خيوط العنكبوت ج ٧ الاخير
خيوط العنكبوت ج ٧ الاخير
غادروا البناية متوجهين إلى وجهتهم ليراهم ضابط الحراسة “زين” المُكلف بحمايتهم، اخرج الهاتف اللاسلكي وحدث الرائد “ريان” عن تحرك زوجة سليم بصحبة سيدة ما تبدو بأنها والدتها، أخبره الأخيرة بملاحقتهم وتأمين كافة السبل لهم دون لفت انتباه او شكوك.
استقل زين سيارته وقادها مسرعًا ليصفها أمامهم وهو يهبط من زجاج النافذة ويطلع لهم قائلا بجدية:
-أوبر يا مدام
اوقفته دلال متلهفة بأن ينتظرهم وبالفعل استقلت حياة دلال المقعد الخلفي، حدثها زين بهدوء عن المعيشة الصعبة وأنه رغم دراسته الهندسة الا انه لم يجد فرصة عمل لذلك أراد العمل كسائق أوبر، ولديه والديه المُسنين وخمسة من الأشقاء الفتيات مسئولا عن رعايتهم، نجحت خطته في كسب تعاطف السيدة دلال وبادلته أطراف الحديث والدعاء له بصلاح الحال وطلبت منه رقم هاتفه لكي تتواصل معه لكي يصلها او يصل احد من أفراد عائلتها، تبسم لها بود واملئ عليها برقم هاتفه.
اقلهم لوجهتهم عند منزل الجدة سناء وطلب منها ان تهاتفة في اي وقت، ودعته دلال وهي تترجل من داخل سيارته وتلحق بها حياة التي كانت تنظر من خلف زجاج السيارة ولا تعي بكل ما يدور حولها ولا تصغى لسماع حديثهم.
أعطته المال ودلفت داخل البناية ام عنه فصف السيارة جانبًا وابتعد عن الانظار يدور بمقلتيه الحادتين كنظرات الصقر الثاقبة يتطلع هنا وهناك يُأمن المكان بكل جدية ومهارة عمل..
استقبلتهم سناء بشوق جارف فلم ترا حياة منذ اليوم المشئوم، يوم الحادث الذي اصاب الجميع بالذعر والخوف والارتجاف الذي اصاب اوصالهم جميعًا.
ظلت تربت على ظهرها بحنو واجلستها بجوارها ترمقها بتفحص ثم دارت عينيها تطالع دلال هاتفة بقلق :
-حصل ايه تاني للبنت يا دلال، حياة مش هي حياة اللي اعرفها، مش الشيخ عبدالله طمنكم
لاحت شبح ابتسامة أعلى ثغر حياة وردت هي قائلة بكلمات مقتضبة لم يفهمها أحد منهما:
-ليتا الحزن الذي سكن القلب كان أصله تعويذة؛ قادرين على صرفه، يا ليتنا ظللنا أطفال نلهو ونمرح ولن نصل لكل ما وصلنا إليه الآن.
كلمات تقتلها هي من الداخل وجعلتهما تنسل من مقلتيهما الدموع حسرةً على ما تشعر به الفتاة التي انطفى بريق عينيها وحل محله وميض مخيف، جسد هزل وضعف ووهن روحها المعذبة، وهل يُعقل بأن السعادة تُبدل حياتهم بين عشية وضُحاها.
“حقًا مهما بلغت بك السعادة، فاعلم بأن السعادة لا تدوم، كم الحزن أيضا لم يدوم ”
❈-❈-❈
هاتفه وعلم بوجوده داخل الشركة وابلغ سليم سكرتيرته الخاصة بأن عندما يصل السيد فاروق تدعه يدلف مكتبه على الفور، وظل سليم قابعًا خلف مكتبه يعلم سبب الزيارة المتوقعة فهو لم يتفاجئ بخبر قدومه، كان يظن قدومه بين لحظة وأخرى منذ أن تركت حياة منزله بصحبة والدته وهو لم يعنيه الأمر شيئًا، يتمثل الجمود والبرود ولكن هذا أفضل بكثير من ان يضعهم في خطر جلي يلحق بهم أثر ما فعله والده بالماضي، فكم من روح فارقت جسد صاحبها برصاصة غدر من سلاح جلبه والده، جلب الموت والدمار والخراب لأهل بلدته، كم من روح لاقت حتفها غدرًا، كم من أسرة هُدمت وترملت نساءها وفقدت زهرة شبابها، كم من أم مكلومة بكت نحيبًا على فراق فلذة كبدها وزهرة عملها، كم من طفلا تيتم وخسر سنده وأمانه في الحياة، هذا حقًا هو عدل الله فيما اقترفه والده من سكف دماء وارواح الأبرياء، كما أيضا فعل بسرقة الأعضاء البشرية من فقير مكلوب غير قادر على الصراخ والمطالبة بحقه، كلما تذكر ما فعله والده تزرف عينيه دماء لا دمع، ينزف قلبه وجرحه غائرًا لم يشفى منه ولا يدمي ابدا مهما حيي وفعل لن يُكفر عن ما فعله والده، هذا القلب الذي ينبض بصدره ليس من حقه ان ينبض بسعادة وان يفرح ويُحب مثل باقي البشر وهو يُعاقب نفسه بذلك، ليس من حقه ان يعيش حياة سعيدة واخرين سُلب والده حقهم في العيش بسلام وأمان وحرمهم كل متع الحياة، يتقبل بعدها من أجل الثأر والانتقام من نفسه، لن يتحمل خسارتها يتحمل فراقها وبعدها خوفا منما لم يتحمل عليه قلبه بعد..
قلبه مُحطم مهشم ينتفض كالذبيح الذي ذُبح غدرًا على يد من ظنهم يومًا أقرب الناس إليه..
أخرجه من شرودة المعذب صوت طرقات أعلى باب مكتبه، تنهد بعمق ثم صوب أنظاره ناحية الباب وأذن بالدخول، لتدلف الفتاة وهي تتقدم بخطواتها ووالد زوجته يقف بجوارها قائلة بترحاب :
-أتفضل حضرتك، سليم بيه في انتظارك
نهض سليم عن مقعده وسار بخطوات واسعة وهو يمد يده لمصافحة :
-أهلا يا عمي، الشركة نورت
طالعه فاروق بنظرة عتاب فهمها سليم ثم رد على ترحيبه بفتور:
-منوره بصاحبها
ازدر ريقه بصعوبه وقال مشيرًا إليه بالجلوس:
-أتفضل ياعمي استريح، تحب تشرب ايه؟
خرجت منه تنهيدة حارقة وقال:
-اقعد يا بني، هم كلمتين اللي جاي فيهم مش محتاج أضايف
جلس سليم أعلى مقعده وطالعه باهتمام فهو يعلم بسبب الزيارة.
استطرد الاخير حديثه قائلا:
-من غير لف ولا دوران، انت عارف إن صريح معاك، وقت لم جيت تطلب مني ايد بنتي حياة؛ فاكر أنت أنا طلبت مهرها يكون أيه؟
ساد الصمت لدقيقة ثم عاد فاروق حديثه:
-لو ناسي هفكرك، قولت محتاج مهر بنتي السعادة والفرحة مش تفارقها، مطلوب منك ماتنزلش دمعة تكون أنت سببها
انسلت من عينيه دمعة خائنة واكمل كلماته بقلب منفطر:
-ليه يا بني مصونتش الأمانة اللي سلمتهالك وأنا على ثقة تامة انك هتحفظها وتحافظ عليها؟ هل بنتي قصرت في حقك؟ هل ذنب بنتي أن السحر صابها؟
دي كانت محنة وبلاء وكنت أولى الناس بالصبر على مراتك، تقف جنبها تدعمها في مصابها، خذلتها يا بني وجرحت كرامتها وكسرت قلبها ودوست عليه ولسه مكمل تدوس، أسمع يا سليم انا مش جاي ارخص من بنتي، أنا بنتي عندي ملكة واللي ما يقدرش يكون ليها ملك يبقى يسيبها ملكة متوجة في بيت ابوها وقلب ابوها اللي هيصونها ويساعها العمر كله