نعيمى وجحميها 8

نعيمى وجحميها 8

❈-❈-❈

أنهت تسخين الطعام في الفرن الكهربائي، لتضع اَخر الأطباق على الصنية، وفور أن همت برفعها تفاجأت به يخترق المطبخ الشاسع المساحة معها، بطوله المهيب، ورائحة عطره الطاغية التي غطت على رائحة المأكولات بيدها، وقال مخاطبها إياها:
– مافيش داعي توصليلها الأكل، هي خلاص نامت أساسًا.
– نامت .
قالتها بإحباط وهي ترمي بفوطة المطبخ الصغيرة بيدها تردد:
– وسابها ازاي تنام كدة، دي شكلها تعبانة أوي .
تقدم بخطواته نحوها ويديه في جيبي بنطالة يقول :
– ماهي صعبت عليه، وماهنش عليه يصيحها بتقل رأسها على صدره، قالي بقى أبلغك، وهو هايفضل جمبها مش هايسبها.
– تمام
قالتها متنهدة بيأس، لتتناول في أطباق الطعام والفاكهة وتُعيد وضعهم في البراد أو ثلاجة الطعام، انشغلت بهم متحاشية النظر إليه، حتى ظنته خرج قبل أن تصطدم رأسها من الخلف فجأة بجسده الصلب، فالتفت مجفلة تهتف بشراسة نحوه:
– إنت أيه اللي جابك هنا؟
أجابها ببساطة وهو يميل أمامها بجسده ليتناول الطعام خلفها من فوق رخامة المطبخ:
– بساعدك يا كاميليا.
فغر فاهاها بدهشة شديدة من جرأته، وهي تدري بوضعها في هذه المساحة الضيقة وقد انحسر جسدها بينه وبين المطبخ خلفها، هتفت بقوة تدعيها رغم اهتزاز صوتها:
– وسع كدة يا طارق وابعد عني، ولا انت قاصد ولا إيه؟
مال بوجهه نحو وجهها بابتسامة ساحرة يقول بلهجة عابثة:
– من غير إيه؟ أنا فعلا قاصد…. عشان اساعدك !
شهقت بصوت مكتوم مع زيادة قربه منها، وقلبها يضر,ب كطبول رقص أفريقية.فتوترها قد وصل لأقصاه، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة متزايدة أمامه، فقالت بصوت جعلته حازمًا رغم اهتزازه:
– إبعد يا طارق أحسنلك، أنا مش عايزة صوتي يطلع ويبقى شكلنا وحش.
ردد غير عابئ بغضبها:
– وهايبقى شكلنا وحش قدام مين بقى؟ جاسر اللي هو صاحبي وعارف بمشكلتي معاكِ، ولا زهرة اللي هي صاحبتك وبرضوا نفس الموضوع.
صمت قليلًا يتناول ثمار الفاكهة بتمهل قـ,ـاتل يكاد أن يقضي عليها، ثم أردف:
– ولا يكونش قصدك على خطيب الغفلة؟ عاملة حساب زعله لا يسيبك مثلًا؟ مع إني أشك دا لازقة بغِرا
بدأ الخوف داخلها يتحول إلى ارتياع حقيقي منه، فهيئته الغريبة وكلماته الأغرب إليها، تُظهر عدم اتزانه، وبغريزة دفاعية باغتته بدفعة قوية بكفيها ليرتد قليلًا، ولكنه بخطوة واحدة، عاد ليُحاصرها هذه المرة بين ذراعيه الذي استند بهم على قاعدة المطبخ خلفها، وقال:
– بتهربي ليه يا كاميليا؟ ما تواجهي ولو مرة واحدة في حياتك مخاوفك دي اللي مقيداكِ، ولا انت هاتفضلي طول عمرك كدة، صوت عالي وشخصية تبان شديدة وقوية، لكن من جوا هشة وضعيفة.
هتفت بغضب انساها وضعها الخطر:
– إحترم نفسك يا استاذ انت، مش عشان فضلت واحد تاني عنك، يبقى ها تعيب في شخصيتي وتطلع القطط الفاطسة فيها، أوعى كدة بقى.
صاحت بالاَخيرة لتعيد المحاولة في دفعه، متجاهلة الغضب الذي انطلق بداخلة مع كلماتها، ليُشعل براكينه الخامدة نحوها،
شهقت مجفلة على إمساكه لكفيها التي كانت تقاوم بهم، ولفهم لخلف جسدها الذي ضمه لصدره بقوة، هادرًا بعن,ف:
– طب عيني في عينك كدة وقولي الحق، بتحبيني ولا لأ يا كاميليا؟ قولي بقى وبطلي جبن؟
هتفت بشراسة تخفي جزعها منه وهي تحاول بكل قوتها أن تخلص نفسها من قبضته ،وتجاهد بصعوبة لمنع البكاء بين يديه .
– أنت بينك اتجننت ولا عقلك فوت، سيبني يا بني آدم انت بقولك.
شدد عليها يقول بحرقة:
– وما اتجننش ليه ها؟ اللي يحب واحد زيك لازم تطير برج من عقله، ولا ياخدها من قاصرها ويدخل مستشفى المجانين برجليه أحسن.
زاد من ضمها رافعًا وجهها إليه حتى لا تتهرب بعيناها منه، ليزيد بداخلها الشعور بالخطر منه، وقد حطم كل حصونها، وأزاح عنها هذه القشرة الزائفة لقوة تدعيها أمام الجميع، نزعها ليضعها في نفس النقطة التي حاولت بكل طاقتها الهرب منها، ينتظر إجابة منها تحييه، ولا يعلم بما تحدثه فعلته الحمقاء بها، انهار جدار تماسكها وخرج صوتها على وشك الانهيار تخاطبه برجاء:
– سيبني يا طارق، ما تخلنيش أكرهك.
وكأن دلوُا من الماء البارد سقط فوق رأسه ليفيقه، ارتخت ذراعيه عنها وتركها تفرك على رسغيها اَثار همجيته، ترمقه بنظرة تكاد أن ترديه قتـ,ـيلًا لحزنها، فقال يخاطبها بأسى:
– أنا أسف يا كاميليا، مش عايزك تزعلي مني .
– مش عايزني أزعل منك؟!
رددتها خلفه ساخرة غاضبة، ثم قالت بخيبة أمل:
– انت فعلا معندكش أخلاق.
قالتها وخرجت مهرولة لخارج المنزل، لتتركه يعض أصابع الندم على تهوره معها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *