خيوط العنكبوت ج ٧ الاخير
خيوط العنكبوت ج ٧ الاخير
القدر والنصيب هي أمور تحرك الأشخاص إلى فعل أشياء ربما لا يرغبوها، ولكنها دائماً محملة بالخير وبداخلها خير كثير للناس، بينما هناك من يلصق أفعاله بالقدر والأقدار بريئة من ذلك تماما.
الفصل الرابع عشر
كانت تسير مسلوبة الإرادة لا ترى إلا تفاصيل كل ما عاشته سابقًا،ارتجف جـ سدها عندما صدح بواق سيارة تأتي مسرعًا لكي تجعلها تخرج عن شرودها وتبتعد من منتصف الطريق، جلست على الرصيف الجانبي للشارع ووضعت كفها الأيمن أعلى وجنتها اليمنى في يأس وعيون تلمع بالدموع التي أسدلتها بسبب لمحات تلاحقها في صحوها ومنامها، تكاد تأخذها لنوبة جنون وتسلب عقلها.
وزين واقفًا يتابعها خلسة في صمت، ينتظر قدوم زوجها..
“يفنى الزمان، وأنا على عهدك باقٍ، ولو قاسيت كلّ الهوان، أصبوا إليكِ كلّما بَرق سري أو ناح طير الأيك في الأغصان، أعلّل قلبي في الغرام وأكتم، وكنت قبلك خالياً لا أعرف الهوى، رأيتك فأصبحت حيًا، والفؤاد متيّمُ”
أما عن سليم فقد كان في وضع لا يُحسد عليه؛ يشعر بالعجز وهو داخل سيارته لم يستطع التحكم بها لكي تقف تمامًا، شرد عدة ثواني يستجمع بها شتات نفسه ليقوده تفكيره في الاتصال بـ ريان الذي اجابه على الفور، لتجحظ عين الاخير في صدمة بعدما سرد له “سليم” المأذر الذي هو فيه الآن، ويبدو بأن فرامل السيارة لا يعمل وهذه ليست بصدفة أنما هي بفعل فاعل والفاعل ليس إلا المافيا التي تحاول الخلاص منه.
أنطلق ريان يستقل سيارته ويلحق به في سرعة جنونية وهو يهتف قائلا عليها أن يتحكم في توتره ولا يخشى القادم ويجب أن يتبع تعليماته وأنه يقود سيارته في طريق خاوي من المارة، استطاع سليم التماسك وانطلق يكمل قيادة سيارته متوجهًا بها إلى الطريق الصحراوي ينفذ ما قاله ريان، لعله ينقذ نفسه من الهلاك المحاط به فحياته الان في خطر وليست حياته فقط، فأذا حدث شيء له ستنتهي العائلة وتنهار واحدًا تلو الآخر، لذلك عليه الصمود.
ازدر ريقه وحبات العرق تتساقط من جبينه بتوتر حاول كبح ما يشعر به ورأ لمحات تميض بعقله منذ أن التقى بـ حياة وكيف كانت فتاة قوية جادة وعندما صرح له بحبه وبكل ما دفنه في حياته من أسرار اباح لها هي وحدها، لاحت ابتسامة طفيفة أعلى ثغره وهو يتذكر اليوم ذاك وكيف نمى بينهما الحب الخفي الذي كان يغفلان عنه، تشبث بعجلة القيادة وسلك الطريق الخاوي ليجد سيارة تأتي بسرعة فائقة تلحق به علم بأنها خاصة بـ الضابط ريان، تخطاه بسبب سرعته ويريد ان يصطدم به لكي تقف سيارة سليم وظل يحاول من الجهة الأخرى وهو يصرخ على سليم بأن يترك قدمة من أعلى الفرامل لكي تهدأ سرعة السيارة ويحاول الاصطدام ان يوقفها دون أن تنقلب وينتهي كل شيء
كان سليم بعالم أخر لا يرا الا وجه حياة ووجه والدته وشقيقه وهم ينظرون له والدموع تنسال من عيونهم ويسمع صوت صراخاتهم تنادي بأسمه.
همس بصوت عالٍ والدموع تنهمر على وجنتيه دون توقف يناجي ربه ويصرخ بأعلى طبقات صوته المبحوح :
-يـاااا رب، ياااارب لسانه لم يكف عن المُناجاه التضرع، يطلب العون والمدد من الله سبحانه وتعالى، الذي لا يغفل ولا ينام عن عباده، الرحيم بنا العطوف الجليل بعظمته تتفتح كل الدروب المغلقة، بقوته وجلال وجهه الكريم، العالم بعباده، القريب فهو أقرب إلينا من حبل الوريد.
ظل يحارب ريان في الاصطدام ويعافر بجنون إلى أن توقفت سيارة سليم فجأة، ترجل ريان من سيارته بخطوات راكضة، فتح الباب ليخرج سليم من سيارته التي على وشك الانفجار
وركض به ليعود إلى سيارته، اجلس سليم الذي كان لا يشعر بكل من حوله وكأنه مغيب تمامًا عن الواقع واستقل ريان خلف الوقود ليعود بسيارته للخلف ويبتعد عن سيارة سليم الذي أحدثث انفجارًا مروعًا واحترق كل شيء في ثواني معدودة..
تنفس ريان الصعداء ونظر لسليم بلهفة متسألا :
-أنت كويس؟
طالعه سليم بنظرات غامضة وهز رأسه في إيماءة خفيفة
عاد ريان يردف قائلا:
-تحب نطلع على المستشفى نطمن عليك
أجابه سليم بهدوء :
-لا أنا كويس، أطلع على مكان حياة
هاتف زين وهو في طريقه اليهم ليخبره الأخير انها ما زالت جالسة على رصيف الطريق وهو يتابعها في خلسة.
صدح رنين هاتفه من داخل سترته ولكنه رفض ان يكترث له ويجيب على الاتصالات، لا يفكر إلا بمحبوبته فقط، الحياة الغائبة عن حياته منذ أن تركت منزله وأحاط به البرودة والطقيع، يود أن يرتوي من دفء مشاعرها وأن تضمه بين ذراعيها الصغيرتين لتبعث الراحة والهدوء داخله، تحتويه بمقلتيها النضرة وتغدقه من عبير روحها، فهو مشتاق للمستها الساحرة التي تبث له الأمان، فرغم كونه الشاب الثلاثيني الجبل الذي لا يهتز مهما أهتزت الأرض من حوله، القوة الصامدة على مواجهة الصعاب والمشقات وحده، إلا أنه بحاجة لروحها التي تسكنه، قطعة من قلبه وروحه مُعلقة بروحها، نصفه الآخر، عالمه الأمن الذي لا يريد أن يبتعد عنه، حصونه المنيعة، لن يسمح لتلك الشروخ أن تحدث فجوة بينهم وتقضي عليهم، سيلملم جروحها بروحه ويخفي الندوب الذي سببها إياها، لن يترك الماضي بأن يتحكم في حاضره ومستقبله لن يدع الماضي أن ينتصر عليه.
❈-❈-❈
و إن سألوكَ عَن عِشق الروُح قُل :
أن تَشعر … أنكَ تتنفسهُ و أنتَ لا تراهُ
و أن تراهُ … و أنت بعيدًا جدًا عنهُ
أن تَغمركَ رائحةُ عطرهُ … و هو ليسَ بقربِكَ
أن تَشعر … بدفئ ذراعيه كُلما زاد شوقكَ لهُ
أن تَختلط … روحكَ بروحهِ كُلما هبَ نسيمُ عشقهُ
أن تَشعر … بخفقانِ قلبهُ دونَ أن تلمسُ يَديهِ
فَـمن يتقنُ … إحتواءَ الروُح
يَبقى … بالروحِ حاضرًا في عز الغياب..