خيوط العنكبوت ج ٦
خيوط العنكبوت ج ٦
وداع لا يعلم متى سيعود منه، يشعر بالريبة وهو يودع قطعة من روحه، لا يجد نفسه ولا يشعر بكونه أنسان إلا بقربها، قربها الذي جعل منه شخصًا أخر رحيمًا، قلبه نابضًا بالحب وروحه مُفعمة بالحياة، لا يود خسارتها ويسعى ليظل جوارها ولكن قيود ماضية تمنعه، عليه وصد صفحات الماضٍ لكي ينعم بالحاضر ويعيش المُستقبل في هدوء وسعادة بجانب أسرته التي اختارها بمحض أرادته، يخشى ان تعلم ما يخفيه عنها داخل صدره وتتركه يواجه مصيره وحده، لن يقبل خسارتها وسيفعل كل ما بوسعى ليمحي قيود الماضي التي مكبلة بأغلال من حديد مُتسلسلة بعنقة، تكاد تخنقه وتزهق روحه..
❈-❈-❈
داخل فيلا توفيق السعدني..
استيقظت خديجة عند بزوغ الفجر، تصلي فرضها وظلت تدعي لمماثلة أسر الشفاء العاجل، تناجي ربها أن يحفظ لها أبنائها، واستشعرت القلق، سليم لم ياتي حتى الآن
نهضت عن سجادة الصلاه ثم تركت غرفتها وقررت ان تذهب لغرفة سليم لكي تطمئن قلبها لعله هاتف زوجته أخبرها سبب غيابه، طرقت باب الغرفة عدة مرات متتالية ولكن لم ياتي ردًا
فتحت مقبض الباب ببطء وتطلعت لداخل الغرفة لتجد جسد حياة ينتفض ويرتجف ولم يصدر منها الا انين خافت، تقدمت خديجة بخطوات مضطربة قلقه بسبب هيئتها فجسدها مُمدد بسكون ولكن تصدر منه ارتجفات واهتزازات وعندما اقتربت منها وجدت عينيها جاحظة ولكنها لا تشعر بوجودها ولم تستمع لصوت منادة خديجة
-حياة، مالك يا حياة؟ حاسة بأية يا بنتي؟
جلست برفق على طرف الفراش ومدت كفها تلامس جبينها لتشعر بحرارة عالية منبعثة من جسدها، يبدو أنها تعاني نوبة حمى، شهقت بقلق وهي تهمس بخفوت:
-يا حبيبتي يا بنتي دي مولعة نار
عادت الغرفة سريعًا التقطت هاتفها تهاتف سليم ولكن الاخير لم يجيبها، تنهدت بحزن ونهضت تجلب صحن ماء بارد ووضع داخله منشفة صغيرة وعادت لغرفة حياة تضع لها كمدات على جبينها ليخرج صوت حياة بانين خافت، أشفقت عليها وما حدث معها وسليم بالخارج لم يكن بجانبها وهي تعاني المرض
ظلت جانبها حتى أشرقت شمس الصباح وتأكدت من اعتدال حرارة جسدها، تركتها تغط بنوم عميق ثم غادرت الغرفة لتعاود الاتصال بابنها الذي لم يجيبها هو الآخر وجعل قلبها ينهش بقلق، وجلست تنتظره بالصالون ريثما يعود…
“الخوف هو ذلك الشعور القاتل الذي إذا تملك من الإنسان سيحول حياته إلى جحيم مُتقد، والخوف الزائد عن الحد يجعل الشخص يتمتع بالسلبية والعبودية”
“أقسى اللحظات التي تعيشه الان وأصعبهم ألما وقلبها هو الذي يبكي دمًا دون أن تمتد يده إليها لتحتويها وتسمح على قلبها لعله يتوقف عن النزف ويلمم شتاتها المبعثر، فهي الان حطام، أشبه بشبح الأموات، جسدًا بلا روح، وتتمنى ان تزهق روحها قبل أن تعيش تلك اللحظات القاسية التي لم يتحملها بشرًا”
اوهمتها حياة بأنها حقًا ذهبت في نوم عميق وعندما غادرت خديجة الغرفة علت شهقات حياة وجلست على الفراش تحتضن بذراعيها قدميها التي تضمها لصدرها وظل جسدها ينتفض وهي تتذكر كل ما حدث معها ليلا والصوت الذي لا زال يتردد باذنيها حتى الآن.
وضعت كفيها تغطي أُذنيها عندما بدء الهسيس في تزايد يكاد يخترق طبلة أذنها وهي رافضة الخضوع لذلك الصوت المفزع الذي جعل جسدها وقلبها يرتجف بذعر وخوف
فقدت قدرتها على النطق وشُل لسانها لم تعد قادرة على حركته والصراخ لكي ينجدها أحد منما هي تشعر به، ترا نفسها داخل دوامة تأخذها للجحيم وتغمسها بكامل جسدها في نيران مشتعلة تريد ألتهامها.
كلما أغمضت مقلتيها ترا نفسها محاطة من كل جانب بجبال من نار وأشواك تلاحقها ومارد ضخم ليس له هيئة مخيفة مغطي جسدة النار المتوهجة، يخرج صوته المبهم بفحيح، يطالبها الخضوع له وتسليمه جسدها بعدما تم حرق زوجته” ليليث” بسببها فهو يُريد امتلاكها وراغبًا فيها بأن تكون البديل لزوجته وإلا ستُهلك للأبد
“حلمي تحطم و اختفى و العزم في قلبي غفا و الدمع من عيني يسقط مرهفا املي تحطم في الصخور و الحزن اضحى بي يدور و الياس يكتب نفسه بين السطور
الخوف قيد اضلعي لم يبق لي شخص معي و شعرت همسا خافتا في مسمعي همس يقول الى متى ستظل تغرق في البكا”
“محاولة الإنسان الهرب من قدره المكتوب يشبه كثيراً الركض ضمن متاهة بمسارات متشابهة، مهما حاول الإنسان الخروج منها، سيعود لنقطة أساسية فيها، هي نقطة القدر.