جواد بلا فارس الاخير

جواد بلا فارس الاخير

لأول مرة منذ سنوات يركب “آدم” المواصلات العامة .. كان قد نسى تلك المعاناة الشاقة التى تذكره بأيام ثانوى وبالجامعة حينما كان يتزاحم وسط الركاب ليستطيع أن يجد مكاناً يقف فيه .. يعد الدقائق التى تفصله عن مكان نزوله فينزل بنفس الصعوبة التى صعد بها !
كان المنظر يبدو غريباً .. رجلاً وسيماً يرتدى حل أنيقة للغاية يرتاد المواصلات العامة ! .. كان معه ما يكفى ليركب أحد سيارات الأجرة .. لكنه لم يستطع مقاومة اغراء ركوب الحافلة .. تذكر “آدم” ذو الثامنة عشرة ربيعاً والذى كان يرتاد تلك الحافلة يومياً للذهاب الى جامعته .. سابحاً فى بحر أحلامه وطموحاته .. بقلبه النقى التقى وعينيه الشغوفتان .. وآماله العريضه التى يخطها عقله .. وعلى الرغم من مرور خمسة عشر عاماً .. إلا أنه فى تلك اللحظة شعر كما كان يشعر “آدم” ذو الثمانية عشرة ربيعاً .. رغم الزحام الشديد فى هذ الوقت من اليوم .. ورغم وقوفه بطريقة غير مريحة .. الا أنه شعر بإبتسامه صغيره تلوح فوق شفتيه .. كان شعور الرضا يغمر قلبه .. شعر بأنه أزاح حملاً ثقيلاً عن قلبه فصار خفيفاً يرفرف بجناحيه داخل قفصه العظمى !
نزل ليركب احد الأتوبيسات المتوجهة الى العين الساخنة .. ليعود مرة أخرى الى قرية المــاســة .. تلك القرية التى يشعر الآن بإنتماء شديد اليها .. لكل بنيانها ولكل سكانها .. وكأنه كان يعيش فيها منذ الأزل .. توقف الأتوبيس ليركب مرة أخرى سيارة توصله الى القرية .. دخل القرية مفرود الصدر .. ممشوق القامة .. يشعر بأنه انتصر أخيراً على تلك النفس الأمارة بالسوء .. والتى تحدث عنها “كريم” فى خطبته .. نعم استطاع مقاومتها .. مكافحتها .. وترويضها .. تمنى أن يصل الى مرحلة تلك النفس المطمئنة .. تمنى أن يصبح أفضل وأفضل .. لكنه ذكر نفسه قائلاً .. ليس بالتمنى فقط يصل الإنسان الى ما يريد يا “آدم” .. غاص فى البحر من أراد اللآلئ ! .. توجه الى مسجد القرية ليصلى فريضة العشاء .. ثم جلس فى أحد الأركان يقرأ من مصحفه الصغير الذى بات لا يفارقه !

فى اليوم التالى شعر الجميع بتغيير فى اسلوب “آدم” الذى اتسم بمرح لم يألفوه من قبل .. كان يعمل بمزيج من الثقة بالنفس والتفاؤل .. وكأنه ملك الدنيا بأسرها .. انعكست نفسيته على عمله فأبدع ! .. سعد “زياد” بهذا التغيير الذى آلم بصديقه .. سأله فجأة :
– انت فين عربيتك ؟
ابتسم “آدم” قائلاً :
– بعتها
نظر اليه “زياد” بدهشة وقال :
– بعتها ليه .. هتغيرها ؟
قال “آدم” بهدوء :
– لأ .. بعتها واديت فلوسها لـ “بوسى” .. عشان أرد الدين اللى كان فى رقبتى ليها
نظر اليه “زياد” بإعجاب وربت على كتفه قائلاً :
– متزعلش ربنا يعوضك غيرها ان شاء الله
ضحك “آدم” قائلاً :
– أنا مش زعلان على فكرة .. بالعكس .. عارف لما تحس انك كان فى حاجة مقيداك وفجأة اتحررت منها .. أهو أنا ده احساسى دلوقتى .. ياريتنى كنت عملت كده من زمان .. لى كنت هعرف انى هرتاح كده كنت بعتها من زمان ورجعتلها فلوسها
فى تلك اللحظة توجهت “سمر” الى العيادة .. لمحها “زياد” وهى تدخل المبنى .. فقال وهو يغدو مسرعاً :
– سلام دلوقتى يا “آدم”
جلس “آدم” على أحد المقاعد فى الحديقه .. يرفع ذراعيه على ظهر المقعد الكبير كما لو كان صقراً يهم بالطير فى السماء .. خرجت من مبنى الإدارة برفقة “أسماء” .. تتجاذبان أطراف الحديث .. نظر اليها متأملاً .. وابتسامه عذبة على شفتيه .. حانت منها التفاته اليه .. لترى “آيات” نظراته المصوبة تجاهها .. اتسعت ابتسامته العذبة .. خفق قلبها بقوة .. فأشاحت بوجهها بسرعة .. وحثت السير لتغادر المكان !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *