خيوط العنكبوت ج ٧ الاخير
خيوط العنكبوت ج ٧ الاخير
عاد ألبرت مُتأخرًا ليجد المنزل خاوي من سكانه، مُظلم ومُحش، يعم به الغسق الكاحل لم يعد به شعاعًا واحدًا، عكمة سادت بالمكان وحلت بالقلوب، رحلت رفيقة دربه وحب حياته، رحلت شمس نهاره وقمر ليله، رحلت بسمته ونقاء روحه، ليشعر الانكسار وتنهد حصونه فهذا الفراق الذي كان يخشاه تحقق ونفذ الأمر ولكن برحيلها تركت خلفها شبح رجُل، تجمدت مشاعره وعاد الشخص القاسي الطباع الذي نُزعت الرحمة والإنسانية من قلبه للأبد، دفنها ثانيًا مع زوجته وصغيره، وقرر الهرب والفرار بطفله الآخر من هذه البلدة واقسم على عدم العودة إليها ثانيًا، سوف يعود لموطنه ومعه طفله الآخر توفيق.
مات قلبه للمرة الثانية وعاش روح بلا جسد يعاني كل لحظة ألم فراق يعتصر قلبه ويمزقه، وبدء في زرع القسوة بقلب توفيق بأن لا يرحم أحد وانتهى عالم الضعفاء قسى عليه بشدة لكي يشد عوده ويصبح شابا لن يهزمه الضعف ولن يقبل الخسائر..
عندما اشتد عوده وأصبح شابًا يافعًا؛ جعل ألبرت منه مساعدًا له، ويحل محله في غيابه وعاد ابنه الآخر جاك وب وقبل ألبرت بوجوده في حياته ويعمل تحت قيادته داخل عالم المافيا، وعاش جاكوب يكن داخله مشاعر الكره والانتقام من والده وكما انه يغار وجود شقيقه توفيق الذي يظل هو وجه والده دائما وهو مجرد ابن في الخفاء بعيدا عن الجميع..
وكل تلك المشاعر ترسبت داخل عقله منذ أن كان طفلا صغيرًا رفض والده تقبله، و زرعت والدته داخله الكره والحقد لوالده كما انه ذات يوم قرر التخلص من شقيقه لكي يراه والده ويشعر بوجوده لعله يندم على ما فعله بالماضي ولكن كان الموت حليفًا لوالده وهو في عمر الخمسون وهم في عمر الخامسة والعشرون ورغم صغر سن توفيق الا انه اكمل مسيرة والده منذ رحيله وأصبح هو الزعيم والكل طوع أمره..
❈-❈-❈
بالقاهرة..
مر أسبوعًا أخر وأستقرت حالة أسر الصحية وقرر العودة إلى المنزل وعلم الجميع بخبر حمل زوجته وهذا الخبر جعل قلب خديجة يقرع كالطبول، وتهللت أساورها لسعادة ابنها ولكن على الجانب الاخر تنظر لحياة الشاردة دائما وكأنها بعالم اخر غير عالمهم نظرة شفقة وحزن على ما أصابها، وأنشغال زوجها عنها، فقد كان سليم يقضي طوال الوقت خارج المنزل، كما أن عائلتها طلبوا ان تذهب معهم ابنتهم تدخلت خديجة بالأمر ورفضت ان تذهب معهم حياة فهي قادرة على الاهتمام بها.
حسمت أمرها وقررت ان تهاتف سليم وتطلب العودة إلى الفيلا بأسرع وقت لكنه اجابها بالانشغال التام ولم يعود إلا فجرًا.
لذلك زفرت أنفاسها بهدوء وجلست بجوار حياة تربت على ظهرها بحنو وهمس بجانب أذنها :
-ايه رأيك يا حياة تخرجي معايا
هزت رأسها نافية ولكن أصرت خديجة على الخروج وهاتفت السائق ليقلهم إلى منزل فاروق والد حياة وعزمت على ان تتركها لكي يشعر بها سليم، فهي لا تقبل بأن تُعامل حياة بهذا الشكل، وكما انها أخبرت عائلتها بأن تتم حياة معالجتها هُنا بجانب اسرتها وهي ستتردد عليها للاطمئنان على صحتها وتحججت انشغال سليم دائم بسبب عمله وكل شيء على عاتقه بسبب مرض شقيقه.
تقبل فاروق الأمر بصدر رحب رغم الغصة الذي شعر بها عندما نظرت لخضرويتها النضرة ليجد الدموع تترقرق داخل حدقتيها والبريق الأخضر اللامع حزينًا شاردًا تائهًا.
زفر أنفاسه بحنك وتذكر عندما طلبها سليم للزواج والوعد الذي قطعه على نفسه بالا يتركها وان لا يسمح بالحزن ان يسكن عينيها الجميلتين ولكن أين ذهبت هذه الوعود، ضرب بها بعرض الحائط.
احتواها منزل والدها، أنفاسه الدافئة شعرتها تشعر بعودة الحياة إليها ثانيًا، وعلمت أن لا وجود لها إلا في وسط عائلتها، ذهبت لغرفتها تقرأ سورة البقرة كما اعتادت وبعد أن انتهت من قراءتها خلدت للنوم..
لتجد نفسها وسط بستانًا من الأزهار البيضاء محاطه بها وكان الأزهار تضمها باوراقها البتول وهي تدور حول نفسها وتبتسم في سعادة، رأت فراشة جميلة زاهية الألوان تقزف من زهرة لزهرة، سارت خلفها كالمغيبة إلى أن وجدت نفسها خارج بستان الزهور بمكان أخر فسيح ولكن قدميها منغرزة داخل الرمال تطلعت حولها بريبة وتيه لم تجد بستان الأزهار ولم تعد ترأ الفراشة، بلا وجدت نفسها وحدها تجوب بعينيها الخائفتين المكان الخاوي وخرج صوتها صارخًا تهتف بأسم زوجها.
لتفيق من نومها بفزع وهي تصرخ بأسم “سليم” لتجد نفسها داخل فراشها وغرفة نومها، وظلت تطالع الفراغ بشرود ولسان حالها يحدثها من الداخل
“يبدو أنها رغبته التخلص منها وندم على زواجه منها، لذلك تركها كل تلك الليالي الماضية تعاني وحدها، لقد خزلها وجرح قلبها عندما تخلى عنها في أشد محنة تواجهها بينها وبين عدوها، فلم يكن عدوها ببشر عادي مثلها وأنما عدوها الحقيقي هو الجان الذي يُحاربها من أجل البقاء والخضوع له ”
انسابت دموعها بعجز وعلمت حينها بأن سليم حقًا أخطأ في قرار الزواج منها فهو لم يكن عاشق لها منذ البدايه، انها كانت مجرد تهديد تمثل بزعزت كيانه الشامخ داخل عائلته ولذلك تزوج منها وهو لم يُحبها قط، فقط أشفق على حالتها بعدما علم بما فعلته بها زوجة عمها التي هي طريحة الفراش الآن “