جواد بلا فارس الاخير

جواد بلا فارس الاخير

شعرت “آيات” بخوفها يتصاعد فأخذت تردد بعض الآيات بصوت عالى .. يتسرب صوتها المرتجف بالتلاوة الى أذيها لتشعر بشئ من الطمأنينه .. وكأن صوتها يونسها .. ظلت واقفة فى مكانها تلف حولها بين الحين والآخرة .. آملة أن ينتبهوا الى اختفائها .. بعد مضى ما يقرب من ساعة من العدو المتواصل .. تمكن “آدم” أخيراً من العثور عليها .. واقفة كالغزال الشارد فى عرض الطريق .. ابتسم قائلاً :
– الحمد لله .. الحمد لله
صاح قائلاً :
– “آيات”
التفتت تنظر اليه .. لمعت الدموع فى عينيها وهى تنظر اليه بلهفة .. كالغريق الذى وجد طوق نجاته .. ابتسمت وهى تشعر بالسعادة الشديدة لرؤيته .. اقترب منها بأنفائه المتقطعة وقف أمامها راكعاً يذع كفيه على ركبتيه يحاول ادخال المزيد من الهواء الى رئتيه التى تعبت من عدوه تلك المسافة الطويلة .. نظرت اليه قائله بصوت مصطرب :
– انت نزلت من الباص ليه ؟
اعتدل واقفاً وهو لايزال يلهث وحبات العرق تتصبب من وجهه وهو يقول بصوت متقطع الأنفاس :
– نزلت أدور عليكي .. لقيتك مش موجودة على الكرسى بتاعك
نظرت اليه بأعين دامعة .. فابتسم فى وجهها وقال :
– متحفيش .. هيبعتولنا حد بالعربية .. متخفيش
أومأت برأسها .. اتسعت باتسامته وهو يتأملها بحب قائلاً :
– كنت فاكر هاجى ألاقيكى منهارة وبتعيطى
أطرق برأسها وهى تقول :
– أعدت أقرأ قرآن .. بس برده كنت خايفة جداً
قال بحنان بالغ :
– متخفيش يا “آيات” أنا معاكى
تحاشت النظر اليه وابتعدت عنه بضع خطوات لتجلس على صخرة كبيرة فوق رمال الصحراء الباردة .. اقترب منها “آدم” وجلس على الأرض أمام الصخرة .. تحاشت “آيات” النظر اليه .. بينما أخذ يتأملها بحب وحنان جارف .. ثم قال :
– أخوكى قالك ؟
بلعت ريقها بصعوبة وقد فهمت مقصده .. أومأت برأسها دون أن تنظر اليه .. قال لها وهو يتأملها متفحصاً :
– وردك ايه ؟ .. ممكن اعرفه دلوقتى ؟
صمتت .. طال صمتها .. وهى تنظر الى الرمال التى تلعب بها بطرف حذائها .. وهو ينظر اليها لا يحيد نظره عنها .. وأخيراً قالت بصوت خافت لا يكاد يكون مسموعاًك
– مش قادره أنسى
صمت “آدم” .. شرد .. أمعن التفكير .. وأخيراً نظر اليها قائلاً :
– والمفروض دلوقتى انى أقولك خلاص يا “آيات” معدتش هضايقك تانى ؟
ثم قال بحزم :
– لا يا “آيات” مش هقول كده .. هقولك فكرى تانى وتالت ورابع .. أنا مش هيأس الا فى حالة واحدة انتى عارفاها كويس
ثم قال :
– مش هيأس الا اذا اتخطبتى لغيرى .. ساعتها بجد هشيلك من قلبى وهنساكى
ظلت مطرقة برأسها .. فنظر اليها بألم قائلاً :
– حتى مش عايزه تبصيلي .. للدرجة دى مش طايقانى ؟
بللت شفتها بلسانها .. ثم قالت بصوت مضطرب دون أن تنظر اليه :
– لا مش كده .. بس .. مش عايزه اعمل حاجة حرام
ظل “آدم” ينظر اليها للحظات .. ثم .. أطرق برأسه هو الآخر .. التفتت تنظر جانباً فى عكس الإتجاه الذى يجلس فيه .. صمت “آدم” لبرهه ثم ما لبث أن ارتسمت ابتسامه حانيه على ثغره وقال وهو مازال مطرقاً برأسه :
– معاكى حق .. لازم نتقى ربنا عشان ربنا يباركلنا
اندهشت لكلامه فلو تسمعه من قبل يتحدث على هذا النحو .. لم تلتفت لكنها أرهفت أذنيها بشده .. سمعت صوته الذى بدا عليه الارتياح والفرح وهو يقول :
– مادمتى خايفة تبصيلي وتغضبى ربنا يبأه أكيد انتى خايفه ربنا ينزع البركة بينا زى ما نزعها قبل كده .. مش كده يا “آيات” ؟
ظلت محتفظة بصمتها .. فاتسعت ابتسامته وقال وهو يقف وعينيه على الطريق أمامه :
– معاكى حق .. ما عند الله لا ينال الا بطاعته
وقف ينظر فى الاتجاه الآخر .. يجاهد نفسه بصعوبة ألا يغضب ربه بـ .. نظــرة .. يصوبها الى حبيبته الجالسه أمامه .. ارتسمت ابتسامه صغيره على شفتيها وقد أسعدتها كلماته التى لم تتوقع يوماً أن تصدر من “آدم” .. التفتت تنظر اليه لتجده واقفاً أمامها ينظر الى الإتجاه الآخر .. أشاحت بوجهها لتنظر فى الإتجاه المعاكس .. أخذت تتسائل بداخلها .. عن هذا التغير الذى تراه فى سلوكه .. أتصدق مشاعرها وأحاسيسها .. أم تظل محتفظة بخوفها وقلقها .. تنهدت وهى تمتم :
– يارب انت أعلم بنفسى منى .. اهديني للطريق اللى فيه خير ليا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *