جواد بلا فارس الاخير
جواد بلا فارس الاخير
************************************
وقفت “سمر” فى الشرفة تنتظره .. اتصلت به مالا يقل عن 7 مرات .. كانت تطمئن عليه على الطريق فى هذا الوقت من الليل .. وكانت تتخذها ذريعة لسماع صوته .. لم تفارقها ابتسامتها ونظرات عينيها الملهوفة .. قفز قلبها من مكانه حتى كاد أن يصم أذنيها لقوة ضرباته عندما علمت بأن على مشارف القرية .. ارتجفت يديها وشفتيها وهى تتطلع الى الطريق أسفل البناية .. لمحت سيارة تعبر الممر أمام البناية لتتوقف عندها .. خفق لبها بقوة وهى تنظر الى الأسل الى ذلك الرأس الذى خطه الشيب الذى نزل من تلك السيارة .. قبل أن يدخل البناية رفع رأسه عالياً .. تلاقت نظراتهما الملهوفة .. تأملت وجه أبهيا من ذاك الارتفاع وهى لا تتحمل تلك اللحظات التى تفلصها عن القاء نفسها بين أحضانه .. دخل البناية فاتجهت الى الباب تهرول مسرعة .. دخلت والدتها غرفتها وأغلقت الباب .. بقيت خلفه تستمع الى ما يحدث .. فتحت “سمر” الباب وعيناها معلقة على المصعد تنتظر خروده .. انفتح باب المصعد .. لظهر أماهها رجل وقور قد بلغ من الكبر عتياً .. خطت سنوات العمر بيديها فوق جبينه وعلى جانبي رقبته .. يبدو على وجهة آثار الإجهاد .. لكن عينيه تعلقتا بها فى لهفة .. شعر لوهلة بالخجل .. فذاك الرجل والدها لكنها لم تراه أبداً .. لا تذكره أبداً .. شغرت بشئ من الغربة .. لكن ذاك الإحساس تلاشى بعدما رأته يجهش فى البكاء وهو يتطلع الى وجهها بلهفة .. دمعت عيناها هى الأخرى .. لم يتنظر أكثر ليأخذها بين ذراعيه ضاماً اياها بقوة الى صدره .. شعرت بقوة ضمته اليها فأغمضت عينيها تتساقط العبارت منهما .. تلف يديها حول عنقه بقوة وكأنها تخشى أن يفارقها مرة أخرى .. كان تنفسها يتقطع من قوة ضمته .. بدا وكأنه لا يستطيع السيطرة على مشاعره التى فاضت حتى أغرقته وأغرقتها .. أبعدها عنه أخيراً لينظر الى وجهها الذى يراه لأول مرة منذ أن تركها رضيعة فى مهدها .. ارتجفت شفتاه وهو يقول :
– “سمر” .. كبرتى .. كبرتى وبقيتي وعروسة جميلة
أجهشت فى البكاء مرة أخرى .. قال بألم ومرارة :
– سامحيني أنا آسف .. والله أنا ندمان فوق مالا تتصورى .. ندمان انى سيبتك ومشيت .. ندمان انى دورت على نفسى وبس .. ندمان انى كان قلبى قاسى وجاحد .. حققت كل اللى سافرت عشانه .. بس مرتحتش .. مرتحتش أبداً .. كنت طايش لأبعد حد .. هربت من المسؤلية .. بس للأسف فوقت متأخر .. ولما حبيت أرجعك لحضنى معرفشت .. سمحيني يا بنتى
عانقته “سمر” مرة أخرى مغمضة عينيها . لم تكن تبغى العتاب .. لم تكن تبغى فى الحديث عما مضى .. لم تكن تبغى سوى ذاك الحضن والإحساس بالأمان الذى افتقدته طيلة عمرها .. لم تشعر سوى بشئ واحد .. الآن هى فى أحضان والدها .. فلا شئ يهم سوى ذلك !