جواد بلا فارس الاخير
جواد بلا فارس الاخير
عادت “سمر” الى العيادة فوجدت عاملة النظافة تنظف المكتب فبحثت عن هاتفها فوق المكتب وهى تقول :
– مشفتيش موبايلى بيتهيألى كنت سايباه هنا
قالت المرأة وهى تنظر يميناً ويساراً :
– لا يا دكتورة والله مشفتوش
قالت “سمر” بحيرة ممزوجة بالضيق :
– أمال هيكون راح فين بس
اتجهت الى البالطو الأبيض المعلق على الشماعة بجوار المكتب ودست يدها فى جيبه لتظهر ابتسامة على شفتيها وهى تقول :
– الحمد لله لقيته
رن جرس الهاتف الموضوع فوق المكتب .. فالتقطت السماعة .. كانت احدى الأمهات تسألها عن طفح جلدى آلم بصغيرها .. جلست “سمر” فوق مكتبها تجيب على أسئلة المرأة بصبر .. خرجت عاملة النظافة من المكتب .. وفجأة أظلم كل شئ .. فصاحت “سمر” وهى تضع يديها على سماعة الهاتف :
– يا حجه .. هو مفيش هنا كشاف
أتاها صوت المرأة وهى تصيح قائله :
– بدور أهو يا دكتورة
عادت لتكمل حديثها مع الأم عبر الهاتف .. فجأة سمعت صوت صراخ المرأة بالخارج .. فهبت واقفة وسقطت السماعة من يديها .. نادت المرأة فلم تجيبها .. وضعت يدها على قلبها وهى تمتم بصوت مرتجف :
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
صرخت تناديها مرة أخرى دون جدوى .. تساقطت عبراتها فى ظلام الغرفة .. أخذت تبحث فوق المكتب عن هاتفها بأيدي مرتجفة فلم تجده من فرط توترها .. فجأة رأت كتلة لهب كبيرة تمر من أمام الباب لتملأ الردهة فى الخارج .. نظرت الى النار بأعين متسعة وقد ارتجف جسدها فزعاً وهلعاً .. جمدها خوفها فى مكانها .. فقط كانت تنظر الى النار كالتمثال !
أسرع كل من “كريم” و “على” و “زياد” بالحضور الى العيادة بعدما توجه فرد الأمن الى مكتب “كريم” ليخبرهم بأمر الحريق .. أسرع البعض بالإتصال بالمطافئ .. بينما تناول البعض طفايات الحريق الصغيرة يحاولون بها اخماد تلك النيران التى اندلعت فى عيادة الأطفال التى كانت ترتفع طابقين عن الأرض .. كانت عاملة النظافة جالسه على الأرض تبكى وهى تمسك برأسها الذى ينزف دماً .. سألها “كريم” بلهفه :
– ايه اللى حصل ؟
قالت المرأة الباكية :
– واحد خبطنى على راسى وفجأة لقيت النار حوليه حطيت بطانية حوليا وخرجت و ……..
لم تستطع أن تكمل حديثها فقد سقطت مغشياً عليها .. حملها “على” وتوجه بها مسرعاً الى أحد الأطباء المقيمين فى القرية لحين حضور الإسعاف .. نظر “كريم” الى “زياد” بقلق وهو يقول :
– أنا خايف يكون فى حد جوه
قال “زياد” بلهفة وهو يرتدى احدى المعاطف الواقية ويعطى آخر لـ “كريم” :
– تعالى نشوف قبل ما النار تمسك فى المكان أكتر من كده
دخل كلاهما .. كانت النيران تشتعل من الجدران وكأن أحدهم سكب عليها سائل سريع الاشتعال .. لم تكن النيران قد وصلت الى الأرضية فاستطاعوا المرور دون صعوبة كبيرة .. أخذا ينظران فى الغرف التى سُدت فتحاتها بالنيران وهما يصيحان :
– فى حد هنا ؟
فجأة سمعا صوت “سمر” التى صرخت باكيه :
– أنا هنا
وقف “كريم” و “زياد” أمام مدخل الغرفة المشتعل وتلك النيران التى تفصلهما عن “سمر” التى وقفت خلف المكتب باكية العينين ضامة قبضتيها الى بعضهما البعض واضعة اياهما فوق صدرها .. كانت ترتجف كورقة فى مهب الريح .. فصاح “زياد” فى “كريم” :
– خليهم يحطوا مرتبة تحت الشباك بسرعة يا “كريم”
رجع “زياد” الى الخلف وأحاط نفسه بالبطانية بإحكام ثم اندفع داخل الغرفة ليقف فى وسطها .. توجه “كريم” مسرعاً لإحضار المرتبة .. كانت “سمر” ترتجف بشدة .. فنظر اليها “زياد” قائلاً :
– لا أبوس ايدك اوعى يغمى عليكي دلوقتى .. متخفيش النار بعيد عنك
التفت ينظر الى مدخل الغرفة والذى أكلته النيران المسعورة حتى أصبح من الصعب الخروج خاصة وقد ازداد اشتعال الممر بالنيران .. فتح “زياد” النافذة التى تقع خلف المكتب ونظر الى الأسفل .. لحظات ووجد “كريم” يحضر مرتبة ووضعها أسفل الشباك وأحضر بعض الرجال مرتبة أخرى .. التفت الى “سمر” قائلاً :
– يلا نطى انتى الأول
نظرت “سمر” من النافذة وهى تصيح باكية :
– انت بتهرج مش هعرف أنط
نظر الى الأسفل ليجد الرجال أحضروا المزيد من المراتب حتى تستطيع امتصاص صدمة سقوطهما .. جذبها “زياد” بإصرار فى اتجاه النافذه وهو يهتف :
– يلا يا بنتى النار هتطولنا
قالت وهى تبكى :
– أنا خايفة
قال لها وهو ينظر الى الأسفل :
– متخفيش مش هيحصلك حاجة .. عارفه لعبة السوست اللى الأطفال بتتنطط فوقيها .. تخيلى انك بتلعبيها معاهم
نظرت اليه “سمر” بمزيد من الدهشة والغيظ وهى تهتف :
– لعبة السوست .. انت بتستهبل
صرخ فيها “زياد” قائلاً :
– يا ربى على لت الحريم .. اخلصى النار هتطولنا
نظرت الى النافذة .. ثم بمساعدة “زياد” تمكنت من الوقوف فوقها ثم .. أغمضت عينيها لتقول الشهادتين وتقفز من النافذة مع صيحة “إيمان” الواقفة فى الأسفل :
– سمرررر
أسرعت الفتيات بمساعدة “سمر” على النهوض .. نظرت اليها “إيمان” الباكية وهى تهتف بلوعة :
– “سمر” انتى كويسة
أومأت “سمر” برأسها وهى مازالت لا تصدق أنها نجت من الموت المحقق .. التفتت تنظر الى “زياد” الذى وقف فوق الشرفة يتابعها بعينه الى أن تأكد من سلامتها .. ثم يقفز ليصيح بألم :
– آآآآآآآآآآآآآآآه
التوت ذراعه أسفل جسده .. اقترب منه “كريم” وبعض الرجال .. صاح بلهفه :
– انت كويس يا “زياد” جرالك حاجة
أمسك “زياد” ذراعه وهو يهتف بألم :
– حسبي الله ونعم الوكيل .. مرتبة دى ولا صبة أسمنت .. انتوا منجدينها بإيه يا ظلمه
ساعد “كريم” “زياد” على النهوض فى تلك اللحظة أقبل “آدم” وهو ينظر الى صديقه فى لوعة قائلاً :
– “زياد” ايه اللى حصل .. ايه اللى بهدلك كده
قال “زياد” وهو ممسك بذراعه ويأن ألماً :
– أنا كويس كويس .. متقلقش بس شكلى هحتاج أجبس
ساعده “آدم” على ركوب سيارته ثم أخذ منه المفتاح وانطلق به الى المستشفى بينما انهمك “كريم” مع الرجال فى اطفاء الحريق !