خيوط العنكبوت ج ٦
خيوط العنكبوت ج ٦
كان ألبرت يضع ثيابه داخل خزانة الملابس في ذلك الوقت وعندما استرق السمع لدقات أعلى باب الشقه، ترك ما كان يفعله وذهب لفتح الباب، ليتفاجئ بفتاة شابه جميلة في مُقتبل العمر، طالعها بدهشة لتدلف ذات الغمازتين وساحرتيها السوداء التي تطالعه من رأسه إلى اخمص قدمه وابتسامة رقيقة تُزين ثغرها المنتكز كحبات الكريز، قالت بصوت رقيق :
-سعيدة يا خواجة، انا زمردة
تبسم لها بود وردد قائلا:
-صباحك سعيد زمردة، أنا ألبرت
أشار بعينيها لكي يبتعد من طريقها وتدلف لداخل وهي حاملة لصنية الطعام، افسح لها وجدها تضعها أعلى الطاولة الصغيرة وهي تقول:
-نينه باعته ليك الأكل ومنبهة عليا ولو احتاجت أي حاجة اطلع اطلبها دوغري
اشتم رائحة الطعام الشهية وجلس بالمقعد حول الطاوله وجلست هي الأخرى تخبره بما طهته والدتها؛
-دي ملوخية دوقها هتعجبك كتير
احتار كيف يتناولها دون ملعقة فقد ظن بأنها حساء ولكن وجد زمردة تقضم قطعة خبز وتضعها بين أطراف اصابعها ثم غمستها بالصحن وهي تقول بتلذذ الطعم وتلوك الطعام داخل فمها:
-الملوخية بتتاكل هم كدة يا خواجه، يلا امسك وكل
أعطته الخبز ليفعل مثلما تفعل هي وهو يشاركها الابتسامة والمرح على حديث وعفوية تلك الساحرة الصغيرة التي اقتحمت منزله فجأة، وتبادل بينهما أطراف الحديث منما جعل زمردة منبهرة بهذا الشاب الوسيم المُثقف وكان لديها ميول للتعلم كل أمور الحياة بخارج مصر ورسمت أحلامًا وردية تتمنى الزواج من ذلك الشاب الألماني وتُسافر معه لترا بلدة أخرى وتعيش حياة غير التي أعتادت عليها.
❈-❈-❈
توالت الايام على وجود ألبرت داخل أرض المحروسة وتوطدت علاقته بـ زمردة التي نشبت بينهما أعجابًا من كلاهما وهي من جعلته يتفتل بشوارع القاهرة وكان ممنونًا لها ما تفعله من أجله فقد كانت تغادر منزلها خلسة دون علم والديها بأنها تتفتل مع ذاك الشاب الألماني الذي خطف قلبها منذ أن وقعت سوداويتها على بحور عينيه السماوية البراقة التي تشع بالحب والألفة.
وعلم في ذلك الحين موعد المزاد العلني لبيع قطعة الآثار الفرعونية النادرة والتي جاء من بلدته من أجل اقتناءها، دع زمردة بأن تذهب معه ولكنها رفضت بسبب الازدحام في ذلك المكان العلني وقررت انتظاره في شرفة غرفتها تنتظر عودته وهي تتطلع للمارة هنا وهناك داخل الخان..
حصل ألبرت بالاخير على هدفه الذي جاء من أوربا لأجله وعاد إلى مسكنه بفرحة عارمة، اما عنها فعندما رأته يسير داخل الحارة ركضت مُسرعة تغادر غرفتها ثم سارت بخطوات بطيئة لكي لا تمسك بها والدتها وغادرت المنزل بأكمله تهبط درجات السلم ركضًا وتطرق باب شقته ليفتح لها ويلتقفها في أحضانه يبث لها فرحته اقتناء التمثال ودار بها داخل الشقة مثل الرياح المُتطايرة بخفة وتداعبهما وتتخبط بهما في لطف، ثم انزلها برفق وهو يقول بلكنة المصرية :
– منون لكِ زمردة على كل ما فعلتيه من أجلي، حصلت على التماثل ووجب عليا العودة إلى برلين
انتابها حالة من الحزن تقلصت ملامح وجهها وكادت ان تبكي فقد حان عليهم موعد الفراق، شعر هو بحزنها، امسك ذراعيها وجعلها تنظر له ليقول لها بصدق مشاعر:
-أسعد لحظات عمري قضيتها هنا بالخان برفقتك يا صغيرة
ردت بضجر: صغيرة
تبسم في حب وعاد يكمل حديثه:
-أجل صغيرة سحرت قلبي وانتشلتني لعالم أخر مليئ بالسعادة والبهجة، قضيت أجمل أيام بصحبتك وتعلقت بكِ حد الجنون، ولكني أعتذر منكِ يجب أن اودعك وأعدك بأن أتى ثانيا في القريب العاجل فلن استطيع الأبعاد عنك، وأطلب منكِ الانتظار
همست بحزن :
-مكتوب علينا الفراق
احتضن وجنتيها بكفيه وقرب وجهها من وجه ثم مال بشفتيه يُقبلها بنهم شديد وبعد لحظات ابتعد عنها لتسترد انفاسها ووضعت وجهها ارضًا بخجل، تبسم هو وقال :
– بأحبك يا زمردتي الصغيرة الفاتنة الحبابة التي سرقت لُب قلبي بنقاءك وعفويتكِ يا أجمل فتاة راتها عيناي
ارتمت هي تلك المرة داخل أحضانه تُعانقه بقوة ليشدد هو الآخر في عناق مُلتحم يود كل منهما أختراق جسد الآخر ويتوغل داخله دون ابتعاد وفراق ولكن، كُتب على قصة حُبهم الفراق قبل أن تكتمل وتتوج وتُكلل بالزواج..