نعيمى وجحميها7
نعيمى وجحميها7
❈-❈-❈
وفي الناحية الأخرى وبعد أن أنهت اتصالها مع زهرة وهي في طريقها نحو غرفته، وقفت قليلًا تأخذ شهيقًا مطولًا قبل أن تطرق على بابه مستئذنة بالدخول، والذي أتاها في صوته مرحبًا، فدلفت إليه بهيئتها العملية:
– صباح الخير يافندم .
قالتها بروتينية لفتت نظره، فقال يرد تحيتها:
– صباح الفل ياكاميليا، اتفضلي واقفة ليه؟
سمعت منه لتقترب واضعة مجموعة من الملفات على سطح المكتب أمامه تقول:
– دي ملفات بعض العقود الأخيرة، ارجو ان حضرتك تراجعها، وتبلغني برأيك عن الملاحظات اللي ارفقتها بكل ملف، عشان نصلح وضعنا في العقود الجديدة.
القى نظرة نحو ما تُشير إليه قبل أن يرفع رأسه إليها قائلًا بدهشة:
– هو انا ليه حاسس بجفاف في لهجتك؟ هو انتِ زعلتي مني على موقف امبارح؟
مطت بشفتيها تقول بنبرة مبهمة:
– أزعل منك! لا حضرتك ماتزعجش نفسك، انا نسيت الكلام. واعتبره موقف وعدى.
انتفض مستقيمًا عن مقعده قائلًا بغضب من كلماتها:
– موقف وعدى ازاي يعني؟ هي الحاجات دي فيها هزار ياكاميليا؟
قابلت غضبه تقول بنبرة هادئة ساهمت في اشتاعله أكثر:
– أومال عايزني اقولك إيه؟ هو انت نسيت إني مخطوبة ؟
التف من خلف مكتبه ليواجهها:
– لأ مانسيتش ياكاميليا، زي ما انا فاكر كويس، انها لسة مابقتش رسمي، يعني عندك فرصة لسة.
تكتفت بذراعيها لتقول بحدة:
– فرصة لإيه بالظبط؟ اني افكر فيك يعني، طب انا اعرف عنك إيه غير الصورة الأنيقة بتاعتك؟ قولتلي مثلًا ان عندك ابن من صديقتك الأجنبية، سايبه لأهلك في كندا يربوه هناك.
تغضن وجهه يسألها هادرًا؟
– وانتِ عرفتي منين الكلام ده؟ هو اللي قالهولك صح؟
– سمعت منه أو من غيره، الكلام دا صح ولا غلط؟
سألته بقوة تبينت الإجابة على اثرها من ملامح وجهه المرتبكة مع قوله:
– الموضوع مش زي ما انتِ فاهمة .
بابتسامة لم تصل لعيناها رسمتها لتخبئ من خلفها صدمتها، ردت بتامسك:
– مافيش داعي لارتباكك دا، انا ماليش حق اني احقق معاك ولا اقررك أصلًا، حضرتك حر في اللي انت تعمله، وانا كمان حرة في اختياري، عن إذنك.
قالتها وتركته مغادرة ليسقط بثقله على المقعد من خلفه، وكأن هموم العالم أجمع سقطت فوق رأسه
الفصل الأربعون
برأس مثقلة رفعتها عن الوسادة تطلعت حولها في الغرفة الغريبة عن غرفتها، الأثاث الغير المرتب مع الفوضى المنتشرة في كل شئ حولها، حتى وقعت عيناها على فستان سهرتها بالأمس وهو مُلقى على الأرض بإهمال، فتذكرت جميع أحداث ليلتها، من وقت رقصها الجامح في الملهي مع مارو، حتى مجيئها إلى هنا بصحبته، تأوهت لترفع جسدها وتشد الغطاء عليها، وخرج صوتها المتحشرج من أثر النوم:
– مارو يا مارو .
لم تنتظر كثيرًا وسمعت صوته على الفور وهو يلج إليها لداخل الغرفة قائلًا؛
– هاي ياقلبي هو انتِ صحيتي؟
ردت وهي تخرج لها سيجارة من العلبة لتضعها بفمها:
– انت كنت فين كدة ع الصبح وسايبني؟
أجابها على الفور بحماس
-كنت ع الفون وبكلم والدي عن قصة حبنا دا فرح قوي، وسألني بقى عن ميعاد جوازنا.
فغرت فاهاها حتى سقطت السيجارة من شفتيها، وقالت بدهشة:
– جوازنا ازاي يعني؟ هو انت بتتكلم بجد؟
– طبعًا ياميري، هو الكلام دا برضوا فيه هزار، ولا انت فاكراني عيل صغير عشان ماتخديش بكلامى، لا يا ست ميري لازم تفهمي إني راجل أوي .
قال كلماته بجدية كادت أن تضحكها ولكنها تماسكت لتجيبه بمهادنة:
– لا طبعًا ياحبيبي انا عارفاك راجل وسيد الرجالة كمان، بس انت عارف ان ظروفي متلخبطة؟ دا غير اني لسة في شهور العدة كمان ولا انت نسيت؟
مط بشفتيه يقول بتفكير:
– لأ طبعا مانستش، انا عارف ان الست بيبقا ليها عدة بعد ما تطلق أو جوزها يموت، تقريبًا في حدود اربع او خمس الشهر باين.
اعتلى ثغرها ابتسامة متسلية وهي تومئ برأسها إليه كي تجاريه دون ان تصحح له معلوماته، ولكنه أجفلها بقوله:
– الفترة دي هاتبقى يدوب على ماجهزنا عش الزوجية بتاعنا، إن كان هايبقى عندي ولا عندك، دا بابا مُصمم ان فرحنا يبقى اكبر حدث في مصر.
مسحت بباطن أناملها على عظام فكها بتوتر، ثم قالت وهي تجاهد لتُخفي ضيقها:
– وإيه اللي دخل والدك معانا بس واحنا لسة مدخلناش في حاجة رسمي؟ ثم انه ازاي يوافق على جوازك قبل ماتخلص جامعتك اساسًا؟
اعتدل في جلسته واضعًا قدم فوق الأخرى يقول بزهو :
– مش محتاجة تفكير ياقلبي، هو عارف ومتأكد إن ابنه جامد، وشهادة الجامعة دي، خدتها أو مخدتهاش مش هاتفرق معايا، انا مش فقير عشان ابنى مستقبلي على وظيفة بيها، والحقيقة كمان اسم والدك وفر عليا كتير أوي في اقناعه.
– اممم .
زامت بها وهي تشيح بوجهها حانقة ثم التفت بابتسامة صفراء تقول:
– اهي المشكلة بقى يا مارو في والدي، لأني عارفة ومتأكدة كويس، إنه لايمكن هايقبل يجوزني طالب في الجامعة وأصغر مني بست سنين.
شددت على عبارتها الأخيرة فانتفض أمامها بانفعالٍ أجفلها :
– وافرضي يعني ياميري ما وافقش، انتِ برضوا ما ينفعش تستلمي، قاومي وافرضي رأيك عليه، لازم يفهم ان احنا بنحب بعض ويوافق على كدة.
عادت لرسم ابتسامة صفراء على وجهها، وقد علمت بعقم الجدال معه، فيبدوا ان جموح جنونه الذي كان من أهم أسباب انجذابها اليه في البداية، هو نفسه ما يجعلها اليوم تشعر بالقلق منه، مالت تتصنع النعومة في صوتها لتنهي الحديث بقولها:
– طب ممكن ياقلبي نأجل الكلام في الموضوع دا بعدين، عشان دلوقتِ الصداع هايفرتك دماغي ونفسي في مج كببر من الكوفي الجميل بتاعك تعملهولي ممكن؟
– اميرة حياتي كل اللي تطلبه مُجاب .
قالها بحماس ونهض على الفور يلثم شفتيها بقبلة خاطفة واكمل وهو يخطو لخارج الغرفة:
– ثواني واحضرلك الفنجان تشربيه عشان تفوقي كدة معايا.
تابعته حتى انصرف لتزفر بارتياح مع خروجه، ثم تناولت الهاتف لتلقي نظرة به، توسعت عيناها متفاجئة بكم الإشعارات التي عليه، لتجد أمامها الخبر الأهم وبيان جاسر الريان عن زوجته يتناقل في الصفحات بصورة غير طبيعية، قرأت نص البيان بأنفاس متهدجة من الغضب مع كل كلمة به، ثم الاراء المشجعة، والتي تُثني على جرأة الرجل في اختيار زوجته دون النظر إلى الفارق المادي، واستشاط عقلها بنيرانه وهي تقرأ كم التعليقات الساخرة من زوجته الأولى، فلم تشعر بصرختها المدوية وهي تخرج من عمق حلقها، ولا بالهاتف الذي دفعته بطول ذراعها حتى اصطدم بالحائط؛ ليقع على الأرض متهشمًا لعدة قطع متناثرة، ولا بشهقة الزعر التي صدرت من مارو وسقط على أثرها فنجان قهوتها الكبير من يده، ليكمل على فوضى الغرفة، وخروجه مهرولًا خوفًا هيئتها.