جواد بلا فارس الاخير

جواد بلا فارس الاخير

****************************************

جلست “سمر” ليلة عرسها تنظر الى فستان زفافها الأبيض الطويل وعيونها تلمع بعبرات خفيفه وباتسامه صغيره على ثغرها .. علقته فى مكان مرتفع حتى لا يتكرمش ثم دخلت الى فراشها بعدما شربت كوباً من اللبن الدافئ .. نظرت الى فستانها بفرح .. ثم ما لبثت أن اختفت ابتسامته اتدريجياً ولمعت العبرات فى عينيها أكثر .. حتى كانت عيناها كبئر فاض بمائه على ما حوله ..مسحت عبراتها بأصابعها وهى تحاول تمالك نفسها دون جدوى .. فتحت أمها الباب فجأة مبتسمة وهى تقول بمرح :
– “سمر” .. أنا ……..
تجمدت ابتسامتها على ثغرها وهى تنظر الى “سمر” الباكية .. اقتربت منها بلوعة وقالت :
– “سمر” مالك .. اتخانقتى انتى و “زياد” ؟
هزت رأسها نفياً .. وهى تحاول أن تهدئ من روعها .. جلست أمها بجوارها وقالت وهى تمسح عبراتها بيدها :
– أمال مالك يا حبيبتى
قالت “سمر” بصوت مرتجف وهى تضم قدميها الى صدرها :
– كان نفسى بابا هو اللى يكون وليى … ويكون موجود يوم فرحى .. حسه ان مليش حد .. كان نفسى هو اللى يسلمنى لـ “زياد” ويقوله خلى بالك من بنتى .. متزعلهاش .. متضايقهاش .. كان نفسى أشوف الفرحه فى عنيه .. ويعيط ويقولى هتوحشيني يا “سمر”
أنهت كلامها لتجهش فى بكاء حار وهى تهتف :
– لكن أنا مش فارقه معاه أصلاً .. مش فارقه حتى انه يشوفنى ولا يطمن عليا .. خلفنى ليه طيب .. خلفنى ليه ؟
لم تتمالك أمها نفسها هى الأخرى ووضعت كفها على فمها لتجهش هى الأخرى فى البكاء .. قالت “سمر” بصوت باكى يئن ألماً :
– عارفه رغم كل السنين اللى فاتت دى .. أنا لسه عندى أمل انه فى يوم قلبه يحن ويسأل عليا .. عارفه لو جالى وقالى سامحيني أنا هعمل ايه ؟
نظرت اليها أمها لترى ذاك الألم الذى ينطق به وجه “سمر” ودموعها المتساقطة وهى تقول بمرارة :
– هسامحه .. والله هسامحه .. وهنسى كل حاجة ..بس هو ييجى بس .. أو حتى يسأل عليا .. ده ميعرفش حتى اذا كنت عايشة ولا ميته
تنهدت أمها بقوة عليها تطفئ من تلك النيران التى شعرت بها داخل صدرها .. ثم نظرت الى “سمر” بتردد .. بخوف .. بألم .. بخجل .. بضيق .. بحنان .. بأسف .. وقالت :
– لأ عارف
توقفت “سمر” عن البكاء لتنظر اليها دون فهم .. فأكملت أمها بصوت مرتجف :
– عارف انك عايشة .. وانك كبرتى ودخلتى المدرسة .. ومش ناقصك حاجة
اتسعت عينا “سمر” فى محجريهما بشدة .. وفغرت فاها فى دهشة وقد شلت الصدمة لسانها .. لحظات وبلعت ريقها وهى تقول بلهفة :
– يعني ايه .. وهيعرف منين .. مش فاهمة .. وانتى عرفنى منين .. انتى بتقولى ايه
قالت أمها وهى تغالب عبراتها :
– أبوكى اتصل بيا يطمن عليكي يا “سمر”
أمسكتها “سمر” من ذراعها بقوة وهى تهتف بلهفة :
– ماما انتى بتقولى ايه .. ازاى يعني .. بابا بيكلمك وانتى بتكلميه .. ازاى يعني .. ماما فهميني أبوس ايدك
هتفت أمها بألم وهى تعاود بكائها :
– أبوكى المحترم بعد ما سابنى وسابك وسافر منعرفش عنه حاجة رجع افتكر بعد 15 سنة غياب ان عنده زوجة وبنت .. اتصل على تليفون البيت القديم الى كنا عايشين فيه .. حاول يعتذر ويتأسف كان ممكن أسامحه بس ………
ثم هتفت بغضب ومرارة :
– لقيته بيقولى انه اتجوز واحدة من البلد اللى كان عايش فيها .. وخلف منها كمان .. وقالى وقتها انه رجع مصر هو ومراته وولاده وعايز يشوفنى ويشوفك
اتسعت عينا “سمر” وهى تسمع مصدومة الى اعتراف والدتها التى أكملت بحده :
– طبعاً رفضت وقولته مستحيل أخليك تشوفنى ولا تشوف بنتك .. حاول كتير واترجانى كتير .. بس احنا كنا خلاص ظبطنا حياتنا من غيره .. ومعدلوش وجود بينا
هتفت “سمر” بحده :
– ليه ما قولتليش يا ماما .. ليه لما اتصل بيكي ما قولتليش
قالت والدتها بغضب هادر :
– أقولك ليه .. ده واحد باعنى وباعك وراح عاش فى بلد تانية وكون أسره تانية .. ووقت ما حب ينزل مصر افتكر انه له بنت مخلفها .. ده واحد ميستحقش انه يكون أب
قالت “سمر” باكيه :
– وأنا قولتلك انى مستعده أسامحه .. انتى متعرفيش احساسى وأنا عايسة وعارف ان ليا أب وناسيني ومبيسألك عليا .. ليه ما قولتليش وقت ما اتصل يا ماما .. ليه .. كان من حقى أعرف
ثم قالت كأنها تحدث نفسها :
– يعني لما اتصل بيكي كنت أنا عندى 15 سنة ولا 16 سنة .. كان ممكن تريحيني وتقوليلى على الأقل انه اتصل بيا .. انه سأل عنى .. بدل ما تسيبنى أتعذب كده
ثم نظرت اليه وهتفت :
– حرام عليكى ليه تحرمينى منه
قالت أمها بغضب :
– هو اللى حرمك منه مش أنا
قالت “سمر” بعتاب :
– انت بصيتى لكرامتك يا ماما ولزعلك منه لكن مبصتيش اذا كنت أنا محتجاه فى حياتى ولا لأ .. مش من حقك تحرميني منه طالما طلب يشوفنى .. أى زوج وزوجة لما بينفصلوا عن بعض المفروض ميدخلوش ولادهم فى خلافاتهم .. هما ملهمش ذنب .. حتى لو الأم كرهت الأب والأب كره الأم ولادهم هيفضلوا يحبوهم هما الاتنين .. وهيفضلوا محتاجينلهم هما التنين .. وحرام واحد فيهم يحرم التانى من ولاده .. حرام .. كان لازم تبصيلى أنا وتهتمى بمشاعرى أنا مش بمشاعرك انتى .. كان لازم تشوفى أنا محتاجه بابا ولا لأ .. عايزه أشوفه ويشوفنى ولا لأ .. حتى لو انتى كرهتيه أما مش هقدر أكرهه أنا بحبه حتى من غير ما أشوفه .. حرام عليكي اللى عملتيه فيا
ثم قالت باكية :
– انتى كده قاطعه للرحم يا ماما .. بعدتيني عن بابا طول السنين دى .. عارفه ربنا بيقول ايه عن قاطع الرحم .. “وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ”
ثم قالت :
– عارف النبي صلى الله عليه وسلم بيقول ايه .. “إن أعمال بني آدم تعرض على الله تبارك وتعالى عشية كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم”
تنهدت أمها بأسها وهى مطرقة برأسها مغمضة العينين تشعر بالوهن .. ربتت “سمر” على ظهرها قائله بقلق :
– ماما انتى كويسة ؟
أومأت برأسها دون أن تفتح عينيها .. لحظات وهضت وخرجت من الغرفة .. أسندت “سمر” برأسها الذى أصابعه الصداع الى وسادتها وهى تفكر فى أسى في اعترافات والدتها التى لم تكن تتوقعها قط .. عادت والدتها حاملة هاتفها .. أعطتها لها قائله :
– ده رقمه .. احتفظت برقمه .. معرفش ليه احتفظت بيه .. بس وقتها كان التليفون فيه اظهار .. ولقيت نفسى بحتفظ بالرقم وبكتبه عندى فى ورقة
ثم قالت :
– معرفش لو اتصلتى هتلاقى حد يرد عليكي ولا لأ .. أنا مجربتش أتصل بيه أبداً
تركتها أمها وأغلقت الباب خلفها .. نظرت “سمر” الى رقم الهاتف المدون فى هاتف والدتها .. هذا هو الخيط الوحيد الذى قد يصلها بوالدها مرة اخرى ..
تُرى أتأخذ تلك الخطوة وتهاتفه .. لم تحتاج وقتاً للتفكير .. اتصلت بأيدي مرتعشة وبقلب وجل ومشاعر مضطربة .. سمعت الرنين كالطنين فى أذنها .. ممل .. رتيب .. ثــم :
– ألو
صوت رجولى .. لم تستطع أن تتبين إن كان صغيراً أم كبيراً .. رد الصوت مرة أخرى :
– ألو .. ألو
صوته أجش .. مازالت لا تستطيع تحديد سنه .. أغلق الخط ! .. حاولت الاتصال مرة أخرى :
– أيو .. مين بيتصل .. الخط مفتوح رد
تنحنحت وقالت بصوت خافت جداً :
– ألو
– أيوة .. مين ؟
لا تعرف ماذا تقول .. لا تعرف إن كان والدها أم لا .. قالت بصوت مرتجف مضطرب :
– أنا .. انا “سمر” .. ممكن أكلم …..
أرادت أن تقول بابا لكنها لم تستطع .. اغرورقت عيناها بالعبرات .. لم تنطق تلك الكلمة قط .. لم توجهها الى رجل قط .. كيف تنطقها الآن .. قال بصوت يبد وعليه آثار البكاء :
– أنا كنت عايزة أتكلم مع الأستاذ ………
لم تكمل حديثها .. قاطعها الرجل قائلاً :
– “سمر” !
حاولت السيطرة على ارتجافة صوتها وهى تقول :
– أنا .. أيوة اسمى “سمر” .. أنا لو سمحت كنت عايزه أتكلم مع الأستاذ “……..” .. هو موجود ؟
لم تجد رداً .. فقط تستمع الى صوت تنفسه المضطرب .. فقالت بتوتر :
– أنا معرفش اذا كان ده رقمه ولا لأ .. الرقم قديم يعني ……..
قطعت حديثها عندما سمعت الرجل يجهش فى البكاء وهو يهتف بإسمها قائلاً :
– “سمر” .. انتى “سمر” .. بنتى ؟
تساقطت عبراتها وعلاات الألم على وجهها .. أغمضت عينيها بشدة وصوته يسرى فى أذنيها لأول مرة .. قال بلهفة :
– “سمر” .. اتكلمى .. انتى “سمر” بنتى مش كده ؟
قالت من بين شهقاتها :
– أيوة
قال بصوت حمل كل معانى الشوق والهفة والحنين :
– يا حبيبتى .. وحشتيني أوى أوى .. “سمر” اتكلمى عايز أسمع صوتك
ثم أجهش فى البكاء مرة أخرى .. قالت :
– انا مكنتش أعرف انك اتصلت بيا .. انا كنت فاكرة ……..
قاطعها بلهفة :
– انتى فين يا “سمر” .. عايز أشوفك .. أرجوكى يا بنتى .. نفسى أشوفك .. قوليلى مكانك يا “سمر .. عشان خاطرى قوليلى مكانك
قالت بسعادة من بين بكائها ودموعها وهى لا تصدق لهفته على رؤياها وعلى الحديث معها وعلى القدوم اليها :
– أنا فى العين السخنة .. فى قرية اسمها الماسة .. أنا ……
صمتت لبرهه ثم قالت :
– أنا فرحى بكرة
ثم أجهشت فى البكاء قائله :
– ونفسى أشوفك أوى
قال بصوت مرتجف :
– وأنا كمان نفسى أشوفك .. أنا هجيلك النهاردة .. ينفع يا بنتى ؟ .. ينفع أجيلك دلوقتى ؟
قالت بلهفة :
– أيوة . أيوة ينفع .. تعالى .. هستناك
قال وضحكاته تختلط ببكائه :
– طيب ادينى رقمك .. لو معاكى موبايل ادينه رقمه
أملته “سمر” هاتفها .. فوجدت رقماً يتصل بها فقال بلهفة :
– ده رقمى .. ماشى .. عشان لو معرفتش أوصل هكلمك .. انا جايلك حالاً يا “سمر” .. ماشى يا بنتى .. حالاً هجيلك
ابتسمت قائله وهى تمسح العبرات التى تغرق وجهها :
– ماشى مستنياك
أنهت المكالمة والتفتت لتجد والدتها واقفة أمام الباب وقد استمعت للمكالمة وعبراتها فى عينيها .. نظرت اليها “سمر” بأسى ثم قامت لترتمى فى أحضانها وهى تقول :
– مش قادرة أستنى لبكرة قولتله ييجي دلوقتى .. عشان خاطرى متزعليش بس أنا بحبك وبحبه برده .. ومش عايزة أبعد عن حد فيكوا .. متزعليش منى
ربتت أمها على شعرها وقبلت رأسها قائله :
– مش زعلانه منك .. انتى اللى متزعليش منى
قبلتها مرة أخرى فنظرت اليها “سمر” بفرح وهى تقول بلهفة :
– انا مش مصدقه انى خلاص هشوفه .. ألبس ايه .. تعالى قوليلى ألبس يه .. طيب هو كان بيحب ايه عشان أعملهوله على ما ييجى
ابتسمت أمها من بين دموعها وهى تنظر الى ابنتها ولهفتها على ملاقاة أبيها .. شعرت وقتها الندم الشديد لحرمانهما من بعضهما طيلة الأعوام الماضية .. من أجل الثأر لكرامتها الجريحة .. كان يجب أن تبدى مصلحة بنتها ومشاعرها على مصحتها هى ومشاعرها هى .. تنهدت فى أسى وهى تستغفر ربها على ما فعلت فى حق ابنتها الوحيدة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *