جواد بلا فارس ٣
جواد بلا فارس ٣
***************************************
جلست “آيات” تبكى وتتضرع الى الله أن ينقذ والدها وأن يحفظه لها .. أخيراً خرج الطبيب المسؤل عن حالته فهبت واقفة وهى تنظر اليه بخو…ف وقلق قائله :
– بابا عامل ايه دلوقتى .. ممكن أشوفه
قال الطبيب وعلامات الإشفاق على وجهه :
– للأسف .. عضلات القلب ضعـ,ـيفه وفى صمام تالف لازم عملية تبديل صمام فى أقرب وقت
أجهشت “آيات” فى البكاء .. فأحاطتها “حليمة” الباكية بذراعيها .. فقال الطبيب :
– المشكلة ان العملية أصلاً فيها خطورة عليه لان زى ما قولت عضلات القـ,ـلب ضعيفه .. بس فى نفس الوقت مينفعش نتنى على العملية أكتر من كده
قالت “آيات” من بين شهقات بكائها :
– يعني نعمل ايه ؟
قال الطبيب :
– بصى يا بنتى الحالتين فيهم خطورة سواء انتظرنا أو عملنا العملية .. بس رأيى الشخصي اننا نعمل العلمية ونتوكل على الله
ثم قال :
– طبعا لازم موافقة حد من أهله
قالت “آيات” وهى تحاول أن تتمالك نفسها :
– طيب هرد عى حضرتك النهاردة وأقولك عنعمل ايه
قال الطبيب :
– معاكى لحد اسبوع لان مينفعش ندخله العلميات دلوقتى .. لما حالته تستقر شويه
انصرف الطبيب وترك “آيات” غارقة فى حيرتها وخوفها
***************************************
كانت “إيمان” فى طريقها الى عملها عندما استقلت الحافلة وجلست بجواء الشباك تتطلع منه الى الطريق بعقل نصف منتبه .. كان الشرود بادى عليها وهى مستغرقه فى التفكير .. لكنها انتبهت فجأة على ضحكات عاليه من المقعد خلفها .. سمعت شاباً يقول لآخر :
– أهى واقفة مش لاقيه حته تعد فيها
فقال الآخر ضاحكاً :
– طبعاً يا ابنى ودى يجبولها كرسى يكفيها ازاى دى
نظرت “إيمان” أمامها لتجد سيدة بدينة للغاية تقف وهى تتمسك بأحد المقاعد وحبات العرق تتصبب فوق جبينها فتسمحها بمنديلها وتعود لتتمسك بيديها فى المقعد .. سمعت الشاب يقول :
– حد يقولها تقف فى النص بلاش تركن أوى على الجمب اليمين أحسن الأتوبيس يتقلب بينا
ضحك زميله وهو يقول :
– أو ممكن نجيب فيل ونحطه الجه التانية عشان يبقى فى توازن
شعرت “إيمان” بالعبرات الساخنه تتساقط فوق وجهها وهى تستمع الى سخرية الشابين من تلك المرأة .. لم تكن “إيمان” فى مثل بدانتها لكنها شعرت بكلمات الشابين كالخناجر تطعن فيها هى .. وكأن كلماتهما موجهة اليها .. ألقت نظرة شفقه على تلك السيدة وهى تحسبن على الشابين فى الخلف .. ألا يعلم مثل أولئك النهى الربانى فى سورة الحجرات : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ” .. ألا يعلم أولئك الجهال أن الله لا ينظر الى الأجساد لكنه ينظر الى عمل تلك الأجساد : ” إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ” .. ألا يعلمون أن الإنسان كرمه الله عز وجل وأسجد له ملائكته وعلمه من علمه لذلك وجبت المحافظة على كرامته مصانه غير مهانه .. ألا يعلم أولئك الذين يسخرون ويستهزأون من غيرهم من ذوى البدانة أن أحياناً تكون تلك البدانة أمراً وراثياً لا دخل للإنسان فيها .. كلون عينيه و لون شعره ولون بشرته وشكل أنفه و طوله وقصره .. كيف تلوم انسان أن لون عينيه أسود ؟! .. كيف تلومه لأنه قصير القامة ؟! .. كيف تلومه لأن أنفه كبير ؟! .. هو لم يخلق نفسه بل الله خلق والله جميل يحب الجمال لا يخلق شيئاً قبيحاً أبداً .. لكن لا يوجد انسان كامل فالكمال لله وحده فقط .. ومقاييس الجمال والدمامه نسبيه من شخص لآخر .. قد يفضل رجل الشقراوات وآخر يفضل السمراوات .. قد يفضل رجل النحيلات ويفضل آخر البدينات .. لكن الغير مقبول هو الاستهزاء بما لا يروق لك .. ودت إيمان” لو صرخت فى وجوه الشابين قائله ألم تعلموا بأن الله أعد عذاباً شديداً وهلاكاً ودماراً لكل من يستهزئ بغيره ويعيب فيهم ويغتابهم “وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ” .. وفى أحد التفسيرات أن “الويل” هو وادى فى جهنم .. مسحت “إيمان” عبراتها المتساقطة وهى تتذكر أن الله عادل لا يظلم أبداً ولذلك أعطى تلك المرأة من حسنات هاذين الشابين ما الله به عليم .