نعيمى وجحميها 8

نعيمى وجحميها 8

❈-❈-❈

وصلت لسيارتها تندس بها سريعًا، لتطلق العنان لدموع احتجزتها بصعوبة في حضرته، يكفيها الذل برجاءها له حتى يفك ذراعيه عنها ويتركها، هذه المرة كانت قاسية، هذه المرة كانت قاضية، بعد أن ضغط بكل قوته على موطن ضعفها، لينزع منها اعتراف ترفض وبشدة حتى التفكير به، مسحت بدموعها سريعًا لتتناول هاتفها وقد قررت وحسمت أمرها، وما ان جاءها صوت المجيب على الإتصال حتى هتف سريعًا به :
– الوو….. ايوة يا كارم، انا خلاص فكرت وقررت

❈-❈-❈

رفع عنها الغطاء لينضم بجوارها في الفراش، وارتفعت كفه يده ليمررها على شعرها الحريري بحنان، يتطلع لوجهها الشاحب وخط الدموع السائلة لم تجف به بعد، تارك اَثره على ملامحها الجميلة، فدنى إليها ينثر قبلاته الرقيقة على كل إنش به ولكن بحذر حتى لا يوقظها، لا يصدق حتى الاَن انهيارها بهذا الشكل المريع، يُحمل نفسه الجزء الأكبر في الخطأ الذي حدث وسبب هذا التصدع في علاقتها مع أقرب الناس إليها؛ خالد والذي يعد بمثابة والدها الحقيقي، لقد خانه ذكائه هذه المرة في التعامل مع شخصية صعبة كخالد، رأسه الناشف كرأس الثور بعنده واعتزازه بكرامته، كان يجب عليه الحرص التام لعدم المساس بهذا الجزء الأغلى عندها، هو تصرف بطبيعته كرجل اعمال، يعشق الإنجاز وتناسى أطباع البشر المختلفة مع اختلاف طبقاتهم، تنهد بإرهاق وتفكير عميق، فهذه المعضلة لابد لها من حل مرضي وسريع، والتعامل مع قضية شائكة كهذه يحتاج لذكاء شديد، هو بأشد الحاجة إليه الاَن، مع شعوره بعجز شل عقله عن التفكير، مع حزنه المضاعف لهذه الحالة التي وصلت إليها؟

…..

الفصل الثاني والأربعون

– تقلب في فراشه عدت مرات حتى بحثت يداه عنها، وشعر بخلو مكانها بجوارها، فاستيقظ يتطلع جيدًا حول الفراش، وجالت عينيه على باقي الغرفة ولم يجدها أيضًا، فانتفض يزيح عنه الغطاء وخرج ليبحث عنها في باقي الغرف وهو يهتف باسمها، اتاه صوتها من المطبخ ودلف إليها فتفاجأ بها جالسة وكمية كبيرة من الأطعمة أمامها على الطاولة، انعقد حاجبيه باستغراب وهو يخطو نحوها ويلقي التحية:
– صباح الفل، انتِ هنا وانا بدور عليكِ.
ردت والطعام بفمها:
– صياح الورد، اعمل ايه بقى؟ قومت من النوم هلكانه من الجوع وببص في الساعة لقيتها أربعة الفجر كدة، بصراحة ماقدرتش استناك .
ابتسم إليها بحنان يقبل رأسها قبل أن ينضم ليجلس بجوارها قائلًا:
– بالهنا على قلبك يا حبيبتي.
اومأت له مغمغمة بالشكر بوجه مشرق رغم أثار شحوب الأمس، فتابع يسألها:
– عاملة إيه بقى النهاردة؟
أومأت تجيبه بابتسامة خبئت مع تذكرها لما حدث من خصام مع أعز أحبابها:
– الحمد لله، ادينا خليناها على الله وهو يسويها .
اقترب منها يضع قبلة عميقة على جبهتها، شاعرًا بألمها وما أصابها وقال ممازحًا ليخرجها من حالة الحزن التي عادت إليها مع تذكرها:
– بس انتِ امبارح كان شكلك مسخرة والنعمة .
– أنا يا جاسر؟
قالتها بخضة استغلها هو ليكمل بضحكاته:
– ايوة انتِ، وشك دا كان احمر جامد بلون الطماطم اللي قدامك دي.
قالها هو واتسعت عيناها بانتباه وتوقفت عن مضغ الطعام بفمها، فزادت بداخله الحماسة ليردف وهو يشير بيديه:
– الانتفاخات بقى كانت منتشرة هنا وهناك وعينكي دي كدة مش قادرة تفتحيها ولا مناخيرك.
– مالها مناخيري كمان؟
هتفت بها بأنفعال لم يخفى عليه فرد ضاحكًا :
– كبرت كدة فجأة وبقت ولا قد البطاطساية مش عارف ازاي؟
شهقت مخضوضة غاضبة تضر,به بيديها على ذراعه تنهره:
– بس بقى، والنعمة هازعل منك بجد يا جاسر.
حاوطتها ذراعيه وهو يقهقه بالضحك منتشيًا بإخراجها عن طورها، وهي تقاومه باعتراض حتى قبلها على وجنتيها ليهمس بصوته الدافئ بجوار أذنها :
– بس برضوا كنتِ قمر، ما انا بعشقك في كل حالاتك يامجنونة انتِ، ولا انتِ مش واخدة بالك ولا إيه بس؟
هدأت حركتها وهي تذوب من كلماته الجميلة التي تخرجها من واقعها على الأرض، وتدخلها لبراح عالمه الجميل؛ عالم جاسر الريان الذي اخترق حصون قلبها وقرب المسافة بينهم وكأنه أتى إليها من مدن خيالها، وهي اللي لم تقتنع يوم بتحقق الأحلام.
ختم بجملته الاَخيرًا يطمئنها:
– مش عايزك تقلقي أبدًا كل حاجة هاتمشي زي ما انت بتحبي وأكتر، خليك فاكرة .
قال الأخيرة وأعاد بوضع قبلة بصوت عالي على وجنتها قبل أن ينهض من جوارها يتمتم:
– اقوم انا بقى افوق كدة أصلي واخدلي شور كويس على ما يجي ميعاد الشغل، تكوني جهزتي انتِ كمان .
أوقفته بقولها:
– بس انا مش هقدر اروح معاك الشغل النهاردة يا جاسر.
تحركت شفتيه وهم ليعترض ويُجادلها ولكنها تابعت :
– مش عشان موضوع امبارح والله، بس بجد انا جسمي تعبان كله النهاردة، وحاسة نفسي عايزة أشبع نوم .
استجاب لها يرد بابتسامة عاشقة:
– زي ما تحبي ياستي، ريحي النهاردة، مديرك الغلس سامحلك بإجازة.
توسعت ابتسامة رائعة على ثغرها اسعدت قلبه وهي تتمتم بكلمات الإمتنان قبل أن تدعوه قائلة:
– طب ما تيجي تفطر معايا قبل بالمرة تفتح نفسي كدة وتشاركني.
ألقى نظرة نحو الطعام الموضوع أمامها فضحك بصوت عالي مرددًا بمرح:
– عايزني افطر ع الصبح بمحشي فراخ ومكرونة فرن؟ دا انا نفسي مستغرب أكلتك من ساعة ما قعدت بس طبعًا مديلك عذرك .
زامت شفتيها حانقة من كلماته قبل أن ترد وهي تتناول بفمها قطعة من المحشي :
– ماشي ياعم الرشيق، ياللي خايف على جسمك، انا بقى عاجبني الأكل المسبك والمحشي كمان، دا طعمه جميل ويجنن.
عاد بخطواته ومال بجسده نحوها مستندًا بكفه على طرف طاولة الطعام وقال بمشاكسة:
– يعني بذمتك مش خايفة لا تزيدي ولا تتخني؟
صمتت وتباطئ مضغ الطعام بفمها، تنظر إليه بشرود عن إجابة سؤاله، قبل أن تُجفله بوقفتها فجأة أمامه لتسأله:
– بصراحة بقى أنا عندي شك فعلا إن اكون تخنت، لكن أنت إيه رأيك ياجاسر؟
تخصر في وقفته يقيمها بنظرة متفحصة من أسفل عند أقدامها، ثم ترتفع أنظاره للأعلى ببطء حارق، وتتوقف على بعض الأماكن ، فينقل إليها ابتسامة خبيثة تزيد من توترها، وهي تهتف باستعجاله:
– ماتقول بقى يا جاسر وتطمني.
هزهز رأسها يرد بمرح :
– إنتِ عايزني اطمنك واقولك إيه بالظبط؟
– تقولي الحقيقة، إن كنت تختنت زي ما انا حاسة كدة ولا لأ؟
قالتها بسرعة ودون تفكير لتزيد من مرحه وازداد اتساع ابتسامته وهو يميل برأسه نحوها يسألها:
– والحقيقة بقى هي اللي هاتطمنك ولا هاتزيد من قلقك أكثر، وضحي عشان احدد إن كنت اقول ولا اصرف نظر.
وصلها مغزى كلماته فسقطت بجسدها على مقعدها تعاود الجلوس وتردد بإحباط:
– كدة فهمت، يبقى انا فعلًا تخنت.
قالتها وعيناها تسمرت نحوه بنظرة معبرة تترجاه لتكذيبها، كبح انطلاق ضحكاته حتى لا يغضبها، وصمت يقلب عيناه أمامها بابتسامة مستترة كإجابة عن السؤال، ليزداد بداخلها اليأس، فتابعت تسأله:
– بس انت بتحب الستات الرشيقة؟صح يا جاسر مش كدة؟
ظل صامتًا لبعض اللحظات مستمتعًا بمناكفتها وعبوس وجهها بشكل طفولي تطور ليتخذ منحى للحزن ، فلم يطاوعه قلبه أكثر من ذلك، فاقترب يحاوطها براحتي كفيه على صدغيها يقول بحزمه المرح:
– يا مجنونة يا للي هاتجنيني معاكِ، إمتى بقى تفهمي،
قعدتي على وزنك ده عجباني، خسيتي وبقيتي رفيعة برضوا عجباني، أما بقى لو تختني؟…….
،- إيه؟
سألته بلهفة فاتفجأت بخطفه لقبلة قوية من شفتيها ثم قال بصوت صاخب بمشاعره:
– برضوا هاتفضلي عجباني ومجنناني كمان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *