خيوط العنكبوت ج ٦
خيوط العنكبوت ج ٦
والمذايع يصدح داخل المقهى على نغمات المحطة الإذاعة بصوت المطرب “محمد عبدالوهاب” ..
وفي هذا الاثناء جاءت أحداهما تتبخطر في خطواتها بملابسها المزركشه الكاشفة عن ذراعيها وتضع الملاءة اللف السوداء لتواري جسدها الغض وكلما تحركت كشفت عن ساقيها الجميلتين المرمريتين ملفوفة القوام، مرتدي شبشب بكعب عالي باللون الأسود وعليه من كل جانب وردة؛ والخلخال يرن ويصدح صوته كلما سارت خطوة، مما جعل العيون تترصد لها وتطالعها بشهوة ورغبة في ألتهامها.
هتف شابًا ينفث في دخان شيشته “الارجلة” وهو جالسًا على المقعد الخشبي داخل المقهى:
– مافيش نهارك سعيد ولا انا هواء يا ست الحُسن والجمال
دارت وجهها ثم رمقته بنظرة شامخة وقالت بلامبالاة وهي تلوي ثغرها الرقيق أسفل اليشمك التي تضعه على وجهها :يا سم
عاد يهتف ببسمة طفيفة وهو يهندم من شاربه الرفيع :
– أموت أنا في الثمنة البلدي
اكملت خطواتها المتهادئة لتصل إلى صانع النحاس، وقالت بصوت هادئ:
-نهارك سعيد يا معلم
رفع الرجُل أنظاره عن عمله الذي كان يدقنه بصبر وتفاني ورد باسمًا؛
– نهارك سعيد يا ست الكل، أومريني
-ما يؤمرش عليك عدو ، خلصت الصينية النحاس اللي قولتلك عليها
-من بدري يا ست الكل
أخرجت دلاية النقود من داخل صدرها وهي تقول :
– وهتاخد عليها كام بقى يا معلم
-مليمين “النقود” في تلك الفترة
وضعت بكفه مليمًا واحدًا وقالت بفصال:
-هو مليم واحد مافيش غيرة
تبسم لها في ود ثم قربه من شفتاه يقبله وهو يقول :
-من يد ما نعدمها يا ست الكل، و عبقال المرة الجاية..
عادت تسير في هوداء لتطالع فتوة الخان “شاب اسمراني بجسد ضخم البنية وعريض المنكبين يرتدي جلباب بنية ويحمل النبوة بيدة ويلف العمامة السوداء أعلى رأسه، بعيون حادة كالصقر نظر خلسة لمن يتطلع لمحبوبته، ملكيته الخاصة فمن يجرؤ على النظر إليها والجميع في حي الخان يعلم بأنها تخصه وحده، رفع النبوة وأسقطه بكل قوته أعلى الطاولة التي يجلس عليها الشاب الذي يتغزل معشوقته ويتفرس ملامحها بنظراته وهتف بصوت أجش :
-عيونك دول هخرجهم في أيدك المرة الجاية لو رفعت عينك على ستك وتاج رأسك
أبتلع ريقه بتوتر ووقف يرتجف أمامه قال معتذرًا يخشى غضب الفتوة “سلطان” وساقية كادت أن تلتصق ببعضهما أثر خوفه وتخبطة وجاهد في أخراج صوته ثم قال هامسًا بهلع:
-أمرك يا معلم
لكمه “سلطان” لكمة قوية أطرحته أرضًا وقال وهو يحمل نبوته ويغادر المقهى:
-قرصة ودن لامثالك العرة
ثم قبض بقوة على رسغها وسار بخطوات غاضبة يجرها جرًا خلفه وهو يقول بصوت غليظ :
-كلامي يتسمع يا “سمارة” مفيش خروج من مطرحك وكل طلباتك هتكون عندك
ضحكت له بدلع وقالت بهيام:
-أمرك يا فتوة قلبي
❈-❈-❈
عودة إلى المشفى ولا زال “سليم” شاردًا بأفكاره يتذكر جيدًا الشجار الذي أندلع بينه هو ووالده عندما أنكشف أمر عمله داخل المافيا العالمية لتجارة الأسلحة والأعضاء البشرية ويضع بعض من أمواله ببنوك أخرى خارج البلاد ويدخل أمواله في غسيل الأموال بسبب أعماله المشبوهة وكما أنه حاول إقناعه بأنه يفعل الصواب داخل مشفاه، فبعض رجال الدولة والاعمال منهم بحالة مرضية حرجة وبحاجة لزرع كبد وأخر كليه وثالث لزراعة قلب ويستغلون الموتة مجهولين الهوية في ذلك لكي لا يثيرون الشبهات حولهم.
تذكر غضبه وثورته التي قامت ولم تقعد وغادر شركة والده وعلى أثر أنفعاله وغضبه جاءت سيارة مُسرعة أصطدمت به وقلبت له سيارته رأسًا على عقب ونجى من هذه الحادث المروع بأعجوبة وأثناء وجوده بالمشفى وبعدما فاق من غيبوبته تصنع هو بأنه لم يعد يحرك قدميه لكي يُعطي والده درسًا لن يُنسى ويُحمله ذلك الذنب، يعلم بأنه هو شقيقه نقطة ضعفه وكان يود أن يترك عمله داخل المافيا ويعود كما كان وبالفعل وعده “توفيق” بذلك..
تنهد “سليم” بعمق وتذكر مُقدم الشرطة الذي أتى لزيارته داخل المشفى وأعلمه بخبر أغتيال والده بطلق ناري ولم يُعلم أحد بذلك الخبر المشئوم الذي هبط عليه كالصاعقة.
وأسترسل المُقدم قائلا بأنه يريد منه أن يدخل هو مكان والده بعالم المافيا لينكشف جميعهم ويعاقبون على كل ما أقترفوه من أخطاء وحان وقت المُحاسبة لذلك وعده سليم بأن يفعل ما يأمره به ولكن يخفي سبب وفاة والدته ولم يُعلم أحدًا أنه يعمل مع المافيا وقُتـ,ـل على يديهم الملوثة ووعده المُقدم بأخفاء سر والده والحافظ عليه.
أنتشله من شروده طرقات متتالية على باب الغرفة تلح بالدخول وصوت رخيم يستأذن بالدلوف :
-سليم باشا ممكن أدخل، أنا المقدم “حازم الجيار”
طالع سليم باب الغرفة المُغلقة بتسمر لا يعرف كيف أتى به في ذلك الوقت العصيب وما هي خطته القادمة ولكن كل ما يعلمه علم اليقين أنه يُريد الانتقام ولن يقبل بتدخل أي كأن في ذلك فكل ما تعرض له شقيقه يتحمل ذنبه ويدركه جيدًا ولن يتهاون فيما فعل به ذاك ولو كلفه الأمر حياته لن يخضع ولن يستسلم ويجلس ينتظر تدخل الشرطة بالأمر فمنذ تلك اللحظة أصبحت مسئلة حياة أو موت ولن يقبل بالهزيمة يكفي ما حدث.
هتف بصوت أشج يسمح له بالدخول وحاول ان يظهر بثبات لكي لا يشك بأمره..
❈-❈-❈
بينما في قارة أوروبا
تحديدا في الولايات المتحدة الأمريكية “نيويورك”
قصر الكابو “الزعيم”
كان داخل قصره العريق ذا افخم الطراز ولكنه يشطاط غيظًا بسبب فشل عمليته الأخيرة والأمور التي لم يعقب لها حسابًا فقد خسر الكثير من رجاله منهم من قُـ,ـتل على يد الشرطة الفيدرالية وأخرين تم الزج بهم داخل السجون.
دلف مكتبة بخطواته غاضبة وجلس خلف مكتبه ثم دار بالمقعد عدة مرات وتوقف فجأة يسكب مشروبه من الكحول داخل كأسه ثم تجرعة مرة واحدة وعاد يعود الكورة ثانيًا وثالثًا بنظرات غامضة ثاقبة حادة وعيون براقة، وهج من الغضب واللهيب المُستعر، نظرات جامحه تطلع للفراغ بغموض قاسي وجسد مُتصلبًا.
استمع لطرقات متوترة تقرع باب مكتبه بتردد علم من صاحبها ودون ان ينبس بكلمة وأعطى القادم ظهره بعدما أشعل غيلونته البنية وسكب مشروبه.