نعيمى وجحميها7
نعيمى وجحميها7
بصدره العاري كان يدخن في سجائر التبغ بنهم علّ بحريقها، تخفف من حريق صدره، متكئ بمرفقيه على السور المعدني لشرفة منزله؛ التي تطل من علو على صفحة نهر النيل عن قرب، فتجعله قبله للعين صباحًا بحركة البواخر والمراكب الشراعية به، وراحة للنفس مساءًا بهدوء يعم كل شئ حوله، الا عنه وقلبه الصاخب بداخله مازال يصرخ ويقاوم في معركة ضد مليكته، التي تُشهر أسلحتها في وجهه بكل شراسة ودون رحمة، غير عابئة بألمها قبل ألمه، تنكر وتُصم أذونيها وكأن بذلك تبعده عنها، ولا تعلم ان كل محاولاتها تأتي دائمًا نتائجها بالعكس.
– طارق باشا، هو في أمل في ليلتنا دي ولا امشي انا ولا إيه بس؟
صدرت من خلفه بغمغمة نسائية نزقة، التفت رأسه نحو الفتاة التي كانت واقفة خلفه بتململ من طول انتظارها بلا فائدة، وقد نسيها في غمرة شروده الذي لا ينتهي، بعد أن أتى بها في فورة غضبه يتنوي الغرق في بئر عشقه للنساء، ليتزوق ريحق الزهور من كل لون لينسى حبه اليائس من ذات القلب المتحجر، ولكن قلبه الشارد عن طاعته كالعادة غلب كبرياءه المجروح، فمنعه عن لمس الفتاة او حتى القرب منها؛ بمجرد أن نظر اليها مطولًا وأتت أمامه صورة معذبته!
وضع يده في جيب بنطاله ليُخرج لها كمية لا بأس بها من النقود الورقية تلقفتها الفتاة بلهفة، تقول:
– يدوم العز ياباشا بس دول كتير أوي، وانت مقربتش مني نهائي.
اومأ بابتسامة جانبية ساخرة:
– معلش بقى اهو من حظك ونصيبك، خديهم وروحي على بيتك
همت لتنصرف صاغرة لمطلبه ولكن شعرت ببعض التردد، فقالت:
– طب انت مش عايز مني أي حاجة؟ انا ممكن أرقصلك او اعمل اي حاجة تفرفشك.
– تفرفشني!
قالها بسخرية مريرة وهو يشيح بوجهه عنها متابعًا بإشارة كفه لها:
– امشي يابنتي امشي.
تنهد بح.رقة صامتًا، حتى سمع صوت غلق الباب الخارجي فغمغم بتحسر:
– منها لله بقى، توبتني عن كل الستات وهي كمان حرماني منها.
ظل قليلًا على وضعه حتى انتفض فجأة يدفع السيجارة من يده، ليردف لنفسه بلهجة حاسمة وقد احتدت عيناه بوميض غريب وغامض:
– ماشي يا كاميليا، انا وانتِ والزمن طويل!
الفصل السابع والثلاثون
أنهت عملها سريعًا حتى لا تتأخر عن موعدها مع زهرة في الذهاب معها الى صالون التجميل بعد أتفاقهم السابق كي تجهزها وتشرف على إطلالتها لحفل المساء الذي سوف تحضره مع زوجها وعائلته في عقد الشراكة الجديد، اسرعت بالخطوات لتلحق بالمصعد قبل أن ترى وجهه وقد تعمدت اليوم بعدم اللقاء به، بعد صدمتها برد فعله المجنون بالأمس، ولا حتى في أقصى خيالاتها توقعت حجم تطرفه هذا في التعامل معها، يدعي انها طعنته بخطبتها لكارم، وكأنها أعطته وعدًا بالعشق، مجنون!
دلفت لداخل المصعد وقبل أن يتم الباب اغلاقه وجدته يلج لينضم معها على اَخر لحظة، فلم يسعفها الحظ بالخروج وتركه، زفرت بعن.ف تظهر له تأففها ليفاجئها بهذه النظرة الغريبة مع وقفته الاغرب وقد قصد الوقوف أمامها مباشرةً واضعًا يديه بجيبي بنطاله يناظرها بتمعن وعيناه تتفحصها بجرأه مقصودة ومتعمدة، حدجته بنظرة زاجرة لينتبه، فكان رده ابتسامة جانبيه ساخرة بارتخاء، اثار بروده احتقانها فهتفت بوجهه:
– في إيه؟
حرك رأسه باستفهام يدعي عدم الفهم، فصاحت فاقدة حكمتها:
– انا بسألك بتبصلي كدة ليه؟
ارتفع حاجبه مع ابتسامة ماكرة اعتلت وجهه لعدة لحظات صامتًا باستمتاع، فازداد احتقان وجهها حتى اصطبغ بحمرة الانفعال، وحينما أصابها اليأس من رده، دبت بأقدامها تشيح بوجهها عنه وهي تفور من الغيظ، وهذا كالتمثال واقفًا محله يرمقها بسهامه المتفحصة، وصلها صوته اَخيرًا بنبرة متسلية :
– بتاع نسوان بقى، عايزاني ابص ازاي يعني؟
التفت برأسها إليه فاغرة فاهاها وعيناها الجميلة توسعت بذهول من جرأته؛ ليُجفَل على لون القهوة الذي توهج بقوة تغريه بالاستمرار في إستفزازها؛ كي يتنعم برؤيتهم المحببة اليه، لا بل هو على استعداد ليبقى اسير النظر اليهم حتى يفنى عمره، قطعت شروده هادرة بغضب:
– بلاش اسلوبك المستفز دا يا طارق، احنا ناس محترمين.
– بجد ؟!
قالها بسخرية ضاحكًا بدون صوت، فانفتح باب المصعد الذي توقف فجأة على الطابق المقصود، تنهدت هي براحة تحرك اقدامها للخروج بسرعة ولكنه فاجئها باعتراض طريقها متصدرًا بجسده الضخم أمامها، ارتفعت عيناها اليه، فتقابلت بهذا الدفء الغريب في نظرته؛ وقد ذهب عن وجهه الهزل، ليرتسم محياه بتعبير…. رفضته بقوة لتدفعه بكتفها وتخرج بعن.ف خطواتها، وظل هو محله يراقب انصرافها حتى اختفت من أمامه، ليستدرك اَخيرًا وضعه بالمصعد والذي ذكره بوضعه معها بين الصعود لسماءها الصافية ودنيا البراح في العشق أو الإنسحاب والخروج نهائيًا من محيطها.