حان الوصال ج 8

حان الوصال ج 8

❈-❈-❈
وصلنا يا بهجة، ناوية تنزلي ولا تكملي معانا؟
قالها الطبيب هشام بعد أن توقف بسيارته أمام البناية التي تسكن بها، يقصد بمزاحه أن يفك جمودها، وذلك الشرود الذي يتلبسها منذ البداية، لتضيف صديقتها أيضًا:
أنا بقول تكمل معانا أحسن، بس نروح على بيتنا بقى نرغي براحتنا للصبح، إيه رأيك يا بيبو؟
تبسمت بهجة، تترك الهاتف الذي انشغلت به منذ استقلت السيارة معهما، وتضعه في حقيبة يدها:
والله إنتِ رايقة يا صفية، هو أنا فيا دماغ أصلاً يا بنتي للرغي، إلا إذا كنتِ عايزة نكد؟
قالتها وهمت أن تغادر، تمسك بيدها على مقبض الباب، فجاءها التعقيب من الطبيب هشام:
طب ما تنكدي علينا قبل ما تنزلي وتمشي، إحنا ناس بنحب النكد أصلاً، خصوصًا لما يخص ابن حكيم، ولا إيه يا سيادة المحامية، مش برضو نفسك بتتفتح على شغل المحاكم، أول ما تسمعي عن أي مشكلة ما بينهم؟

لم تتقبل صفية هذه المرة مزاحه، ليأتي ردها بضيق:
لا طبعًا مش لدرجة دي يعني، أنا إينعم متغاظة منه، لكني مقبلش الخراب ما بينهم، ده جواز بشرع ربنا مش أي ارتباط وخلاص.
يكملك بعقلك يا غالية. قالها هشام بتسلية، قابلتها بعبوس وعتاب، ليأتي رد بهجة في الأخير:
طب وإذا كانت نيته كده فعلاً، هتعملي إيه؟ رياض باين عليه زهق واللعبة خلاص خلصت، ده حتى اتصالي بيه مش معبره.
سألتها صفية:
ليه بتقولي كده؟ أجابتها بنبرة يغلفها الحزن:
عشان ده اللي حاصل فعلاً، شكله لقى البديل، واحدة متاحة وفاتحة دراعتها ليه بحجة ابن اختها، وهو أكيد مصدق، ست بحق وحقيقي تملى العين.
قصدك على الست اللي روحت معاه؟ سألها هشام، فجاءت إجابتها بحسرة:
أيوة هي يا دكتور، شوفي هيئتها إزاي؟ لأ ولقت حجتها عشان تتلزق فيه، ابن اختها اللي طلع في البخت فجأة….

توقفت برهة، لتردف بيأس وبيدها تدفع باب السيارة للخروج:
يلا بقى، كل واحد بياخد نصيبه، سلام ولا تصبحوا على خير أحسن. وما همت بأن تنزل بقدميها كي تترجل من السيارة، حتى فاجأها قول الطبيب.
بس اللي أعرفه إن ابن حكيم مش من الرجالة التي تجري ورا النوع ده من الستات، لأنه ياما قابل في حياته أجمل وأحلى منها كمان، لكنه في الآخر مخترش غيرك يا بهجة، ولا دي كمان عايزة إثبات؟
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي،
استفاق يفتح عينيه داخل الغرفة التي يغفى بها ولأول مرة، على تخت واحد جمعه مع شقيقه الصغير، بعد أن غلبه النوم بالأمس ليبيت جواره. لم يكن أبدًا ذا قلب ضعيف، ولا تخيل في مرة أن يجمعه شيء معه سوى إرسال النقود كي يتربى وينشأ في كنف والدته، حتى وهو يعلم بطبعها غير السوي. ولم يكن يعطي بالًا لهذا.
لكن شعور الأمس، بتلك القبضة التي تعصر فؤاده، منذ علم بالمرض الذي أصابه منذ نعومة أظافره، بل ويكيف نفسه على العيش به دون شكوى أو تذمر. طفل صغير يتحمل ما لا يطيقه الكبار، وهو الذي ظل لعدد من السنوات ناقمًا على والديه، بل والعالم أجمع، بسبب تلك الأحداث المؤسفة التي تركت أثرها عليهم، ولكن لم تمس صحته، وحتى المال الذي ضاع، عوضه هو في مدة قليلة. الآن فقط يشعر بالامتنان نحو والده، بعد أن ترك له تلك القطعة النادرة، ولم يعرف بقيمتها سوى اليوم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *