نعيمى وجحميها 8
نعيمى وجحميها 8
❈-❈-❈
وقفت تراقبهما من زاوية قريبة، يتاَكل قلبها من القلق والخوف عليه، لم تعهده بهذا العند طوال سنوات زواجها به، لم تختبر منه قبل ذلك هذا الغضب العاصف، فلاطالما كان صبورًا وحنونًا معها، يتحمل دلالاها ويفعل المستحيل لإرضاءها، تتمنى لو يعود ويغفر لها ذلة لسانها حينما تهورت معه في الحديث، بسبب ما واجهته من بهيرة في هذه الليلة المشؤمة.
وفي الناحية الأخرى كان بجوار ابيه الصامت يحدثه بمهادنة يشوبها العتاب :
– كدة برضوا يا والدي، تقلقلنا وتخوفنا عليك، على الأقل سيبها اراعيك وتديك الدوا وبعدها اعمل كشر وابعد براحتك .
رفع إليه عامر نظرة غاضبة يرد:
– مش عايز دوا ولا شفقة منها، انا مش محتاج لها ولا محتاج لغيرها .
أجفل جاسر على النبرة الحادة لوالده في الحديث، فقال يخاطبه بلوم:
– ليه دا كله يا والدي؟ دا انت في حياتك ما عملت كدة معاها، طول عمرك بتحايلها حتى لو كانت غلطانة، وبتغفر لها كل أخطائها.
– أديك قولت بنفسك، طول عمري بصالح وادلع، أنا دلوقتى كبرت وماعدتش فيا حيل للدلع ولا المحايلة.
انتبه جاسر وضيق عيناه بريبة نحو والده يرمقه بنظرات متفحصة لهذا التغير المفاجئ منه، فعاد بسؤاله ولكن بصيغة أخرى :
– هو إيه اللي حصل بالظبط مابينكم؟ وخلاك تقلب عليها بالدرجة دي؟ هي تتصل بيا وتترجاني من الخوف عليك وانت مش طايق حتى تسمع سيرتها، ما تقول يا والدي وريحني ولو كان في مابينكم سوء تفاهم نصلحه ولو خصام نقرب المسافة.
زفر عامر يشيح بوجهه عنها لا يريد الإجابة، فكيف سيذكر له ان السبب الرئيسي لمشاجراتهم ، هو غضبها من صورتها التي اهتزت أمام المجتمع المخملي بزواجه من زهرة؟ وكلماتها الصعبة بعدم مسامحتها عن هذا الزواج من خلف ظهرها، فقال بمرواغة
– حاجة ما بيني وما بينها يا عم جاسر، يعني مالكش فيه.
اندهش جاسر من إجابة ابيه المبهمة فحاول بمهادنة مرة أخرى:
– طب ماشي مش هاتدخل ولا ازيد في أسئلتي، بس رجاءًا يعني، تخف شوية عصبيتك دي، وحاول بس تسمحلها تديك العلاج في ميعاده زي ما احنا متعودين .
وكأن بكلماتها كان يقصد العكس، انتفض عامر معترضًا بعن,ف:
– قولت مش محتاجها ولا محتاج رعايتها، انا مش مستني شفقة من حد فاهم ولا، لا منك ولا منها
هتف بالاَخيرة بانفعال أدى لاهتزاز جسده بقوة واضعًا يده على موضع قلبه، بوجه تغضن بالألم
حتى كاد أن يقع لولا أن تلقفته ذراعي ولده قائلًا بجزع:
– والدي.