نعيمى وجحميها7
نعيمى وجحميها7
” ولجت لداخل الملهى الليلي مع أحد أصدقائها القدامى، فلمحت عيناها شبح جسده من الخلف جالسًا امام رجل البار، يجترع في كؤوس الشراب بلا توقف، اقتربت تحيه بلمسة على ظهره:
– هاي ياجاسر، انت هنا من أمتى؟
رد التحية بشبه ابتسامة فاترة:
– أهلًا ياميرفت .
– قاعد لوحدك يعني النهاردة، طارق صاحبك مش موجود بقى ولا إيه؟
قالتها وهي تجلس بجواره على البار، فرد يجيبها باقتضاب وهو يتناول من طبق المسليات أمامه:
– لأ ، عشان سافر لعيلته .
– اممم
صدرت منها بارتياح لتجدها فرصة لتكمل الجلسة معه، متخلية عن الجلسة مع صديقها الذي وجد صحبة أخرى ليندمج معهم، منعت بأسلوبها الجاف تقرب أي فتاة من عاملات الملهى إليه، وهو يزيد من شربه في الخمر وهي لا تكف عن الحديث معه في شتى المواضيع، حتى نهض فجأة مقررًا العودة لمنزله، أصرت على مرافقته مستغلة عدم اتزان رأسه باهتزاز جسده من تأثير الخمر، مع علمها الأكيد بسفر ميري برحلة سفاري مع أصدقائها في الشمال، دلفت معه لداخل المنزل وأصبحوا وحدهم مع انصراف الخادمة ووجود الحراس في الخارج، سقط هو من تعبه على أقرب كنبة وجدها أمامه يمسك برأسه بين راحتيه، فاقتربت هي
تجلس بجواره لتلمس براحتها على ظهر كفه تدعي القلق:
– الف سلامة عليك، هي لدرجادي دماغك بتوجعك؟
أومأ برأسه دون ان يرفع عيناه إليها فزادت من قربها حتى أصبحت ملتصقة به، وقالت بمسكنة:
– ياقلبي ياجاسر، حاسة بيك وتعبانة على تعبك، أنا أكتر واحدة تعرف باللي يألمك.
انتبه على جملتها والتي كانت تحمل في طياتها عدة معاني، فرمقها بنظرة بمتفحصة يستنبط مقصدها، مع قربها الغريب، فقد كان وجهها لا يفرق عن وجهه سوى مسافة قليلة جدًا، واستطردت هي بحديث عادي ولكن بنبرة مغوية:
– انت مستغرب ليه؟ انا بتكلم عن تجربتي في جواز فاشل مع راجل شخصيته ضعيفة وغبي، يفتقر للرجولة اللي بتتمناها أي واحدة ست، مش انا شخصيتي قوية، لكن احب جوزي يبقى هو المسيطر والقائد.
أكملت بنعومة أكثر :
– الرجالة اللي بالصفات دي بقوا نادرين قوي، والست المحظوظة هي اللي بتقع على واحد فيهم، لكن لو ما حافظتش عليه واهملت، يبقى تستاهل كل اللي يجرالها
قالت الأخيرة وهي تقرب وجهها اكثر لتفعل ما تمنته كثيرًا، انتفض جاسر يدفعها عنه واستقام واقفًا يمسح بكف يده أثر قبلتها على فمه، وهتف غاضبًا:
– سكرتي ولا إيه يا ميرفت؟ انت مش دريانة باللي بتعمليه؟
وقفت تقابله قائلة بثقة:
– إيه اللي انا بعمله بقى؟ شئ عادي جدًا بيتم بين أي اتين بينجذبوا لبعض، ولا انت مجربتش؟
عقد حاحبيه يسألها بريبة:
– جربت إيه؟
أكملت وهي تقترب على حذر:
– مش محتاجة أوضح ياجاسر، ولا انت عايز تفهمني ان البنات اللي بتسحبهم يوميًا معاك وتيجي بيهم هنا في غياب ميري، بتجيبهم عشان ينظفوا البيت؟
كلماتها السامة جعلته يستفيق حتى محت كل أثر للخمر من رأسه، فقال يرد عليها بهدوء:
– لأ يا ميرفت، انا بسحبهم فعلًا على هنا او اروح بيهم الفندق عشان غرض معروف جدًا بالنسبالي، بس تفتكري يعني ان أخلاقي تسمحلي اعمل كدة معاكِ انتِ صاحبة مراتي؟
– وفيها إيه؟
قالتها ببساطة وأكملت :
– مدام انت عاجبني وانا عجباك، ايه اللي يمنع؟ مراتك غبية و ماتستهلش نظرة واحدة منك حتى، لا عمرها حست بيك ولا حتى هاتفهمك، يبقى ليه نعمل حسابها بقى؟
أومأ برأسه ورد مضيقًا عيناه بتفكير:
– هي فعلا غبية عشان مصاحبة واحدة زيك، بس تعرفي بقى انا ممكن امشي على كلامك على فكرة واكمل الليلة معاكِ، بس من البداية كدة انا ماحبش اخد حاجة من غير تمن.
قطبت جبينها تسأله باستفسار:
– قصدك إيه؟
مال نحوها بابتسامة قاسية يجيبها:
– قصدي مدام جيبتي سيرة البنات، فا انا على استعداد إن احل إشكال ميري اللي واقفة مابينا، بإنك تاخدي حق الليلة زيهم، إيه رأيك بقى؟
احتدت عيناها وتوحشت ملامحها بشراسة تهتف غاضبة بوجهه:
– انت قد كلامك دا يا جاسر، بقى بتشبهني أنا، بشوية الحثالة أولاد الشوارع دول؟
توسعت ابتسامته يقول بتأكيد:
– شوية الحثالة دول عندهم مبرر عشان يبيعوا نفسهم، إنما انتِ بقى، مبررك إيه للخيانة؟ أخرجي من هنا دلوقتِ ورحي على بيتكم ياميرفت.
تسمرت محلها وهي ما تزال لم تستوعب الصدمة، فتخصر جاسر يشيح بوجهه عنها وكرر مطلبه غير عابئ بهيئتها:
– بقولك برا يا ميرفت واخرجي حالًا.
مع صيحتها الهادرة تحركت أقدامها للمغادرة من منزله، وشعور بالذل اكتنفها لم تقابله في حياتها، حتى وصلت لسيارتها لتسيل من عيناها دموعٍ عزيزة بل نادرة، مسحتها سريعًا لتعود لطبيعتها القاسية على الفور تردد لنفسها وهي تهم بتدوير المحرك:
– ماشي يا جاسر يا ريان، مسيري ارد حق كرامتي منك”
عادت لواقعها الاَن على طرقة خفيفة على باب غرفتها، أصبحت تعلمها وتعلم بصاحبتها، حركت رأسها لتجلى عنها ذكريات الأمس ومرارتها بحلقها، وخطت لتجلس خلف مكتبها، تدعي الثبات قائلة:
– أدخل .
فتحت غادة بهيئتها المبالغة في الإناقة والزينة وابتسامة تفضح ما يدور برأسها وهي تجيبها برقة:
– صباح الخير، انا قولت اجي اطل عليكِ، فاضية.
ردت برسم ابتسامة لتخفي حزنها:
– حتى لو مش فاضية افضيلك نفسي، اتفضلي ياغادة.
دلفت بخطواتها المتأنية لتجلس أمامها بأدب قائلة؛
– كنت عايزة اشكرك على حفلة امبارح، اصل بصراحة انبسطت فيها جدًا.
هنا صدرت منها ابتسامة حقيقية، لترد على كلمات غادة:
– إيه يابنتي اللي بتقوليه ده؟ بتشكريني على حفلة كنت عاملاها عشان صحابي وحبايبي، ولا انتِ مش معتبرة نفسك صاحبتك.
ردت بلهفة على الفور:
– لا أبدًا والله، دا انتِ قلبي من جوا
اعتدلت ميرفت في جلستها تعود لطبيعتها وهي تخاطب الأخرى قائلة:
– بس انتِ إيه الحلاوة دي، دا ماهر اخويا كان هايتجنن عليكِ امبارح، الولد اتفاجئ بحلاوتك حرفيًا
كتمت شهقة بحلقها وهي ترد بقلب يرتجف بالفرحة:
– مش لدرجادي يعني يا ميرفت؟ دا البنات الحلوين كانوا مالين الحفلة إمبارح .
– لا لدرجادي وأكتر كمان، خليكِ واثقة من نفسك ومن جمالك، دي ناس أقل منك بكتير اهي واخدة حظها والدنيا كلها بتتكلم عنها.
قالتها بمكر لم تفهمه غادة فظهر على وجهها التساؤل، فتابعت ميرفت
– إيه بقى؟ هو انتِ ما شوفتيش البروباجندا اللي عاملها النهاردة جاسر الريان بإعلان جوازه من بنت خالك.؟
استدركت غادة ترد وهي تلوي بثغرها:
– ما انا قولتها من زمان يا حبيبتي، حظوظ.
وكأن كلمتها جائت على موضع الجر.ح، رددتها من خلفها تقصد كل حرف منها:
– هي فغلًا حظوظ.