حان الوصال ج 8
حان الوصال ج 8
شهقة بنشيج غص بها حلقها، تمسح بأصابعها الدموع التي كانت تسيل بغزارة دون توقف وهي تواصل امام صمت الاثنان وقد التزما بالاستماع لها الآن:
– يقولي بحبك، وانتي النفس اللي اتنفسه، يطلع بيا لساابع سما، ثم يجي فجأة ومن غير سابق انذار، يرميني على جدور رقبتي، واللي بيحز فيا ويقهرني، هو اني دايما بصدقه، بصدق لحظة العشق، بنسى وعودي، وبنسى نفسي وبنسى كياني معاه….. مع واحد شايفني مش قد المقام، واحد حاططني ع الهامش في حياته ومليش قيمة، عشان عارفني متاحة في اي وقت، مش بعترض ولا اضايقه، وحتى لو حصل مبكملش……….. بقيت حاسة نفسي قليلة اوي
وانطلقت لموجة أخرى، التقطتها أحضان صديقتها لتضمها اليها، تؤازرها بالتهديد والوعيد نحو المذكور:
– متفلقيش نفسك في العياط، ولا تزعلي خالص، مش هو رافض يسيبك، انا بقى بكرة اخلصك منه ومن قرقه، في واحدة تأمن لراجل من الاساس، دول صنف وسخ اساسا.
قالتها بحقد جعلت الاعتراض يخرج من فم الاخر:
– بتعممي ليه يا ست الاستاذة؟ طب راعي شعوري وسطيكم، ولا انتي مش شايفاني راجل قدامك مثلا؟
اخجلها بلفتته، وقد غفلت عنه بالفعل، بعد أن اخذتها الجلالة تعيش دورها الدائم في صب اللعنات على صنف الرجال بأكمله، في القضايا التي تتولاها للدفاع عن حقوق النساء.
– اسفة مخدتش بالي
قالتها كنوع من الاعتذار بتعالي يميزها، وهي تشيح بأبصارها عنه، تستفزه ليشاكسها كالعادة، ولكن هذا ليس وقته، تغاضى بصعوبة، ليتحدث مخاطبًا بهجة بجدية:
– انتي عمرك ما كنتي قليلة يا بهجة، وعشان تبقي عارفة بس، مفيش راجل بيتمسك بالست القليلة، انتي قوية بس الحب هو اللي بيضعفك، مش عايز اوجهلك نصيحة، بس انتي الوحيدة اللي تقدري تحددي، آن كنتي عايزة التطور في العلاقة ما بينكم او انهاءها، وفي الحالتين لازم تبقى قوية وتفصلي،
– انا عايزة انهيها، مش عايزة أشوف وشه حتى .
صدرت منها سريعًا وبدون تفكير، لتجعله يسألها بتشكك:
– متأكدة يا بهجة من قرارك ده؟
عرضت صفية تسبقها بحماسها:
– لو متأكدة من قرارك، ليكي عليا امشي في الإجراءات من دلوقتي، وأجبره انه ينفصل عنك، حتى لو وصلت اني اشرشحه في المحاكم.
– مستعجلة انتي اوي على خراب البيوت، ما تهمدي شوية يا أستاذة، وخفي كدة على البنية، واهدي ها، اهدي.
عضت على شفتها، تحدجه بغيظ شديد، قبل ان تعود لصديقتها متراجعة قليلًا:
– خدي وقتك في التفكير يا بهجة…… وانا في انتظارك ومعاكي يا حبيتي في اي وقت
❈-❈-❈
صباح اليوم التالي
فلم يغمض له جفن، إلا سويعات قليلة، بعدما غلبه التعب الجسدي نتيجة السفر والاجهاد المستمر في الساعات الاخيرة، وها هو يستقيظ باكرًا حتى عن ميعاده اليومي، وكان اول شيء يقوم به هو النظر بشاشة الهاتف ومطالعة سجل المكالمات والرسائل، ولكن النتيجة واحدة، لم تكلف نفسها بالرد ، رغم عدد محاولات الاتصال الكثيرة بها، او النظر حتى بالرسائل التي ارسلها.
لينهض متمتمًا باللعنات، يشرع بلقائها اليوم وتصفية جميغ الخلافات بينهما، يعلم انه قصر معها كثيرًا، ولابد من ترضيتها، فهي تستحق.
دلف إلى المرحاض، يأخذ حماما سريعًا كعادته، ثم خرج وارتدى ملابسه ليتجهز للخروج، اطمن على شقيقه نائما، ثم ذهب إلى منزل والديه ، ليرى والدته، صعد إلى الطابق الثاثي متوجها نحو غرفتها، ولكن تفاجأ بقدومها امامه، تقابله بابتسامتها الرائعة:
– صباح الخير
– صباح الفل يا ست الكل.
تمتم بالتحية، يقترب منها ويقبلها على جانبي وجهها مردفًا بغزل:
– عيني باردة عليكي، زي القمر النهاردة، وانا اللي فاكرك لسة تعبانة ورايحلك اطمن عليكي.
تبسمت تسحبه، ليهبطا الدرج معًا قائلة:
– ما انا كرهت السراير والنوم يا قلبي بقى، ما صدقت اخرح للنور، وحمد لله قادرة وماشية على رجلي اهو.
عقب بارتياح تسلل اليه:
– يارب دايما يا أمي، دا احب ما عليا.
– حبيبي ربنا يخليك ليا .
تمتمت بها نجوان نحوه ، تضمه اليها من خصره، ليصدح صوت نبوية في الأسفل وهي تتابع نزولهما بسعادة للم شمل الام بابنها اخيرا، بعد سنوات من الجفاف والابتعاد :
– بسم الله ما شاء، اللي يشوفكم، ميقولش ام وابنها، يقول عروسة وجوزها، ربنا يحرسكم من العين.
تبسم هو لقول المرأة وردت نجوان ضاحكة:
– بطلي مبالغة يا ست انتي هتخليني اصدق بجد ، المهم بقى جهزتي اللي اتفقنا عليه.
اجابتها نبوية بلهفة:
– كل حاجة زي ما امرتي، قبل ما تنزلي بالظبط عم علي دخل اخدهم وسبقك على العربية.
– هما ايه اللي اخدهم عم علي وسبقك بيهم على العربية
تسائل بها رياض قبل أن تأتيه الإجابة من والدته:
– دي حاجات للاطفال الأيتام يا قلبي ، اصلنا طالعين بيهم رحلة النهاردة نرفه عنهم، يعني اكيد هتأخر معاهم برا يعني متقلقش.
باستدراك سريع واصل يستفهم منها:
– طب وبهجة، رايحة معاكي كمان؟
نفت له بهزة من رأسها :
– لا هي اتصلت واعتذرت، بتقول عايزة تريح النهاردة في البيت مدام مفيش شغل في الجمعية.
❈-❈-❈
وفي منزلها
وقد غادرت عائشة بصحبة شقيقها إيهاب ولم يتبقى سوى جنات والتي تأخرت عنهما، حتى ترفع الاطباق والطعام المتبقي من وجبة الإفطار التي اعدتها بنفسها اليوم، نظرا لعدم استيقاظ شقيقتها حتى الآن، وقد جافى النوم عينيها، حتى موعد اذان الفجر، حتى أدت صلاتها وقرأت وردها من القرآن ثم غلبها سلطان النوم اخيرا.
قامت جنات بتنظيف المطبخ وجلي الاواني، قبل ان ترتدي ملابسها وتتجهز للخروج، ثم دلفت اليها لتخبرها، فدنت منها تدفعها بأصبعها بخفة:
– بهجة يا بهجة،
زامت بفمها لتشد عليها الغطاء بتذمر:
– اممم عايزة ايه يا جنات، سبيتي عايزة انام انا لسة راسي تقيلة.
همست لها بصوت خفيض حتى لا تزعجها:
– انا عايز اقولك بس اني ماشية يا بيبو، إيهاب كمان سحب عائشة يوصلها لمدرستها قبل ما يروح هو على جامعتي، تحبي نجيبلك حاجة معانا؟ ولو في شيء ناقص في البيت نشتريه معانا واحنا راجعين……. بهجة
ردت بنصف وعي حتى ترجع لنومها مرة أخرى:
– لا مش عايزة، ولو عوزت هبقى اتصل بيكي.
– ماشي يا بهجة
تفوهت بها جنات ، بعد أن تيقنت من إيقاظها تتابع:
– طب انا همشي بقى، وهبقى اتصل بيكي عشان الشباب اللي هيفتحو الكافيه على ما نرجع احنا من جامعنتا، سلام يا بيبو.
ختمت بها تطبع قبله أعلى رأسها، ثم تحركت تغادر وتتركها تغوص في نومها، حتى تريح العقل المتعب من كثرة التفكير، فلم تشعر بمرور الوقت ، ولا بالذي دلف إلى غرفتها يضع الحقيبة التي كان يحملها على الارض، ثم خلع سترته يلقيها على جانب الفراش، ليصعد التخت ويزحف بخفة حتى يتسطح بجوارها متكئًا على مرفقه، يتأمل ملامحها الجميلة، وتلك السكينة التي تنام بها، يلعن غباءه الذي آخره في اتخاذ خطوة جريئة تمكنه من الاحتفاظ بها داخل منزله ، وعلى سريره، في مكانها الطبيعي داخل حضنه وبين ذراعيه، طال تجديقه بها، حتى تجرأ يزيح شعرها للخلف، ويمسح بأنامله على بشرتها الناعمة برقة، حتى استفاقت، تفتح اجفانها للضوء، فتقابل وجهه بهذا القرب الشديد يبتسم لها بحنان ، وخضراوتيها تطالعه بسكون، فقد ذهب ظنها للحلم، كانت تظن انها تحلم فلم تعي بحقيقة حضوره امامها سوى عندما دنى يقتطف قبلة من شهد ثغرها، لتنتفض بإجفال ، ثم تبعده عنها بقبضتيها صائحة بها:
– يا نهار اسود، انت حقيقة ولا خيال؟ ايه اللي جابك هنا؟
رفع كفيه امامها باستسلام حتى تهدأ:
– اهدي يا بهجة انا رياض حبيبك مش خيال ولا عفريت طلعلك من الحيط
سمعت منه تطالعه بذعر تنقل بأبصارها ما بين باب الغرفة وبينه، تحاول الاستيعاب:
– طب ودخلت هنا ازاي؟ دخلت ازاي يا رياض واخواتي مش موجودين، ولا كسرت الباب؟ كسرت الباب يا رياض كسرت الباب
– طب واكسر الباب ليه؟ وانا معايا المفتاح.
قالها بسهولة يرفع مفتاح مشابه طبق الأصل لذلك الخاص بمنزلهم، لتتوجه له بالسؤال:
– وايه اللي يجيب مفتاحنا عندك؟
تبسم يجيبها:
– انتي ناسية ان انا اللي مضيت العقد مع صاحب البيت القديم، وانا اللي اديتك مفتاحه؟ احتفظت يا ستي بنسخة منه، عشان تعرفي بس ان مفيش باب يمنعني عنك.
ودنى يخطف قبله أخرى من ثغرها، ليفاجأ بتجمدها، ونظرتها مرتكزة عليه دون ان يتحرك لها جفن:
– مالك يا بهجة؟ دا زهول دا ولا اندهاش؟ ولا هي صدمة وعايزاني افوقك.
قال الأخيرة بعبث، يهم بتكرار فعلته، ولكنها هذه المرة استفاقت لتدفعه عنها بعنف، ثم تنهض بجزعها الفراش والتخت ايضًا لتقف قائلة له بغضب:
– لو اعرف من البداية انك تملك نسخة تانية منه، البيت دا مكنتش عتبته ولا قبلت اسكن فيه ولو يوم واحد
نهض هو الاخر، وقد صدمه رد فعلها، ليحاول التخفيف بما يشبه الاعتذار؛
– لدرجادي يا بهجة، انا بس كنت عايز أعمالهالك مفاجأة، مكنتش اعرف انك هتاخديها بالحساسية دي، دا انا جايبلك معايا شنطة هدوم وهدايا كتير، اهي تعالي افتحها وتشوفي جايب ايه فيها.
– بس انا مش عايزة منك هدوم ولا هدايا
قاطعته بها بنبرة حادة يقطر منها الجفاء، ليترك الحقيبة يوجه ابصاره نحوها بتمعن، ملامحها التي تغيرت بشدة وكأنها اصبحت امرأة أخرى:
– انتي مالك متغيرة كدة؟ عارف انك زعلانه، بس…..
– بس ايه؟
– بس انا جاي اصالحك
– وانا مش قابلة.
هتفت بها باستغناء يثير الدهشة، تمط شفتيها بابتسامة ساخرة فتضاعف من زهوله:
– معلش بقى، قابلت مفاجأتك الرائعة بقلة زوق مني، قلة اصل بقى تقول ايه؟