خيوط العنكبوت ج ٦
خيوط العنكبوت ج ٦
دلف الشاب بخطوات مضطربة وجسده يرتجف وهو يطالع جسد الزعيم الضخم الذي يظهر جالسًا على المقعد الوثير خلف مكتبه ويعطي ظهره للشاب الذي يقف مذعورًا رغم عمله گ قناص مُحترف إلا أنه يرتجف خوفًا من بطش الزعيم بسبب ما فعله من خطأ وجيم، لن يصفح عنه زعيمه، فقد كلفه بمهمة لم ينجزها على أكمل وجه.
ولم يظهر منه إلا جسده العريض وقبعته السوداء التي يرتديها أعلى رأسه.
قال بصوت جشي بعد أن نفث اللفافة المُشتعلة بين أطراف أنامله يعبئ رئته من دخانها الحارق وباليد الأخرى يمسك بكأس المشروب ثم قال بلكنته الإنكليزية :
-هل أنهيت مُهمتك بـ مصر؟
أبتلع الشاب ريقه بتوتر وقال بصوت مُهتز أثر رجفته:
-أعتذر يا فاخمة الزعيم فقد أرتجفت أناملي وأخطئت التصويب بالهدف، أرجوك أن تصفح لي خطئي هذه المرة وأعدك لن أفعلها ثانيًا.
عاد ينفث دخان سيجارته بتلذذ وبرود ثم قال أمرًا:
– لن أقبل الصفح، عاقب نفسك العقاب الذي يليق بك
لاح أمام اعينه طيف زوجته وطفلته الصغيرة ثم زرفت عينيه بالدموع الساخنة وأخرج من جيب بنطاله الخلفي سلاحه، صوبه على جبينه بعدئذ أغمض مقلتيه بقوة، ثم ضغط الزناد لتخرج طلقة مدوية تعرف طريقها وتطرحه أرضا في الوقت والحال وأنسابت الدماء حوله ولم يرف لذلك القابع خلف مكتبه طرفة عين بلا أبتسم بنشوة وتلذذ على ما فعله القناص بيده وهمس يحدث نفسه:
– هذا هو الانتصار الحقيقي؛ أن تجعل من أخطأ يُعقاب نفسه بالطريقة التي وضعتها أنت.
ثم دار بمقعده عدة مرات متتالية وهو يكركر ضاحكًا ويتوعد بأن القادم سيكون جحيم وهو لن يرحم أحد…
❈-❈-❈
الفصل الثالث.
أستيقظت “نور” من نومها المُتقطع بسبب الكوابيس التي تُهاجمها منذ أن فقدت جنينها ورحمها والحالة الحرجة التي دخلت بها، واحتاج جسدها وعقلها الشارد حالة من الاكتئاب الشديد؛ سامت كل شيء حولها.
اتت إليها الخادمة تُقظها وتزف لها الخبر الذي انتشر بجميع الصحف النشرات الإخبارية عن تعرض رجل الأعمال “سليم السعدني” وعائلته لاطلاق الاعيرة النارية مساء الأمس بينما هم يحتفلون بعودته سالمًا مُتعافى من عمليته الأخيرة ليعود سيرا على الأقدام.
طرقت باب غرفتها ودلفت لتتفاجئ بها مُستيقظة ولكنها تنظر للفراغ بشرود، أشفقت على حالتها تلك تنهدت بأسى ثم اقتربت منها بخطوات متهادئة وجلست بجوارها على طرف الفراش تربت على كتفها بحنان قائلة:
-مالك يا بنتي؟ الكوابيس بردو اللي مطيرة النوم من عينيك
نظرت لها دون أن تنبس بكلمة
زفرت الخادمة أنفاسها ثم هتفت بتردد:
-في خبر كده مش عارفه هيفرق معاكي ولا ايه؟ بس لازم تعرفيه ده مهما كان في بينكم عيش وملح
طالعتها نور بعدم فهم
لتبتر الخادمةكلماتها جرعة واحده وتنقل لها ما سمعته وقراءته، انتفضت نور بذعر وهبت واقفة تحاول استجماع شتاتها وبحثت بتوتر عن ملابس ترتديها مُسرعة لتغادر الفيلا في عجالة تستقل سيارتها متوجهة إلى المشفى لتتفقد وضعهما فهي لا تعلم من المُصاب زوجها السابق أم شقيقه وحبها الأول..
❈-❈-❈
داخل المشفى..
حالة من الصدمة ألجمت لسانها عندما وقعت عينيها على وجود “نور” طليقة زوجها
استقامت “ميلانا” واقفة وسار بخطوات واسعة وعينيها تُهدد عن اندلاع النيران، لحقت بها خديجة تنظر حيث وقعت أنظار ميلانا وما دفعها للسير بتلك الطريقة
اما عن حياة وقفت تُشاهد المشهد بعدم فهم وتذكرت الفتاة التي رأتها مرة واحدة بيوم عُرسها وعلمت حينها بأن الموقف ذلك لن يمُر مرور الكرام.
هاجمتها “ميلانا” بحده وصراخات غاضبة:
-شو إلك شُغل هون لتبلشي بألاعيبك
دارت نور بمقلتيها بين الوجوه بنظرات تائهة وعندما وقعت عينيها بقدم “سليم” علمت حينها من المُصاب وانخلع قلبها من داخل صدرها الذي يقرع بين ضلوعها كالطبول خوفا وقلقًا على وضع أسر
انسابت دمعة خائنة ونظرت لميلانا مستفهمة عن ما حدث لزوجها السابق
-أيه اللي حصل لأسر؟
وقف سليم بينهما وابعد ميلانا وهو يجذبها برفق من ساعدها قائلا:
– ممكن تقعدي وأنا هتصرف
انصاغت ميلانا لاوامره وجلست على أقرب مقعد تراقبهم وهم يتحدثون
كانت نظرات الجميع مُسلطة على تلك الدخيلة التي قلبت الأجواء وبدأ التهامس
سحبها سليم من رسغها مبتعدًا بها وهو يقول بصوت حاد :
-ايه اللي جابك؟ إياكِ تكوني فاكرة أن ناسي كلامك عن الانتقام ودمار عيلتي تبقى غلطانه، أنا كنت ساكت وصابر عليكي بس عشان خاطر أسر، لكن أسر بنفسه طردك من حياته للأبد وهيسترد وعيه وهيكون بخير ومش هتقدرى تشمتي في الوضع الراهن، أنا لسه عامل حساب انك كنتي مرات أخويا لكن وغلاوته يا نور أي تصرف منك غير لايق هتدفعي التمن غالي ولا هبقى على حد
قالت بصوت شجي :
-سليم انا لا يمكن أاذي أسر مهما حصل، أسر طيب وحنين وماليستهلنيش أنا عارفه هو يستاهل حد زيه بريء، أنا مش محتاجه اهد وازعزع كيان العيله، لم عرفت الخبر قولت لازم اجي اطمن بنفسي عليك انت وأسر
قال ببرود:
-أسر هيقوم وهيكون أحسن من الاول متشكرين على الزيارة وياريت ما تكررهاش تاني، وجودك غير مرغوب فيه انتي برة حياتنا خلاص.
أومت له أيماءة طفيفة وغادر المكان بحزن شديد يكاد أن يصلها لحد الاختناق، لا تعلم ماذا فعلته من ذنب ليكون مصيرها الوحدة والعذاب..
❈-❈-❈
اما عن سراج فوجد الوضع داخل المشفى لا يُبشر بخير وبالاخص بعد ظهور نور ولذلك قرر ايقال عائلة خطيبته ووقف بجانب “فاروق” يخبره بأن وجودهم بالمشفى الان لن يجدي نفعًا وهو أيضا مريض ولم يتحمل العناء فسيصلهم إلى المنزل ثم يعود ثانيًا لصديقه ويظل جانبه وموافقه فاروق الرأي وودعت حياة عائلتها وعاد تجلس بشرود بجانب “خديجة”
التي ضمنها بذراعها وحاوطت ميلانا بذراعها الآخر وقال بصوت مُنكسرًا حزينًا على ما حدث مع ولدها وقالت بعفوية:
-معرفش كان مستخبي لينا ده فين؟ اللهم لا اعتراض على حكمتك يا رب، ثم اردفت قائلة بطيبة قلب :
-في عز فرحتنا تتحول لكابوس كده، يارب نجي أسر يارب ورده لينا ردًا جميلا يا رب
أمنت كل من حياة وميلانا على دعائها بينما أكملت خديجه حديثها بسلاسة وهي تنظر لحياة؛
– اوعي تصدقي كلمة عن سليم، نور دي مجنونة وكانت عاوزة توقع الأخوات في بعضها، بس هقول ايه مسكينة خسرت كل حاجة في لمح البصر، ربنا يعوضها خير
وقف سليم في ذلك الوقت أمام والدته وهتف بألحاح يُريد تفسيرًا صريحًا عن ما فعلته نور بغيابه، توترت ميلانا وابعدت أنظارها عن التطلع لسليم أما والدته قالت بتلجلج :
-يا بني ده موضوع وخلاص عدا وراح لحاله، هي بس قالت أي كلام لم خسرت الجنين وكمان استئصلت رحمها
شهقت حياة بصدمة وأشفقت على نور ولكن أصرار سليم كان أقوى لتسترسل خديجة حديثها تقص عليه ما فعلته نور مع أسر في آخر يوم ألتقت به هُنا داخل المشفى وكل ما مر عليهم بذلك اليوم العصيب..
لم يستعب سليم ما فعلته نور ولكن طالع حياة بنظرات واثقة يعانقها بمقلتيه الدامعة لعله يجد بهما اتهامًا متوجهًا إليه او تفسيزًا لما أتهمة به نور ولكن لم يجد داخل خضرويتها إلا الاحتواء والأمان فهي تصدقه ولن تنتظر منه تبريرًا على ما قيل.
تنفس حينها سليم الصعداء ويود الآن أحتضانها بكل ما أوتي من قوة ولكنه تراجع عن ذلك وجال بعقله الخوف من الخطوات القادمة فهو على حافة الهوية الآن ولم يعود لذلك الطريق رجوع، دار وجهه غاضبًا وقرر أن يختلي بشقيقه يرأه ويتحدث معه لعله يُصدقه ويستمد منه القوة فيما هو مُقبل عليه.
بعدئذ ارتدا زي المشفى المُعقم وولج لغرفة العناية يتفقد شقيقه المُمدد بجسده أعلى الفراش الأبيض دون حراك وأسلاك الأجهزة الطبية مُحاطة به من كل جانب، دنا منه بخطوات حذره وجلس على ركبتيه بجانب الفراش ثم وضع كفه تلامس بكف صغيره فهو لم يكن له مجرد شقيق وحسب انما هو طفله البكري وصديقة الحنون ورفيقه الصبور على عناده هو وحده الذي يستطيع امتصاص الغضب من داخله عندما يطالعه ببسمته البشوشة القادر على تبديل حاله من العبس إلى السعادة.
نكس براسه خجلا وهو يقول بصوت واهن ودموع تنهمر بغزارة دون توقف فهو بحاجة للبكاء والصراخ، داخله حمم بركانية يُجاهدًا في التحامل والتغاضي عن كل شيء واي شيء من أجل رؤية عيناه تطالعه بحب كما كان، تمنى لو كانت الرصاصة تُصيبه هو وليس شقيقه الساكن لا حولة له ولا قوة.
خرج صوته مُعتذرًا وكأنه يجلد نفسه بالسياط على ذنب لم يفعله وجريمة لم يقترفها وكل ما قالته نور ليس إلا مجرد وهمًا ونار أرادت أن تحرق العائلة بها ولكنه يتوعد بأن النيران ستحرقها هي أولا، ولكنه شاردًا بما هو أخطر من ذلك وهو كيفية التعامل مع المافيا وكيف سيُسدد لهم ضربته القادمة ردًا على فعلتهم الحمقاء في حق شقيقه ودنا من أذنه يقص عليه ما وضعه أمام أعينه في وضع خطة مُحكمة ستجعله ينتقم منهما أشد الانتقام وكل من له يد بما حدث سينال عقابه الذي يستحقه.
ثم أستقام واقفًا مودعا شقيقه بقبلة حانية بمنتصف جبينه وغادر غرفة الرعاية بخطوات واسعة بعدما نجح في أخفاء دموعه وعودة الجمود على محياه ثانيًا..
❈-❈-❈
“خان الخليلي”
بعدما ذهب “ألبرت” مع الرجل الوقور الذي يسكنه منزله وتركه يستريح فهو يبدو عليه الإرهاق، صعد عبدالله درج السلم ليصل حيث شقته التي بطابق الثاني، دس المفتاح في المزلاج وولج لداخل صائحًا لزوجته عقيلة أن تترك ما تفعله بالمطبخ وتاتي إليه في حال
اتاها صوت زوجها الجمهوري وهو يُنادي بأسمها فتركت طشة الملكوية وأغلقت الابور ثم سارت بخطواتها السريعة تجيبه بودية :
-انت شرفت يا معلم
-تعالي اقعدي يا عقيلة أسمعي اللي هقولك عليه وتنفذية بالحرف
-من العين دي قبل العين دي، أومرني يا معلم
-المطرح اللي تحت أنا أجرته لخواجة ألماني جاي البلد في زيارة
لوت شفتيها في غيظ وقالت:
-وهي البلد ناقصه كمان ألمان
قال عبدالله بأمل:
– سعد باشا زغلول لا يمكن يسكت وكفاية ثورة 19 ومش هتكون أخر ثورة تعملها المصرين
تنهدت بحزن ثم قالت :
-والمطلوب يا معلم
-نكرم الضيف يا عقيلة أحنا ولاد بلد ونفهم في الأصول
-حاضر يا معلم، هخلص طشة الملوخية وهبعت له الاكل مع بنتك
دار وجهه داخل المنزل بحثا عنها ثم قال:
-ألا هي فين “زمردة” مش شايفها؟
-هتكون فين غير في أوضتها بتقيس التوب الجديد اللي جابته من عند الخياطة” تريز ”
عادت عقيلة المطبخ لإكمال طبختها بينما غادر عبدالله المنزل بأكمله ليقف في دُكان البقالة خاصته وبعدئذ انهت اعداد الطعام وضع الصينية النحاسي المدورة وسكبت صحن من الملوكية بجانبه وضعت صحن اخر من الباذنجان المخلل وصحن به حبتين من البنادورة ورغفين من الخبز الطازج التي أعددته هي بنفسها، ثم هتفت منادية لابنتها لكي تأتي إليها مهرولة في ثوبها الجديد الذي ينسدل على جسدها الصغير بنعومة والابتسامة تعلو ثغرها وهي تصيح وتدور حول نفسها أمام والدتها قائلة:
-أيه رأيك يا نينه حلو مش كده
طالعتها والدتها بنظرات فاحصة ثم قالت:
-ماسك يا زمردة على جسمك
رفعت كفيها تلامس خصرها وتهبط بهما باعجاب على قوامها وهي تقول بغنج:
– لا ده جميل أوي كدة يا نينه، قوليلي بتنادي عليه ليه
تنهدت في أستسلام وقالت :
-تاخدي صينية الاكل دي تنزليها تحت المطرح سكن بخواجة ألماني، خبطي عليه ياخد الاكل وتعودي طوالي بلاش لكاعة
أزدادت أشراقًا واتسعت أبتسامتها ثم سحبت خصلة من شعرها الأسود اللامع لتجعلها تتطاير على وجنتها ثم امسكت بالصينية بين كفيها وسارت بخطوات متهادئة ونظرات براقه تريد أن ترا هذا الشخص الأجنبي الذي سكن منزلهم، لم تستطع طرق الباب بكفيها وقفت لحظات أمام باب الشقة ثم اتتها فكرتها بأن تطرق الباب بقدمها منما جعلتها ترفع ساقها اليمنى وتميل بها للأمام تقرع باب الشقة مرتين متتاليتين.