خيوط العنكبوت ج ٧ الاخير

خيوط العنكبوت ج ٧ الاخير

مر عام يليه الآخر وكبر الطفلين وهم الان في عمر الرابعة وكلما كبروا يزداد تعلق ألبرت بصغاره ويصطحبهم معه إلى البزار يوميًا، يركضون ويلعبون ويلهون بالخان وعند شعورهم بالتعب يجلسون بجوار والدهم الحاني الذي يجلب لهم مشروب العناب وبعض الحلوى المفضلة لديهم واللذين يطلقون عليها مسمى “أرواح”
ويظلوا بجواره إلى موعد الغداء لتاتي والدتهما بالطعام ويجلسون جميعهم يتناولونه في جو من الألفة والمحبة والمرح مع الصغار اللذين يتقاذفن حبات البندورة وصوت ضحكاتهم تجلجل في متجر التحف الخاص بوالدهم وهو يطالعهم بكل بسعادة، لم يكن يعلم بأن سعادته ستنطفي فجأة عندما صرخ إحدى تؤامه يتلوى ويمسك ببطنه متألما صارخًا بألم يفتك بأحشاءه ولم يستطع تحمله وجسده الهزيل يتصبب عرقًا
تحولت لحظة سعادتهم للحظة ألم على الصغير، حمله ألبرت على كتفه وهرول به إلى المشفى الصغير الذي على بعد كيلو مترات من الخان يطلقون عليه مسمى”وحدة صحية او مُصطوصف صغير”
في ذلك الوقت كان مُنتشر وباء “الكوليرا” التي تصيب كبارًا وصغارًا ولم ينجو أحد منها، عاد بها إلى منزلهم وظلت زوجته ماكثة بجوار صغيره تعمل على خفض حرارته وتبكي بحرقة على آلام صغيرها ووقف ألبرت عاجزًا عن فعل شيء يشفي فلذة كبده، رغم أمواله وثروته إلا أنه يقف مُكبل الايدي أمام صرخات وألام طفله الحبيب، قرر السفر إلى ألمانيا لجلب علاج الصغير وتركهم بقلب ملتاع منفطر على حياتهم التي تبدلت في يوم وليلة..
ظلت زمردة بجوار صغيرها لم تكترث بأنه سينقل لها المرض وطلبت من والدتها الاهتمام بابنها الآخر ولن يأتي إليها الا عندما يتماثل شقيقه الشفاء فهي تخشي على إصابته هو الآخر، وظلت تنتظر قدوم زوجها الذي سيأتي بالدواء من أجل صغيرهم ولكن طال الانتظار والطفل كل لحظة تزداد حالته سوءً وشحب جسدها تمامًا وتحول للون الأصفر الهازل واصبحت أنفاسه تخرج بصعوبة والام المكلومة تبكي وجعًا وألمًا لما يشعر به طفلها قطعة من روحها، صوت أنينه يمزق نياط القلب وخرج صرخة ملتاعة بقلب منفطر مكلوم عندما لفظ الملاك الصغير أنفاسه الأخيرة وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها، والام تبكي بنحيب وعويل وهي تهز جسده الهزيل بين ذراعيها غير مصدقه بأن صغيرها تخلى عنها وتركها، رحل عن الدنيا وترك خلفه قلبها المُنشطر إلى نصفين، نصف دُفن معه تحت الثراء والنصف الآخر عالق مع طفلها الآخر التي ترفض رؤيته خوفًا من أن تنقل له العدوى، فهي تشعر بأن جسدها ينخرها وتتعرق تارة وتشعر بالبرودة تارة أخرى، تتقلب بين جنايا روحها تنظر للفراغ بشرود إلى أن شقت الابتسامة وجهها الرقيق ثانيًا عندما رأت صغيرها يقف أمامها ويعلو وجهه أبتسامته الهادئة ويمد لها يده بأن تأتي إليه.
خرجت روحها في سكون والابتسامة تعلو ثغرها فقد لحقت بطفلها الذي لم تتحمل فراقه..
خيم الحزن على منزلهم الذي كان قبل أيام يعج بالضحك واللهو خلف الصغار، تبدل كل شيء وتقلبت المقادير واجتمعت على إنهاء سعادة هذه الأسرة..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *