جواد بلا فارس الاخير

جواد بلا فارس الاخير

************************************
اتصلت “إيمان” بـ “كريم” لتقول فى قلق بالغ :
– “آيات” لسه مرجعتش يا “كريم” أنا قلقانه عليها أوى خايفة يكون ابن عمها خطفها
قال بقلق :
– ازاى يعني لسه مرجعتش .. طيب اقفلى
اتصل “كريم” بـ “آيات” فلم تجيب .. فهاتفها متروك بداخل الحافلة .. اتصل بالمشرف فأخبره بما حدث وبأنه أرسل سيارة لاحضارها هى و “آدم” .. اتصل “كريم” بـ “آدم” فتمتم :
– أخوكى بيتصل
انتبهت “آيات” وسمعته يقول :
– أيوة يا “كريم” .. لا متقلقش لقيها .. العربية فى الطريق .. ماشى .. طيب ثوانى
أعطاها الهاتف قائلاً :
– “كريم” عايز يطمن عليكي
ردت وطمأنته على نفسها .. وأخبرها بان السيارة فى طريقها اليهما .. أنهت المحادثة ومدت يدها بالهاتف اليه .. أخذه ووقف مبتعداً كما كان .. أخذت تفرك ذراعيها بكفيها فى محاولة لبث الدفئ فيهما .. التفت اليها “آدم” قائلاً :
– بردانه ؟
وبدون ان ينتظر ردها .. خلع جاكيت البدلة وهم بان يتوجه اليها ليعطيه لها .. عندمــــا .. رآى شئ اسطوانى طويل يزحف على الصخرة خلفها .. دقق النظر ليجد ثعباناً ذو رأس كبير وعينين حمراوين ولسان مشقوق يحركة حركات مرتعشة يزحف فى تؤدة بالقرب منها .. رفعت رأسها تنظر الى “آدم” .. اتسعت عيناه فى دهشة وهى تراه مقبل عليها بسرعة ونظرة غريبة فى عينيه .. فى نفس الحظة التى هم الثعبان بأن ينقض عليها بنابيه .. أمسكه “آدم” بيديه الاثتنين .. اطلقت “آيات” صرخة طويلة وهبت واقفة وهى تنظر الى هذا الشئ الذى يتلوى فى يدي “آدم” .. أطلق “آدم” صيحة قبل أن يتركه ليسقط أرضاً .. أخذ يزحف مبتعداً ليترك خلفه على الرمال آثاراً متعرجة .. اتجه الى “آيات” التى كان وجهها ينطق بأعتى علامات الفزع .. هتف قائلاً بلهفة :
– “آيات” التعبان عضك ؟
أخذت تنهج بشدة .. ثم قالت بصوت خافت :
– لأ
اتسعت عيناها وهى تنظر الى آثار العض والدماء على يده .. فصاحت بجزع :
– “آدم” .. عضك يا “آدم”
أخذت تجهش فى البكاء وهى تتلفت حولها قائله :
– “آدم” لازم نشوف دكتور بسرعة .. أكيد كان مسمم
أمسك “آدم” بيده وهو يتمتم :
– متقلقيش
قال ذلك وهو يشعر بداخله بخوف كبير .. خوف من أن يسرى سم الثعبان داخل جسده قبل أن تصل السيارة وتحمله عائداً الى القرية .. خوف من أن يتسمم دمه ويلفظ أنفاثه قبل أن يتمكن من أخذ المصل .. خوف من أن يلاقى ربه دون أن يعلم ان كانت توبته قد قُبلت أم لا .. يالله .. أنا لست مستعداً للموت .. لست واثقاً بعد من أنك غفرت لى ذنوبى .. لست مستعداً لدخول قبرى .. لست مستعداً لأن يقبض ملك الموت روحى .. أريد أن أكفر عن ذنوبى أولاً .. أريد أن أغرق نفسى فى الطاعات لأتطهر مما لوثت به نفسى من آثام .
نظرت اليه “آيات” بلوعة وهى تبكى بقوة وقالت :
– “آدم” انت كويس
لم تستطع أن تتبين هروب الدماء من وجهه تحت ضوء القمر .. لم يجيبها “آدم” .. بدا عقله منشغل بشئ آخر .. شئ أهــم .. رأته “آيات” وهو يجثو على الأرض .. ليتيمم .. ثم اعتدل فى وقفته .. رفع كفيه بمحاذاة أذنيه .. وكــبر للصلاة .. اذا كانت هذه هى النهاية .. فلتكن وأنا أصلى .. فلتُقبض روحى وأنا ساجــد .. هذا ما حدث به نفسه قبل أن يبدأ فى صلاته .. وقف بخشوع يصلى .. وقد بدأ الوهن يزحف الى جسده .. وضعت “آيات” كفها على فمها تكتم شهقاتها وهى تنظر الى وجهه الذى تصبب عرقاً .. والى عينيه الغائرتين .. شعر بحلقه يجف .. وبجفونه تثقل .. قاوم هذا الشعور .. واستمر فى الصلاة .. وضع جبينه على الأرض ساجداً .. وظل يستغفر .. ويستغفر .. ويستغفر .. أغمض عينيه وقد استسلم لمصيره .. خفق قلبه بخوف واضطراب .. ظل يرجو الله أن يغفر له ويتقبل توبته .. ظل يرجوه أن يرحمه وأن يتجاوز عن سيئاته .. لم يشعر بأى شئ آخر .. سوى بدنو لحظة المــوت .. تمنى لو كان مستعداً لها أكثر من ذلك .. تمنى لو كان بإستطاعته العودة الى الوراء وتصحيح كل شئ بحياته .. تمنى وتمنى .. هربت دمعة من عينه وهو ساجد .. دمعة خوف وخشية ورهبة .. تذكر وقتها حديث النبي صلى الله عليه وسلم “عينان لا تمسهما النار عين باتت تحرس فى سبيل الله .. وعين بكت من خشية الله ” .. ها هوا يبكى خشية من الله عز وجل .. فهلا حرم عليه النار .. استبشر خيراً وأحسن ظنه بالله .. لم يتوقف لسانه عن الاستغفار .. لم يرفع جبينه عن الأرض .. فلتأتى تلك اللحظة وهو ساجد .. فليجرع سكرات الموت وهو ساجد .. لعله يُبعت يوم القيامة وهو ساجد .. فيرحمه الله ويعفو عنه .. لا يدرى الى كم من الوقت ظل ساجداً .. لكنه أنتبه الى صيحة “آيات” وهى تهتف بصوت مرتفع :
– أيوة هنا .. تعالوا بسرعة
قام “آدم” من سجودة وأتم صلاته .. بدا خائر القوى .. رأى سيارة تتوقف أمامهما .. صاحت “آيات” فى السائق بصوت ملتاع باكى :
– بسرعة رجعنا القرية .. فى تعبان عضه
خرج الرجل من سيارته مسرعاً يعين “آدم” على النهوض والجلوس داخل السيارة .. ركبت “آيات” فى الخلف .. ظلت طوال الطريق تتابعه فى مرآة السيارة الجانبية .. أخذت جفونه تثقل شيئاً فشيئاً وازداد شعوره بالحمى .. الى أن وصلوا أخيراً الى المشفى .. وتم اعطائه المصل المضاد لسم الأفعى !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *