبدًا، وتضحك لأشياء لا تستحق أكثر من ابتسامة صغيرة. جنون الحب لا يعني سوى أنك مستعد للسخرية من نفسك، لأنك في النهاية تعلم أن ذلك الضحك هو ما يجعل الحياة أكثر جمالًا، وأن هذا الحب المضحك هو ما يجعل قلبك ينبض بحيوية.
داخل السيارة التي دلفت إليها للتو في استعداد للمغادرة والعودة إلى منزلها، كانت على وشك أن تدير المحرك حينما تفاجأت بمن يفتح الباب بغتة وينضم معها، حتى همت أن تصرخ لولا معرفتها بهويته، لتكتم شهقتها واضعة كفها على صدرها مرددة بجزع:
قلبي وقف من الخضة، بقى دي عمايل دكتور عليه القيمة برضو.
صدحت ضحكته في محيط السيارة ينفي لها:
لا، للأسف حظك وقعك وقعة مسخرة…
واقترب برأسه منها مردفًا:
بس معاكي إنتِ بس؟
ارتدت بجسدها للخلف قائلة بغيظ من أفعاله:
بطل حركاتك دي يا هشام، أنا خلقي ضيق.
وماله، أوسعهولك.
برقت عينيها برفض مطلق لأفعاله، فتابع هو دون أن يعير غضبها اهتمامًا:
ما هو اسمعي، أما أقولك، تكشري تعيطي، تعملي قرد حتى، أنا واحد فاض بيه من دور الخطوبة المؤقت، أنا عايز خطوبة طبيعية يا صفية، حقوق وواجبات، اللي يشوفك معدية في الشارع يعرف إنك خطيبتي…
ناس مين يا هشام؟دا إنتِ مخليتش حد في المكتب ولا حتى في العمارة اللي المكتب فيها، إلا وعرفتة،
ده حتي عم عصفور السايس، بقى كل ما يكلمني يقولي سلميلي على خطيبك.
تبسم محركًا حاجبه بثقة وزهو:
وماله يا متر، أديكي اتصيتي أهو، خطيبة الدكتور راحت، خطيبة الدكتور جات.
نفحت بحنق شديد، حينما لامس ذلك الجزء المعتز بكينونتها، لتظهر له الجانب الغبي منها كما يحدث كلما يستفزها:
طب إيه رأيك بقى؟ أنا مش عايزاه الشرف ده، ويكفيني دور المحامية اللي أنا عملته لنفسي، أنا في غنى عن أي راجل مغرور زيك يا هشام، والخطوبة دي مش…