"المقدمة " خيطٌ مشدود على حافة الهوية... أيادي مكبلة بأغلال من حديد تسعى دائما للخلاص منما هي عليه الآن. بوجه مُكْفَهِرّ محتقن، تشتعل الدماء بجسده كحمم بركانية تُهدد بالاندلاع؛ يُريد أحراق الأخضر واليابس ؛ يتتوق بلذة الأخذ بالثأر و الإنتقام وفك تلك الخيوط المُنعقدة على عُنقه قد تكاد تخنقه وتزهق بروحه المُعذبة أثر لمحات الماضي القاسية وما تضرعه من ألم وصراخات عذاب تحتاج أجسادهم وهم على حافة الهوية. ماذا هم بفاعلين؟ وما هو المصير المحتوم اللذين يواجهونهُ دون إرادة مُقيدة بأغلال الماضي؟ ❈-❈-❈ الفصل الأول.. "ألمانيا شتاء 1923" ليلا.. دلف شاب يُدعى "ألبرت"متجر المجوهرات الخاص بوالده "أرثر مارتن" وهو شاب في الثالث والعشرون من عمره طويل القامة بجسد متوسط يتميز بعينين براقة كالسماء الصافية والشعر الأسود الناعم المُنسدل على عُنقة ويضع فوق رأسه القبعة التي اعتاد أرتدائها، بوجه نحيل ذا البشرة البيضاء الممزوجة بالحمرة الطفيفة وأنف طويل وفم صغير بشفاه مسحوبه وذقن حليقة. كان يرتدي المعطف الأسود الشتوي ويضع كفه الأيمن داخل جيب المعطف اما بالكف الآخر يمد زراعه ويرفعه لأعلى وهو ممسك بالمظلة التي تحميه من هطول الأمطار. ولج مُسرعًا للمتجر الخاص بوالده ليتفقده بعد عاصفة الأمطار الرعدية التي عصفت بسماءً العاصمة "برلين" ممن جعل "ألبرت" يغلق المتجر الخاص بالتحف الأثرية الخاص به، فقد كان يتولى العمل به بعد أن أنهى دراسته في الجامعة. هتف ألبرت باللغة الألمانية وهو يدلف لداخل المتجر بخطوات واسعة : -مرحبا أبي.. هيا انهض معي لنعود إلى القصر، الطقس الآن لا يُبشر بخير، يجب علينا العودة الآن قبل أن تتوقف حالة المرور وضع والده نضارته الطبية أعلى بترينة المجوهرات الشفافة وأغلق الخازنة الخاصة بالنقود ثم نهض بتثاقل عن مقعده فهو في منتصف العقد السابع من عمره. اقترب منه ألبرت وساعده في أرتداء المعطف الشتوي الخاص به ثم تبطء "أرثر" بذراع ابنه وغادر المتجر سويا بعد أن أغلقه وأوصدة بالاقفال. رفع المظلة لتحجب عنهما الأمطار ثم سار بخطوات بطيئة ليصل إلى سيارته المصفوفة على بعد أمتار ساعد ألبرت والده على الجلوس بالمقعد الأمامي ثم دار حول السيارة ليستقل بمقعده خلف عجلة المقود، يشق طريق هدير الأمطار المنهالة عليهما من كل جانب ويسير بسرعة فائقة بين المارة من السيارات في الوقت الراهن لكي يصل إلى قصر العائلة قبل أن تتكدث العاصمة وتُعلن حالة من الطوارئ فيصعب عليهما العودة إلى منازلهم ويظلون عالقين بالطريق. هكذا كان يفكر به ألبرت أن يصل إلى القصر في فترة زمنية وجيزة. دقت الساعة الثانية عشر عندما ولج بسيارته داخل حديقة القصر الواسعة وصفا السيارة بمكانها المُخصص ثم ترجل من سيارته وهو يشهر المظلة عالية وتوجها إلى حيث والده فتح له باب السيارة ليترجل هو الآخر وأمسك بيده ولجين سويا لداخل القصر. حيث أستقبلهم بعض الخدم منهم من سحب المظلة من ألبرت واخر ينزع له المعطف الشتوي ويجلب له حذاء أخر، والخادم الثالث ينزع عن السيد ارثر المعطف ووضع له الحذاء ثم سحب الحذاء المتسخ وغادر كل منهما لانهاء عمله المُكلف به. أستقبلهم السيدة "ميريت" بقلق وهي تنهض عن مقعدها تتفقد زوجها : -"أرثر" ما هو الوضع بالخارج وكيف حالك عزيزي؟ ربت على كفها برفق وقال بصوت ودود: -انا بخير عزيزتي أما ألبرت فهتف قائلا وهو يطالع والدته : -سوف يتم أعلان حالة الطوارئ بالبلاد، الطقس غير مُستقر ويخشون حدوث فيضان هذا الشتاء قالت السيدة "ميريت" بنبرة حانية: -ندعوا الله أن يمر الامر بسلام دون خسائر، ثم أردفت قائلا ببسمة بشوشة: -أعددت لكم شطائر اللحم الطازج ومشروب النبيذ لكي يساعدكم على التدفئة تقدم منها ألبرت والتقط كفها يطبع على باطنه قُبلةُ رقيقة وقال: -أشتهي تذوق الطعام من يديكِ الجميلتين يا سيدة القصر وسيدة قلبي ضربه أرثر على كتفه وتحدث بغيرة واضحة؛ - عفوا بني... ولكنها زوجتي وسيدة قلبي ورفيقة عمري، كبرنا وشبنا معًا تبسم ألبرت لوالده وأنحنى أمامه في لباقة قائلا: - اعتذر سيدي أرثر سوف أنسحب إلى غرفتي لابدل ثيابي واترك لكم حرية الإفصاح عن مشاعركم الجياشة دون عزول ثم تركهم وسار بخطوات واسعة يصعد الدرج وهو يدندن لحنًا مُميزًا يُفضل دائما الغناء به ويعزفة بانامله على البيانو الخاص به.. عندما ولج لغرفته ونزع عن جسده الثياب المُبتلة، انهمرت الأمطار على شرفة غرفته بكثافة وتراقصت الستائر من شدة الرياح العاصفة، تقدم "ألبرت" بخطوات واسعة ووقف خلف الشرفة يحاول إحكام اغلاقها ثانيًا أثر الرياح التي عصفت بها في ذلك الوقت من الليل. زفر أنفاسه بضيق وحدث نفسه قائلا : -لم أستطع السفر خارج العاصمة لعدة أيام ريثما يعود الطقس لحالته الطبيعية، اخرج تنهيدة عميقة وقال بصوت يملوءه الأمل : -سوف انتظر يومان ثم اذهب إلى تلك البلدة الساحرة التي سحرتني بجمال حضارتها واثارها الفريدة من نوعها، سانتقي التمثال الذي انبهرت بصورته داخل الجريدة، لن اضعه يفلت من بين يدي هذه المرة.. ابدل ثيابه سريعًا ثم غادر غرفته، هبط الدرج وتوجها لغرفة الطعام، جلس بالمقعد المجاور لوالده بينما والده يترئس مقعده بمنتصف الطاولة الكبيرة وعلى الجهة الأخرى تجلس والدته، ثم بدأو في تناول الطعام بهدوء تام. بعدما انتهى "ارثر" طعامه نهض عن مقعده ونظر له قائلا بحبور: -إذا أنهيت طعامك أريد التحدث معك بغرفة المكتب نهض خلفه ولحق به بخطواته الواثقة فهو أيضًا يُريد التحدث مع والده عن امر سفره ولج "ارثر" لداخل وبعدما دلف "ألبرت" لداخل أغلق ارثر الباب وتوجها إلى مكتبه بخطوات بطيئة ثم جلس خلف مكتبه وتطلع لابنه قائلا بصوت مُتعب يبدو عليه الإجهاد : - أجلس ألبرت، وأستمع لي جيدًا بني انصاع لحديث والده وعلم بأنه يُريد أخباره بشيء هام أستطرد والده حديثه وقال بجدية: - أريد, أن أعلمك بكل ما يخص العائلة، فأنت من سيتولى رعايتها، العائلة كبيرة جدًا وستكون أنت وحدك المسئول عن كل شؤنها، لم اثق في شخص غيرك لاترك له ذلك المنصب، انت شاب يافع وذا طموح تُذكرني دائما بشبابي، حكيم وعقلاني رغم صغر سنك وهذا ما سعيت من أجله طوال عمري، أن تكون خليفتي وتأخذ مكاني من بعدي قاطعه ألبرت قائلا: -قدس الله عمرك يا أبي، لماذا تفكر بذلك الأمر الأن؟ تبسم له بخفة وقال بصوت واهن: -لقد تجاوزت السبعون عامًا وأصبحت على مشارف الموت يا بني، لذلك أنصت لما سأخبرك به استمع له جيدًا ريثما أنهى ارثر حديثه وهو يمليه بكل شيء خاص بالعائلة وبعمله الخاص وكيف سيدير عمل والده بجانب عمله أيضًا. ثم اقترح عليه والده أن يدعي العائلة لقصرهم لاعلامهم امر تولي ألبرت مهام كبير العائلة من بعده ولكن أجل ألبرت ذلك الاجتماع العائلي وأخبر والده بأنه يُريد السفر خارج العاصمة وعند العودة سوف يلبي رغبة والده. ❈-❈-❈ "القاهرة صيف 2023"ليلًا لمحات من يوم الحادث "عند عودة سليم" أنهى أسر علاقته ب"نور" وتم الانفصال رسميًا وأرسل لها مستحقاتها وقرر أن يطوي صفحتها ويفكر في حياته مع زوجته ميلانا فقط، يكفي ما مر به من حزن، وعاد يباشر عمله بالشركة مع صديقه سراج ريثما يعود سليم. وفي ذلك الوقت كان سليم أخبرهم بأنه تم شفاءه وأصطحب زوجته لأداء مناسك العمرة ولكن رفض الإفصاح عن ما حدث ب لندن ومازال على وعده لا يريد بأن يفشي سر والده ويفضحه بعد مامته وخلال ساعات سيكون أمام والدته. لم تصدق خديجة فرحتها بأن ابنها تماثل الشفاء وقررت بأن تستقبلهما بحفل بسيط وساعدتها ميلانا في ترتيب ذلك الحفل بحديقة الفيلا ،كما أن تم أخبار عائلة حياة وعائلة سراج لكي يشاركونهم الاحتفال بعودة العروسان وشفاء سليم .. وتم تزين الحديقة خصيصًا بالإضاءة الخافتة وزينت الحديقة باقواس من البالونات الملونة وعلى جانبي الاقواس وضع شريط طويل بالإضاءة المنبعثة باللون الذهبي لتشعل جو من البهجة والسرور. وأكاليل من الورود البيضاء والبنفسج والزهور العطرة الملونة التي طغت رائحتها بالمكان. وتزين الكراسي الموضوعة لاستقبال أفراد العائلة، زينت ميلانا الكراسي بالتل الأبيض وظلت خديجة واقفة على قدم وساق لإنهاء أعباء الاحتفال وبين الحين والآخر تنظر لساعتها تتفقد مرور الوقت في ذلك الوقت أتت عائلة حياة متلهفين لرؤية ابنتهم وات سراج هو الآخر بصحبة والديه وجدته.. بينما على مرم البصر وقف القناص الذي يرتدي ثيابه السوداء ولم يظهر من ملامحه سوا عينيه التي يصوبها بحدة اتجاة ذلك الاحتفال المقام بفيلا سليم السعدني ، وهو على الجهة الأخرى يقف أعلى الفيلا المقابلة لفيلة السعدني ويشهر بندقية القناصة وينتظر قدوم هدفه بعد لحظات كانت السيارة تدلف لداخل الحديقة وترجلا منها سليم مسرعًا وهو محاط بكتف زو جته التي لم تصدق تلك المفاجأة ووجود عائلتها التي ركضت إليهما ترتمي باحضـ ان والدها الذي التقفها بحنانه وطوقها بذراعيه بشوق كبير ، يرؤي عطش اشتياقه لها فلم يراها منذ شهر ولن تتحمل والدتها فراقها أكثر من ذلك فجذبتها من بين ذراعي والدها وضـ متها هي باحضـ انها الدافئة وتهمس لها بجانب أذنها عن مدا اشتياقها لها وأن المنزل لم يعدا مبهجًا بعدما تركته. وسليم أيضا الذي شعر بالسعادة بما فعلته والدته من أجلهم، اقترب منها بخطوات متلهفة يُقـ بل كفيها ثم ضـ مها لصـ دره وهي تشبثت به لم تصدق عينيها بأنها تراه واقفاً على قدميه بعد ما مر به من أعوام شداد وهو قعيد لذاك الكرسي المتحرك . وعندما انضـ م إليه شقيقه، تلاقت أعينهم بلحظات من الصمت أبلغ من الكلام، فقد كانت عينهما تشكي للآخر مدا أشتياقهما وقبل أن تتعانق أجـ سادهم أخرجت طلقة مدوية بالمكان؛ تعرف هدفها وطريقها المحتوم وقد كانت تلك الفاجعة الكبرى .. لحظات فاصلة من الزمن، لحظات تحبس فيها الأنفاس، لحظات قاسية على هتان العيون المتشتة، والهلع الذي أصاب الجميع وهم يرؤن بركة الدماء مُنتشرة حول جسديهما المدد ارضًا . شلت الصدمة حواسهما وأتسعت أعينهم عندما دوت الرصاصة الثانية تعرف طريقها. لتجعل من الصدمة كارثة أصابة العائلة بأكملها بل أصابة كل من حضر الحفل ❈-❈-❈ صوت سرينة الإسعاف تشق الطريق بسرعة فائقة وهي تحمل بداخلها جسدين واحدًا ممدد على ظهره غائب عن وعيه وملابسة مُلتخطة بالدماء، والآخر جسدًا بلا روح كأنه يصارع الموت هو الآخر وهو يتطلع لجسد شقيقه الساكن بلا حراك، تنهمر دموعه دون توقف يقبض على كف شقيقه بقوة رافضًا لاستسلامه ودماء شقيقه مُلتخطة بثيابه من ينظر له يظن بأنه المُصاب وليس صغيره، فهو لم يكن شقيقه الأصغر وحسب وإنما هو طفله الأول ورفيق دربه ولن يتخيل حياته دونه. داخل المشفى حالة من الهرج والتوتر إصابة الجميع بعدما علموا بما حدث لابناء السعدني، كم أن تم أعلان حالة الطوارئ بالمشفى. كأن الزمن توقف بهم عند تلك اللحظة القاسية عليهم عندما دوى صوت أطلاق الأعيرة النارية وتوقف كل شيء حولهم، صدمة أصابت الجميع وصراخات تهز ارجاء المكان ولم يفق من صدماتهم إلا عندما أتت سيارة الإسعاف لتحمل جسد "أسر" الفارق في دمائه المتشبث باحضان شقيقه و"سليم" متمسك به رفض ان يبتعد عن جسد شقيقه وهو من حمله بنفسه داخل عربة الإسعاف لتقلهم إلى المشفى ولم يرف له طرف عين اقسم على الانتقام ولن يدع الأمر يمر مرور الكرام . داخل المشفى التف الجميع حول "سليم" القابع بقلب منفطر أمام غرفة العمليات يترقب بعيون حادة الصقر معرفة ما يدور بالداخل، ود لو كسر الحاجز الذي يمنعه عن رؤية شقيقه ويظل جواره لكي يُطمئنه بانه لن يتركه ثانيًا، قلبه يصرخ عما يرفض لسانه البوح به تبدلت فرحتهم العارمة وحل محلها الحزن والعبوس والقلق، لحظات فاصلة عليهم وهم يترقبون خروج الطبيب ووالدته بحالة يُرثى لها تحاوطها "حياة" و"ميلانا" من كل جانب وزوجة أيضًا تبكي بنحيب غير مُصدقة بما حدث لزوجها حبيبها ورفيق دربها سندها الوحيد فلم يتبقى لها من الدنيا سواه وها هو الآن يُصارع الموت. وقف صديقه "سراج" يربت على كتفه مواسايا له ويقول بصوت جاد: - أن شاء الله "أسر" هيقوم منها انا واثق من كرم ربنا عليه"اسر" عمره ما أذى حد ولا عمل حاجه وحشه في حد وربنا هينجية من اللي هو فيه دلوقتي ذرف سراج الدموع تأثرًا على حالة صديقه ولكن كان عليه أن يواسي شقيق صديقه الأكبر الذي كان مثابة شقيقه هو الآخر ولم يتحمل صموده اكثر من ذلك فانهمرت دموعه وارتمي باحضان "سليم" الذي التقفه بقوة وظل يشدد على ظهره في عناق قوي يشد به ازره. مرت الساعات عليهم كالدهر وسليم لم يستطع التطلع بعيون والدته فليس لديه ما يقوله هو التمسك بمكانه أمام غرفة العمليات وعندما انفتح الباب فجأة وغادر الطبيب الغرفة، دنا من سليم قائلا باسف: -العملية كانت صعبة جدًا والحمد لله مرت بسلام وقدرنا نخرج رصاصة كانت قريبه من القلب الرصاصة التانية اخترقت الرئة اليسرى وضعه دلوقتي حرج للغاية ولكن رحمة ربنا قدرنا نسيطر على النزيف وهو دلوقتي بين أيادي ربنا، هيفضل تحت الملاحظة 48ساعة وبعدين نقيم الحالة والمضعافات لم يسترد وعيه، ادعوله. بتر الطبيب كلماته وغادر المكان وحل الصمت ثانيًا. شعر سليم بالعجز لأول مرة بحياته فلم تكن لديه قدرة على النظر والتطلع بعيون والدته؛ نكس وجهه أرضًا يشعر بالخزي وعاد ذاكرته لقبل خمسة أعوام عندما أنكشفت له الحقائق وحدث الشجار العنيف الذي دار بينه وبين والده وعلى أثره تلاشى كل شيء أمامه واصبحت الرؤية واضحة تمامًا. زفر أنفاسه بضيق وكأنة يختنق لم يعد قادرًا على التنفس وقرر الاختلاء بنفسه داخل غرفة مكتبه بالمشفى، عندما رأته "حياة" على تلك الحالة نهضت من جانب والدته وتريد ان تلحق به ولكن أستوقفها "سليم" بأشارة من يده وقال ببرود: -محتاج أكون لوحدي، بعد اذنك تاخدي بالك من أمي وميلانا هزت حياة رأسها بايماءة طفيفة فهي تشعر بحجم المعاناة الذي يعانيها زوجها الآن، وهو يشعُر بتأنيب الضمير والمُقصر في حق شقيقه لذلك أراد أن يختلي بنفسه يجلدها بالسياط واللوم والعتاب على ما اقترفه في حق عائلته.. ولج "سليم" مكتبه بخطوات متخبطة كأنه يدور داخل دوامة تسحبه للقاع، أغلق الباب خلفه بقوة ونزع رابطة عُنقه ألقاها أرضًا بإهمال، ثم جلس أعلى الاريكة المتواجدة داخل غرفة المكتب ونكس برأسه أرضًا ثم رفع كفيه ووضعهما على خصلات شعره يعيدها للخلف بغضب جامح يخترق صدره وأنفاسه ود لو أخرج ذاك الغضب المكنون داخله لاحرق الكون بأكمله. يكتم غيظه وغضبه يتنفس بصوت متسارع، أنفاس لاهثة مضطربة، يحمل جبلًا من المتاعب على كتفيه، يُريد أن يتحرر من كل تلك القيود المُتسلسلة بجسده يحاوطه أغلال من حديد تشل حركته، يتذكر لمحات من الماضي الأليم الذي بسببه وصل شقيقه لحافة الموت، لا يعلم هل سيتعافى "أسر" منما أصابه وجعله يصارع الموت وهو داخل غيبوبته، يعلم علم اليقين أنه المقصود من محاولة القـ,ـتل وليس صغيره، أكحم نفسه داخل دائرة مُغلقة لم يستطع الخروج منها ولم يقدر على التعايش داخلها، حيرة، غضب، ذنب، ألم وقسوة وعذاب سيظل يلاحقه طوال العمر.. ❈-❈-❈ الفصل الثاني.. بعد أن تحسنت حالة الطقس داخل العاصمة "برلين" ودع "ألبرت" عائلته وتوجهًا إلى ميناء "هامبورج" ليستقل الباخرة المتوجهة إلى ميناء "السويس" القابع في المملكة المصرية ومن هُناك سوف يذهب إلى أرض الكنانة ومهد الحضارة الإسلامية والفرعونية، أرض المحروسة "القاهرة" عندما ولج "ألبرت" الباخرة وخط بقدمية داخلها، سار إلى حيث المقصورة خاصته وضع حقيبته أعلى الفراش الصغير ونزع عن جسده المعطف الشتوي ثم غادر مقصورته متوجهًا صعودًا إلى سطح الباخرة ليستنشق الهواء العليل ويطالع السماء والنجوم اللامعة التي تلتف حول السُحب البيضاء في صورة متناغمة والقمر الساطع الذي يُنير عكمة الليل في ذلك الوقت، فهو يعشق السفر ليلًا يُفضل الهدوء والسكون والتأمل بذهن صاف، رغم الضوضاء المنبعثة حوله من ثرثرة الاناس؛ فجأة أنتشله من حالة تأمله لزرقة المياه القاتمة عزف البيانو الذي يهواه ولكن كان العزف نشازًا منما جعله يشمئز من تلك الضجة المصاحبة مع أحاديث وهمهمات الفتيات وصوت العزف. نزع قبعته وأمسك بها ثم ارتكز بساعدية على سياج الباخرة الخشبيه وما زال يطالعها وهي تُبحر داخل المياه الزرقاء وتتمايل في حركتها المُثقلة صعودًا ونزولا، تشق طريقها وسط ظلمة أمواج البحر الثائرة و النجوم المتلألأة أعلاها في السماء والقمر ينبعث من ضوءه وهج فضي يُنير غسق الليل. لم يعد يتحمل الضجيج فقرر ترك سطح الباخرة والعودة إلى مقصورته لعله يأخذ قسطًا من الراحة. مرت الثلاث ليال على وجود ألبرت في الباخرة بجهد وتكبل، فقد عان بهما كثيرًا بسبب الضوضاء المرتفعة والجلبة التي لا تنتهي، سأم ذلك الوضع، عندما اقتربت الباخرة على ميناء السويس وها هُنا موعد اقترابه للأراضي المصرية وتنفس الصعداء لشعوره بالراحة، وعندما صدح بواق الباخرة من عبورها الميناء تبسم في هدوء واستنشق الهواء البارد الذي الفح وجهه وخصلاته السوداء التي تطاير على اثرها، تداعبه برقة طفل صغير تستقبله والدته بالاحضان وتداعب وجنته الملساء باناملها الرقيقة.. أسرع بخطوات واسعة يدلف داخل المقصورة ثم سحب حقيبته وارتدى المعطف الشتوي وقبعته ثم حمل حقيبته مُغادرًا إياها في تهابي وأستعداد لمغادرة الباخرة.. وبعدما انهي خروجه من الميناء بسلاسه تسأل كيفما يذهب إلى قاهرة المعز، أخبره إحدى العاملين بالميناء باقلاع مركب سوف تُبحر إلى نهر النيل بعد ساعة اذا كان يود الذهاب فعليه دفع الرسوم وأنتظار المركب التي تقله إلى أرض المحروسة.. ❈-❈-❈ جلس ألبرت بمقعده فوق القالب الصغير الخاص بالصيد وبدأ الصياد في التجديف بذراعي الخشبية ولفحت نسمات الهواء العليل وجهه وشعر بالارهاق فلم يغمض له جفن تلك الليالي الماضية مما جعل جسده يشعر بالاسترخاء، نزع قبعته واخفى بها وجهه ثم مدد بجسده وضم المعطف الشتوي على جسده واغمض عيناه ليذهب في ثبات عميق.. غردت العصافير وحلقت الطيور في الأفق وأدلت الشمس أشعتها الذهبية التي تُدفئ مياه نهر النيل وجريان الرياح فتح ألبرت عيناه على جمال وسحر المنظر البديع الطيور التي تتناغم وكانها تعزف سمفونية والأشجار الخضراء التي تقع على ضفاف النيل وسحر ميائه العذبة وجمال ورونق الطبيعة الخلابة التي تجعل من يتطلع لذلك المنظر الساحر كأنه يرا لوحة فنية رُسمت بفن وأبداع وليس إي أبداع أنه من أبداع الخالق. هتف الصيد مُرحبا به وقال بصوت ودود : -مصر نورت يا خواجة طالعه ألبرت ببسمة طفيفة وقال باللغة العربية الفصحى الذي كان يدرسها ويُدقنها جيدًا : - مصر دائما مُنارة بأهلها. التقط حقيبته ولوح بكفه مودعًا ذاك الرجُل وتطلع للمارة حوله يتفقد الاناس في هذا الصباح وعندئذ وقعت عيناه على "عربة حنطور" أشار إلى سائقها الجالس بمقعده ويمسك باللجام ثم ضرب الخيل بالسياط ليتحرك خطوتين للأمام حيث يقف البرت قال ألبرت بلكنة الجيدة: -تسمح لي أن تصلني إلى خان الخليلي فهم الرجُل لحديثه وهبط في خفة عن مقعده ليلتقط الحقيبة من يد ألبرت وهو يقول بلغته العامية البسيطة : -أتفضل يا خواجة، وعاد على مسامعة الترحاب الشديد بوجوده وبعدما استقل الحنطور انطلق الجواد في تهادي وتطرق السائق لعدة أحاديث وكأنه مُرشدًا سياحيًا يخبره عن القاهرة وشعبها وملكها "الملك فؤاد الأول" وللعجيب أنه لن يمل من ثرثرة السائق فقد كان مُستمع جيدًا له ويطلع هنا وهناك بنظرات ثاقبة يشاهد معالم مصر الحبيبة. ألي أن وصل للخان ولم يشعر بالطريق، ترجل من الحنطور وأعطى الرجُل "مارك ألماني" عملته في ذلك الوقت، وسار بخطوات واسعة منبهرًا بجمال خان الخليلي، أحد أحياء القاهرة القديمة، وهو يتمتع بجذب سياحي كبير بالنسبة لزوار القاهرة. يتميز بوجود بازارات ومحلات ومطاعم شعبية. سار "ألبرت" في شارع طويل يوجد به عِمارات مُربعة القوائم تصِل بينها ممرات جانبية تقاطع الشارع الأصليّ، وتزحُم جوانب الممرات والشارع نفسه بـ " الدكاكين"؛ فدُكان للساعاتي وخطاط وأخر أسكافي الاحذية المصنوعة من الجلد الطبيعي، ورابع للسجاد وخامس للتُحف وهكذا. بينما يقع هُنا وهناك مقاهي لا يزيد حجم الواحدة منها عن حجم (الدُكان) الصغير، وقدّ جلسَ الصنَّاع أمام الدكاكين يكبون على فنونهم في صبر. ويحيط الخان بفناء يُشبه الوكالة، فيما تضُم الطبقة الوسطى منهُ المحلات، أما الطبقات العليا فتحتضِن المخازن والمساكن العتيقة. وتتصدر الخان "مقهى الفيشاوي" التي تستطيع أن تحتسي الشاي والقهوة ، وتثرثر في أي شيء كيفما شئت، قبل أن تبدأ الجولة في الحي العتيق وليس هناك ماهو أمتع من التجوال سيراً على الأقدام داخل أزقة وحواري تحتاج إلى عبقرية في فك ألغازها، وإلى حاسة سادسة لمعرفة طلاسمها، فالأزقة متراصة كحبات عقد، متداخلة كقوس قزح متعدد الألوان، ولايعرف أحد حتى الآن الفلسفة المعمارية التي بني على أساسها خان الخليلي، فالأرض مبلطة بحجر بازلتي أسود لامع، والسوق مسقوف بخشب تحدى الزمن وعوامل التعرية، والشمس تتسلل إلى حوانيت عديدة تشكل مع بعضها سراديب مليئة بالكنوز والتحف النادرة، والمصنوعة بمهار وإذا بدأت الرحلة في الخان فلابد وأن تلقي نظرة على ماتبقى من (مشربيات) مطلة على الشارع أو الحارة، وأسبلة جميلة مشغولة واجهاتها بالنحاس وفيها أحواض الماء التي كانت تروي العطشان وعابر السبيل. والمقاعد الخشبية التي رصها أصحاب المقاهي لجذب الرواد، وبمجرد أن تدخل الشارع يتناهى إلى الأسماع عبارات الترحيب المصرية خفيفة الظل، وكلمات أولاد البلد المرحبة تدعو الزائرات والزائرين للفرجة، «واللي مايشتري يتفرج». ولو دخلت أحد الحوانيت فإن البائع يستقبلك بعبارة «مصر نورت» ويرد الزائر الذي له خبرة بعالم القاهرة السحري ومفرداتها اللغوية «مصر منوره بأهلها»، ويبدأ في عرض ما لديه من بضائع، لاتفارقه ابتسامته، وكلماته المتدفقة حول جودة بضاعته، وأنها صنعت خصيصاً لعشاق الفن اليدوي. وتجار الخان خبراء في فن البيع، ورثوا التجارة والشطارة عن الأجداد، وهم يعرضون الأصيل والمزيف من البضائع، ولهم ولع عجيب بالمساومة، كما يتسمون بصبر وجلد على إقناع الزبون.. كرنفال الزائرات والزائرين لحي خان الخليلي يتداخل مع ملابس مزركشة رصها أصحاب الحوانيت"الدكاكين" كنوع من العرض والإغراء والجذب على واجهة المحلات، وتتدلى مئات وربما آلاف (المسابح) داخل فترينات العرض، أو في أيدى صبية صغار يعرضون أنواعاً شتى من المسابح، بعضها مصنوع من بذر الزيتون والبلاستيك وتسمى (نور الصباح)، وبعضها الآخر ينتمي لفصيلة الفيروز والمرجان والكهرمان واليسر، ومنها مايصنع من خشب الصندل، ويقول أحد الصناع المهرة إن المسبحة تصنع على آلة يدوية صغيرة ودقيقة اسمها (المخرطة). وفي خان الخليلي تحرص النساء من كل الجنسيات على شراء (العقد) الذي تتدلى منه (عين حورس)، وتصنع العقود من خامات شتى، وما على الزبون إلا تحديد طلبه وفق إمكاناته المالية، وهنا يخرج له البائع (تحفة فنية) ربما مر على صناعتها مئات السنين، وأهم مايلفت النظر في مشغولات خان الخليلي هو دقة الصناعة اليدوية، هناك محلات تعرض قلادة أو أسورة عليها نقوشات ومنمنمات قضى في نقشها صانع ماهر أياماً وربما شهور. والذهب هو الذهب مهما مر الزمان أو تغيرت الأوطان، والسياح الأجانب يحرصون على شراء المشغولات الفضية، لكن السياح العرب يحبون الذهب، وقد زحفت محلات من شارع الصاغة الشهير إلى خان الخليلي بحثاً عن (زبون) رفيع الذوق، يقدر ما بين يديه من نفائس كلما سار خطوة داخل الخان تتسع عيني أنبهارًا وسحرًا من منظره العريق وجماله الأخذ للعيون، وجد مقهى قرر أن يستريح على أحدى مقاعدها الخشبية ووضع حقيبته لياتي شخصًا من خلفه يلتقط الحقيبة ويفر هاربًا ركضًا بسرعة كبيرة، نهض مصدومًا من مجلسه وراءه بعض المتواجدين بالمقهى فلحق بذلك الشاب وحاصره من الجهة الأخرى شابًا أخر وأمسك به ولكن فلت من بين يديه، عاد الشاب يحمل الحقيبة بيده ويضعها أمام ألبرت قائلا: -ماتخفش يا خواجة قدرت ألحقه تبسم له ألبرت وشكره بأمتنان اقترب منه الرجُل الثاني وجلس على نفس الطاولة التي يجلس عليها ألبرت وقال هامسًا بودية: - نورت مصر يا خواجة مد يده يصافحه وقال بلباقة: -ألبرت أرثر صافحه الآخر بمحبة وقال: -عبدالله السعدني، ثم أشار بكف يده لمحل سكنه ودكانه الذي يبتاع به السلع الغذائية، وأخبره أيضا بأنه يمتلك شقة في الطابق الأرضي فارغة أذا أراد أن يستأجرها تلك المدة التي سيقضيها بالمحروسة، واستحسنت الفكرة ألبرت وشكره بأمتنان على مساعدته وأصطحبه "عبدالله" وسار جانبه يأخذه المسكن خاصته ويعطيه الشقه ولم يعترض ألبرت الأمر وجدها فرصة مناسبة للقضاء أكثر فترة مُمكنة داخل الخان ريثما ينهي العمل الذي جاء من أجله.. ❈-❈-❈ داخل المقهى.. الاناس المتواجدين على مقاعدهم الخشبية كل منها سارح في ملكوته؛ منهم من يحتشي الشاي وبعضهم يلعبون الدومنة وأخرين يلعبون الشطرنج، أما على الجانب الاخر يجلس مجموعة من الشباب المُثقف مرتدين حلتهم ويضعون الطربوش الأحمر أعلى رؤسهم في مرحلة البكالوريا وشاب منهم يمسك بالجريدة يتحدث عن أخبار الملك فؤاد الأول وحاشيته وانه سوف يُقام حفل في قصر عابدين بسبب عيد مولد ولي العهد الامير فاروق الأول. والمذايع يصدح داخل المقهى على نغمات المحطة الإذاعة بصوت المطرب "محمد عبدالوهاب" .. وفي هذا الاثناء جاءت أحداهما تتبخطر في خطواتها بملابسها المزركشه الكاشفة عن ذراعيها وتضع الملاءة اللف السوداء لتواري جسدها الغض وكلما تحركت كشفت عن ساقيها الجميلتين المرمريتين ملفوفة القوام، مرتدي شبشب بكعب عالي باللون الأسود وعليه من كل جانب وردة؛ والخلخال يرن ويصدح صوته كلما سارت خطوة، مما جعل العيون تترصد لها وتطالعها بشهوة ورغبة في ألتهامها. هتف شابًا ينفث في دخان شيشته "الارجلة" وهو جالسًا على المقعد الخشبي داخل المقهى: - مافيش نهارك سعيد ولا انا هواء يا ست الحُسن والجمال دارت وجهها ثم رمقته بنظرة شامخة وقالت بلامبالاة وهي تلوي ثغرها الرقيق أسفل اليشمك التي تضعه على وجهها :يا سم عاد يهتف ببسمة طفيفة وهو يهندم من شاربه الرفيع : - أموت أنا في الثمنة البلدي اكملت خطواتها المتهادئة لتصل إلى صانع النحاس، وقالت بصوت هادئ: -نهارك سعيد يا معلم رفع الرجُل أنظاره عن عمله الذي كان يدقنه بصبر وتفاني ورد باسمًا؛ - نهارك سعيد يا ست الكل، أومريني -ما يؤمرش عليك عدو ، خلصت الصينية النحاس اللي قولتلك عليها -من بدري يا ست الكل أخرجت دلاية النقود من داخل صدرها وهي تقول : - وهتاخد عليها كام بقى يا معلم -مليمين "النقود" في تلك الفترة وضعت بكفه مليمًا واحدًا وقالت بفصال: -هو مليم واحد مافيش غيرة تبسم لها في ود ثم قربه من شفتاه يقبله وهو يقول : -من يد ما نعدمها يا ست الكل، و عبقال المرة الجاية.. عادت تسير في هوداء لتطالع فتوة الخان "شاب اسمراني بجسد ضخم البنية وعريض المنكبين يرتدي جلباب بنية ويحمل النبوة بيدة ويلف العمامة السوداء أعلى رأسه، بعيون حادة كالصقر نظر خلسة لمن يتطلع لمحبوبته، ملكيته الخاصة فمن يجرؤ على النظر إليها والجميع في حي الخان يعلم بأنها تخصه وحده، رفع النبوة وأسقطه بكل قوته أعلى الطاولة التي يجلس عليها الشاب الذي يتغزل معشوقته ويتفرس ملامحها بنظراته وهتف بصوت أجش : -عيونك دول هخرجهم في أيدك المرة الجاية لو رفعت عينك على ستك وتاج رأسك أبتلع ريقه بتوتر ووقف يرتجف أمامه قال معتذرًا يخشى غضب الفتوة "سلطان" وساقية كادت أن تلتصق ببعضهما أثر خوفه وتخبطة وجاهد في أخراج صوته ثم قال هامسًا بهلع: -أمرك يا معلم لكمه "سلطان" لكمة قوية أطرحته أرضًا وقال وهو يحمل نبوته ويغادر المقهى: -قرصة ودن لامثالك العرة ثم قبض بقوة على رسغها وسار بخطوات غاضبة يجرها جرًا خلفه وهو يقول بصوت غليظ : -كلامي يتسمع يا "سمارة" مفيش خروج من مطرحك وكل طلباتك هتكون عندك ضحكت له بدلع وقالت بهيام: -أمرك يا فتوة قلبي ❈-❈-❈ عودة إلى المشفى ولا زال "سليم" شاردًا بأفكاره يتذكر جيدًا الشجار الذي أندلع بينه هو ووالده عندما أنكشف أمر عمله داخل المافيا العالمية لتجارة الأسلحة والأعضاء البشرية ويضع بعض من أمواله ببنوك أخرى خارج البلاد ويدخل أمواله في غسيل الأموال بسبب أعماله المشبوهة وكما أنه حاول إقناعه بأنه يفعل الصواب داخل مشفاه، فبعض رجال الدولة والاعمال منهم بحالة مرضية حرجة وبحاجة لزرع كبد وأخر كليه وثالث لزراعة قلب ويستغلون الموتة مجهولين الهوية في ذلك لكي لا يثيرون الشبهات حولهم. تذكر غضبه وثورته التي قامت ولم تقعد وغادر شركة والده وعلى أثر أنفعاله وغضبه جاءت سيارة مُسرعة أصطدمت به وقلبت له سيارته رأسًا على عقب ونجى من هذه الحادث المروع بأعجوبة وأثناء وجوده بالمشفى وبعدما فاق من غيبوبته تصنع هو بأنه لم يعد يحرك قدميه لكي يُعطي والده درسًا لن يُنسى ويُحمله ذلك الذنب، يعلم بأنه هو شقيقه نقطة ضعفه وكان يود أن يترك عمله داخل المافيا ويعود كما كان وبالفعل وعده "توفيق" بذلك.. تنهد "سليم" بعمق وتذكر مُقدم الشرطة الذي أتى لزيارته داخل المشفى وأعلمه بخبر أغتيال والده بطلق ناري ولم يُعلم أحد بذلك الخبر المشئوم الذي هبط عليه كالصاعقة. وأسترسل المُقدم قائلا بأنه يريد منه أن يدخل هو مكان والده بعالم المافيا لينكشف جميعهم ويعاقبون على كل ما أقترفوه من أخطاء وحان وقت المُحاسبة لذلك وعده سليم بأن يفعل ما يأمره به ولكن يخفي سبب وفاة والدته ولم يُعلم أحدًا أنه يعمل مع المافيا وقُتـ,ـل على يديهم الملوثة ووعده المُقدم بأخفاء سر والده والحافظ عليه. أنتشله من شروده طرقات متتالية على باب الغرفة تلح بالدخول وصوت رخيم يستأذن بالدلوف : -سليم باشا ممكن أدخل، أنا المقدم "حازم الجيار" طالع سليم باب الغرفة المُغلقة بتسمر لا يعرف كيف أتى به في ذلك الوقت العصيب وما هي خطته القادمة ولكن كل ما يعلمه علم اليقين أنه يُريد الانتقام ولن يقبل بتدخل أي كأن في ذلك فكل ما تعرض له شقيقه يتحمل ذنبه ويدركه جيدًا ولن يتهاون فيما فعل به ذاك ولو كلفه الأمر حياته لن يخضع ولن يستسلم ويجلس ينتظر تدخل الشرطة بالأمر فمنذ تلك اللحظة أصبحت مسئلة حياة أو موت ولن يقبل بالهزيمة يكفي ما حدث. هتف بصوت أشج يسمح له بالدخول وحاول ان يظهر بثبات لكي لا يشك بأمره.. ❈-❈-❈ بينما في قارة أوروبا تحديدا في الولايات المتحدة الأمريكية "نيويورك" قصر الكابو "الزعيم" كان داخل قصره العريق ذا افخم الطراز ولكنه يشطاط غيظًا بسبب فشل عمليته الأخيرة والأمور التي لم يعقب لها حسابًا فقد خسر الكثير من رجاله منهم من قُـ,ـتل على يد الشرطة الفيدرالية وأخرين تم الزج بهم داخل السجون. دلف مكتبة بخطواته غاضبة وجلس خلف مكتبه ثم دار بالمقعد عدة مرات وتوقف فجأة يسكب مشروبه من الكحول داخل كأسه ثم تجرعة مرة واحدة وعاد يعود الكورة ثانيًا وثالثًا بنظرات غامضة ثاقبة حادة وعيون براقة، وهج من الغضب واللهيب المُستعر، نظرات جامحه تطلع للفراغ بغموض قاسي وجسد مُتصلبًا. استمع لطرقات متوترة تقرع باب مكتبه بتردد علم من صاحبها ودون ان ينبس بكلمة وأعطى القادم ظهره بعدما أشعل غيلونته البنية وسكب مشروبه. دلف الشاب بخطوات مضطربة وجسده يرتجف وهو يطالع جسد الزعيم الضخم الذي يظهر جالسًا على المقعد الوثير خلف مكتبه ويعطي ظهره للشاب الذي يقف مذعورًا رغم عمله گ قناص مُحترف إلا أنه يرتجف خوفًا من بطش الزعيم بسبب ما فعله من خطأ وجيم، لن يصفح عنه زعيمه، فقد كلفه بمهمة لم ينجزها على أكمل وجه. ولم يظهر منه إلا جسده العريض وقبعته السوداء التي يرتديها أعلى رأسه. قال بصوت جشي بعد أن نفث اللفافة المُشتعلة بين أطراف أنامله يعبئ رئته من دخانها الحارق وباليد الأخرى يمسك بكأس المشروب ثم قال بلكنته الإنكليزية : -هل أنهيت مُهمتك بـ مصر؟ أبتلع الشاب ريقه بتوتر وقال بصوت مُهتز أثر رجفته: -أعتذر يا فاخمة الزعيم فقد أرتجفت أناملي وأخطئت التصويب بالهدف، أرجوك أن تصفح لي خطئي هذه المرة وأعدك لن أفعلها ثانيًا. عاد ينفث دخان سيجارته بتلذذ وبرود ثم قال أمرًا: - لن أقبل الصفح، عاقب نفسك العقاب الذي يليق بك لاح أمام اعينه طيف زوجته وطفلته الصغيرة ثم زرفت عينيه بالدموع الساخنة وأخرج من جيب بنطاله الخلفي سلاحه، صوبه على جبينه بعدئذ أغمض مقلتيه بقوة، ثم ضغط الزناد لتخرج طلقة مدوية تعرف طريقها وتطرحه أرضا في الوقت والحال وأنسابت الدماء حوله ولم يرف لذلك القابع خلف مكتبه طرفة عين بلا أبتسم بنشوة وتلذذ على ما فعله القناص بيده وهمس يحدث نفسه: - هذا هو الانتصار الحقيقي؛ أن تجعل من أخطأ يُعقاب نفسه بالطريقة التي وضعتها أنت. ثم دار بمقعده عدة مرات متتالية وهو يكركر ضاحكًا ويتوعد بأن القادم سيكون جحيم وهو لن يرحم أحد... ❈-❈-❈ الفصل الثالث. أستيقظت "نور" من نومها المُتقطع بسبب الكوابيس التي تُهاجمها منذ أن فقدت جنينها ورحمها والحالة الحرجة التي دخلت بها، واحتاج جسدها وعقلها الشارد حالة من الاكتئاب الشديد؛ سامت كل شيء حولها. اتت إليها الخادمة تُقظها وتزف لها الخبر الذي انتشر بجميع الصحف النشرات الإخبارية عن تعرض رجل الأعمال "سليم السعدني" وعائلته لاطلاق الاعيرة النارية مساء الأمس بينما هم يحتفلون بعودته سالمًا مُتعافى من عمليته الأخيرة ليعود سيرا على الأقدام. طرقت باب غرفتها ودلفت لتتفاجئ بها مُستيقظة ولكنها تنظر للفراغ بشرود، أشفقت على حالتها تلك تنهدت بأسى ثم اقتربت منها بخطوات متهادئة وجلست بجوارها على طرف الفراش تربت على كتفها بحنان قائلة: -مالك يا بنتي؟ الكوابيس بردو اللي مطيرة النوم من عينيك نظرت لها دون أن تنبس بكلمة زفرت الخادمة أنفاسها ثم هتفت بتردد: -في خبر كده مش عارفه هيفرق معاكي ولا ايه؟ بس لازم تعرفيه ده مهما كان في بينكم عيش وملح طالعتها نور بعدم فهم لتبتر الخادمةكلماتها جرعة واحده وتنقل لها ما سمعته وقراءته، انتفضت نور بذعر وهبت واقفة تحاول استجماع شتاتها وبحثت بتوتر عن ملابس ترتديها مُسرعة لتغادر الفيلا في عجالة تستقل سيارتها متوجهة إلى المشفى لتتفقد وضعهما فهي لا تعلم من المُصاب زوجها السابق أم شقيقه وحبها الأول.. ❈-❈-❈ داخل المشفى.. حالة من الصدمة ألجمت لسانها عندما وقعت عينيها على وجود "نور" طليقة زوجها استقامت "ميلانا" واقفة وسار بخطوات واسعة وعينيها تُهدد عن اندلاع النيران، لحقت بها خديجة تنظر حيث وقعت أنظار ميلانا وما دفعها للسير بتلك الطريقة اما عن حياة وقفت تُشاهد المشهد بعدم فهم وتذكرت الفتاة التي رأتها مرة واحدة بيوم عُرسها وعلمت حينها بأن الموقف ذلك لن يمُر مرور الكرام. هاجمتها "ميلانا" بحده وصراخات غاضبة: -شو إلك شُغل هون لتبلشي بألاعيبك دارت نور بمقلتيها بين الوجوه بنظرات تائهة وعندما وقعت عينيها بقدم "سليم" علمت حينها من المُصاب وانخلع قلبها من داخل صدرها الذي يقرع بين ضلوعها كالطبول خوفا وقلقًا على وضع أسر انسابت دمعة خائنة ونظرت لميلانا مستفهمة عن ما حدث لزوجها السابق -أيه اللي حصل لأسر؟ وقف سليم بينهما وابعد ميلانا وهو يجذبها برفق من ساعدها قائلا: - ممكن تقعدي وأنا هتصرف انصاغت ميلانا لاوامره وجلست على أقرب مقعد تراقبهم وهم يتحدثون كانت نظرات الجميع مُسلطة على تلك الدخيلة التي قلبت الأجواء وبدأ التهامس سحبها سليم من رسغها مبتعدًا بها وهو يقول بصوت حاد : -ايه اللي جابك؟ إياكِ تكوني فاكرة أن ناسي كلامك عن الانتقام ودمار عيلتي تبقى غلطانه، أنا كنت ساكت وصابر عليكي بس عشان خاطر أسر، لكن أسر بنفسه طردك من حياته للأبد وهيسترد وعيه وهيكون بخير ومش هتقدرى تشمتي في الوضع الراهن، أنا لسه عامل حساب انك كنتي مرات أخويا لكن وغلاوته يا نور أي تصرف منك غير لايق هتدفعي التمن غالي ولا هبقى على حد قالت بصوت شجي : -سليم انا لا يمكن أاذي أسر مهما حصل، أسر طيب وحنين وماليستهلنيش أنا عارفه هو يستاهل حد زيه بريء، أنا مش محتاجه اهد وازعزع كيان العيله، لم عرفت الخبر قولت لازم اجي اطمن بنفسي عليك انت وأسر قال ببرود: -أسر هيقوم وهيكون أحسن من الاول متشكرين على الزيارة وياريت ما تكررهاش تاني، وجودك غير مرغوب فيه انتي برة حياتنا خلاص. أومت له أيماءة طفيفة وغادر المكان بحزن شديد يكاد أن يصلها لحد الاختناق، لا تعلم ماذا فعلته من ذنب ليكون مصيرها الوحدة والعذاب.. ❈-❈-❈ اما عن سراج فوجد الوضع داخل المشفى لا يُبشر بخير وبالاخص بعد ظهور نور ولذلك قرر ايقال عائلة خطيبته ووقف بجانب "فاروق" يخبره بأن وجودهم بالمشفى الان لن يجدي نفعًا وهو أيضا مريض ولم يتحمل العناء فسيصلهم إلى المنزل ثم يعود ثانيًا لصديقه ويظل جانبه وموافقه فاروق الرأي وودعت حياة عائلتها وعاد تجلس بشرود بجانب "خديجة" التي ضمنها بذراعها وحاوطت ميلانا بذراعها الآخر وقال بصوت مُنكسرًا حزينًا على ما حدث مع ولدها وقالت بعفوية: -معرفش كان مستخبي لينا ده فين؟ اللهم لا اعتراض على حكمتك يا رب، ثم اردفت قائلة بطيبة قلب : -في عز فرحتنا تتحول لكابوس كده، يارب نجي أسر يارب ورده لينا ردًا جميلا يا رب أمنت كل من حياة وميلانا على دعائها بينما أكملت خديجه حديثها بسلاسة وهي تنظر لحياة؛ - اوعي تصدقي كلمة عن سليم، نور دي مجنونة وكانت عاوزة توقع الأخوات في بعضها، بس هقول ايه مسكينة خسرت كل حاجة في لمح البصر، ربنا يعوضها خير وقف سليم في ذلك الوقت أمام والدته وهتف بألحاح يُريد تفسيرًا صريحًا عن ما فعلته نور بغيابه، توترت ميلانا وابعدت أنظارها عن التطلع لسليم أما والدته قالت بتلجلج : -يا بني ده موضوع وخلاص عدا وراح لحاله، هي بس قالت أي كلام لم خسرت الجنين وكمان استئصلت رحمها شهقت حياة بصدمة وأشفقت على نور ولكن أصرار سليم كان أقوى لتسترسل خديجة حديثها تقص عليه ما فعلته نور مع أسر في آخر يوم ألتقت به هُنا داخل المشفى وكل ما مر عليهم بذلك اليوم العصيب.. لم يستعب سليم ما فعلته نور ولكن طالع حياة بنظرات واثقة يعانقها بمقلتيه الدامعة لعله يجد بهما اتهامًا متوجهًا إليه او تفسيزًا لما أتهمة به نور ولكن لم يجد داخل خضرويتها إلا الاحتواء والأمان فهي تصدقه ولن تنتظر منه تبريرًا على ما قيل. تنفس حينها سليم الصعداء ويود الآن أحتضانها بكل ما أوتي من قوة ولكنه تراجع عن ذلك وجال بعقله الخوف من الخطوات القادمة فهو على حافة الهوية الآن ولم يعود لذلك الطريق رجوع، دار وجهه غاضبًا وقرر أن يختلي بشقيقه يرأه ويتحدث معه لعله يُصدقه ويستمد منه القوة فيما هو مُقبل عليه. بعدئذ ارتدا زي المشفى المُعقم وولج لغرفة العناية يتفقد شقيقه المُمدد بجسده أعلى الفراش الأبيض دون حراك وأسلاك الأجهزة الطبية مُحاطة به من كل جانب، دنا منه بخطوات حذره وجلس على ركبتيه بجانب الفراش ثم وضع كفه تلامس بكف صغيره فهو لم يكن له مجرد شقيق وحسب انما هو طفله البكري وصديقة الحنون ورفيقه الصبور على عناده هو وحده الذي يستطيع امتصاص الغضب من داخله عندما يطالعه ببسمته البشوشة القادر على تبديل حاله من العبس إلى السعادة. نكس براسه خجلا وهو يقول بصوت واهن ودموع تنهمر بغزارة دون توقف فهو بحاجة للبكاء والصراخ، داخله حمم بركانية يُجاهدًا في التحامل والتغاضي عن كل شيء واي شيء من أجل رؤية عيناه تطالعه بحب كما كان، تمنى لو كانت الرصاصة تُصيبه هو وليس شقيقه الساكن لا حولة له ولا قوة. خرج صوته مُعتذرًا وكأنه يجلد نفسه بالسياط على ذنب لم يفعله وجريمة لم يقترفها وكل ما قالته نور ليس إلا مجرد وهمًا ونار أرادت أن تحرق العائلة بها ولكنه يتوعد بأن النيران ستحرقها هي أولا، ولكنه شاردًا بما هو أخطر من ذلك وهو كيفية التعامل مع المافيا وكيف سيُسدد لهم ضربته القادمة ردًا على فعلتهم الحمقاء في حق شقيقه ودنا من أذنه يقص عليه ما وضعه أمام أعينه في وضع خطة مُحكمة ستجعله ينتقم منهما أشد الانتقام وكل من له يد بما حدث سينال عقابه الذي يستحقه. ثم أستقام واقفًا مودعا شقيقه بقبلة حانية بمنتصف جبينه وغادر غرفة الرعاية بخطوات واسعة بعدما نجح في أخفاء دموعه وعودة الجمود على محياه ثانيًا.. ❈-❈-❈ "خان الخليلي" بعدما ذهب "ألبرت" مع الرجل الوقور الذي يسكنه منزله وتركه يستريح فهو يبدو عليه الإرهاق، صعد عبدالله درج السلم ليصل حيث شقته التي بطابق الثاني، دس المفتاح في المزلاج وولج لداخل صائحًا لزوجته عقيلة أن تترك ما تفعله بالمطبخ وتاتي إليه في حال اتاها صوت زوجها الجمهوري وهو يُنادي بأسمها فتركت طشة الملكوية وأغلقت الابور ثم سارت بخطواتها السريعة تجيبه بودية : -انت شرفت يا معلم -تعالي اقعدي يا عقيلة أسمعي اللي هقولك عليه وتنفذية بالحرف -من العين دي قبل العين دي، أومرني يا معلم -المطرح اللي تحت أنا أجرته لخواجة ألماني جاي البلد في زيارة لوت شفتيها في غيظ وقالت: -وهي البلد ناقصه كمان ألمان قال عبدالله بأمل: - سعد باشا زغلول لا يمكن يسكت وكفاية ثورة 19 ومش هتكون أخر ثورة تعملها المصرين تنهدت بحزن ثم قالت : -والمطلوب يا معلم -نكرم الضيف يا عقيلة أحنا ولاد بلد ونفهم في الأصول -حاضر يا معلم، هخلص طشة الملوخية وهبعت له الاكل مع بنتك دار وجهه داخل المنزل بحثا عنها ثم قال: -ألا هي فين "زمردة" مش شايفها؟ -هتكون فين غير في أوضتها بتقيس التوب الجديد اللي جابته من عند الخياطة" تريز " عادت عقيلة المطبخ لإكمال طبختها بينما غادر عبدالله المنزل بأكمله ليقف في دُكان البقالة خاصته وبعدئذ انهت اعداد الطعام وضع الصينية النحاسي المدورة وسكبت صحن من الملوكية بجانبه وضعت صحن اخر من الباذنجان المخلل وصحن به حبتين من البنادورة ورغفين من الخبز الطازج التي أعددته هي بنفسها، ثم هتفت منادية لابنتها لكي تأتي إليها مهرولة في ثوبها الجديد الذي ينسدل على جسدها الصغير بنعومة والابتسامة تعلو ثغرها وهي تصيح وتدور حول نفسها أمام والدتها قائلة: -أيه رأيك يا نينه حلو مش كده طالعتها والدتها بنظرات فاحصة ثم قالت: -ماسك يا زمردة على جسمك رفعت كفيها تلامس خصرها وتهبط بهما باعجاب على قوامها وهي تقول بغنج: - لا ده جميل أوي كدة يا نينه، قوليلي بتنادي عليه ليه تنهدت في أستسلام وقالت : -تاخدي صينية الاكل دي تنزليها تحت المطرح سكن بخواجة ألماني، خبطي عليه ياخد الاكل وتعودي طوالي بلاش لكاعة أزدادت أشراقًا واتسعت أبتسامتها ثم سحبت خصلة من شعرها الأسود اللامع لتجعلها تتطاير على وجنتها ثم امسكت بالصينية بين كفيها وسارت بخطوات متهادئة ونظرات براقه تريد أن ترا هذا الشخص الأجنبي الذي سكن منزلهم، لم تستطع طرق الباب بكفيها وقفت لحظات أمام باب الشقة ثم اتتها فكرتها بأن تطرق الباب بقدمها منما جعلتها ترفع ساقها اليمنى وتميل بها للأمام تقرع باب الشقة مرتين متتاليتين. كان ألبرت يضع ثيابه داخل خزانة الملابس في ذلك الوقت وعندما استرق السمع لدقات أعلى باب الشقه، ترك ما كان يفعله وذهب لفتح الباب، ليتفاجئ بفتاة شابه جميلة في مُقتبل العمر، طالعها بدهشة لتدلف ذات الغمازتين وساحرتيها السوداء التي تطالعه من رأسه إلى اخمص قدمه وابتسامة رقيقة تُزين ثغرها المنتكز كحبات الكريز، قالت بصوت رقيق : -سعيدة يا خواجة، انا زمردة تبسم لها بود وردد قائلا: -صباحك سعيد زمردة، أنا ألبرت أشار بعينيها لكي يبتعد من طريقها وتدلف لداخل وهي حاملة لصنية الطعام، افسح لها وجدها تضعها أعلى الطاولة الصغيرة وهي تقول: -نينه باعته ليك الأكل ومنبهة عليا ولو احتاجت أي حاجة اطلع اطلبها دوغري اشتم رائحة الطعام الشهية وجلس بالمقعد حول الطاوله وجلست هي الأخرى تخبره بما طهته والدتها؛ -دي ملوخية دوقها هتعجبك كتير احتار كيف يتناولها دون ملعقة فقد ظن بأنها حساء ولكن وجد زمردة تقضم قطعة خبز وتضعها بين أطراف اصابعها ثم غمستها بالصحن وهي تقول بتلذذ الطعم وتلوك الطعام داخل فمها: -الملوخية بتتاكل هم كدة يا خواجه، يلا امسك وكل أعطته الخبز ليفعل مثلما تفعل هي وهو يشاركها الابتسامة والمرح على حديث وعفوية تلك الساحرة الصغيرة التي اقتحمت منزله فجأة، وتبادل بينهما أطراف الحديث منما جعل زمردة منبهرة بهذا الشاب الوسيم المُثقف وكان لديها ميول للتعلم كل أمور الحياة بخارج مصر ورسمت أحلامًا وردية تتمنى الزواج من ذلك الشاب الألماني وتُسافر معه لترا بلدة أخرى وتعيش حياة غير التي أعتادت عليها. ❈-❈-❈ توالت الايام على وجود ألبرت داخل أرض المحروسة وتوطدت علاقته بـ زمردة التي نشبت بينهما أعجابًا من كلاهما وهي من جعلته يتفتل بشوارع القاهرة وكان ممنونًا لها ما تفعله من أجله فقد كانت تغادر منزلها خلسة دون علم والديها بأنها تتفتل مع ذاك الشاب الألماني الذي خطف قلبها منذ أن وقعت سوداويتها على بحور عينيه السماوية البراقة التي تشع بالحب والألفة. وعلم في ذلك الحين موعد المزاد العلني لبيع قطعة الآثار الفرعونية النادرة والتي جاء من بلدته من أجل اقتناءها، دع زمردة بأن تذهب معه ولكنها رفضت بسبب الازدحام في ذلك المكان العلني وقررت انتظاره في شرفة غرفتها تنتظر عودته وهي تتطلع للمارة هنا وهناك داخل الخان.. حصل ألبرت بالاخير على هدفه الذي جاء من أوربا لأجله وعاد إلى مسكنه بفرحة عارمة، اما عنها فعندما رأته يسير داخل الحارة ركضت مُسرعة تغادر غرفتها ثم سارت بخطوات بطيئة لكي لا تمسك بها والدتها وغادرت المنزل بأكمله تهبط درجات السلم ركضًا وتطرق باب شقته ليفتح لها ويلتقفها في أحضانه يبث لها فرحته اقتناء التمثال ودار بها داخل الشقة مثل الرياح المُتطايرة بخفة وتداعبهما وتتخبط بهما في لطف، ثم انزلها برفق وهو يقول بلكنة المصرية : - منون لكِ زمردة على كل ما فعلتيه من أجلي، حصلت على التماثل ووجب عليا العودة إلى برلين انتابها حالة من الحزن تقلصت ملامح وجهها وكادت ان تبكي فقد حان عليهم موعد الفراق، شعر هو بحزنها، امسك ذراعيها وجعلها تنظر له ليقول لها بصدق مشاعر: -أسعد لحظات عمري قضيتها هنا بالخان برفقتك يا صغيرة ردت بضجر: صغيرة تبسم في حب وعاد يكمل حديثه: -أجل صغيرة سحرت قلبي وانتشلتني لعالم أخر مليئ بالسعادة والبهجة، قضيت أجمل أيام بصحبتك وتعلقت بكِ حد الجنون، ولكني أعتذر منكِ يجب أن اودعك وأعدك بأن أتى ثانيا في القريب العاجل فلن استطيع الأبعاد عنك، وأطلب منكِ الانتظار همست بحزن : -مكتوب علينا الفراق احتضن وجنتيها بكفيه وقرب وجهها من وجه ثم مال بشفتيه يُقبلها بنهم شديد وبعد لحظات ابتعد عنها لتسترد انفاسها ووضعت وجهها ارضًا بخجل، تبسم هو وقال : - بأحبك يا زمردتي الصغيرة الفاتنة الحبابة التي سرقت لُب قلبي بنقاءك وعفويتكِ يا أجمل فتاة راتها عيناي ارتمت هي تلك المرة داخل أحضانه تُعانقه بقوة ليشدد هو الآخر في عناق مُلتحم يود كل منهما أختراق جسد الآخر ويتوغل داخله دون ابتعاد وفراق ولكن، كُتب على قصة حُبهم الفراق قبل أن تكتمل وتتوج وتُكلل بالزواج.. الفصل الرابع.. مرت ثلاث ليالي على وجود ألبرت على متن الباخرة العائدة إلى برلين وهو سعيدًا بتلك الايام الماضية التي قضاها برفقة "زمردة" داخل شوارع المحروسة، كانت البسمة تنير وجهه وهو يتذكر الفتاة الجميلة التي سرقت لُب قلبه بعفويتها وخفة دمها وجمال ملامحها الشرقية الفاتنة، فقد كانت قصيرة القامة ذا جسد ممشوق ابيض بعيون سوداء كسواد الليل وشعر طويل كاحل يتعدا نصف ظهرها كلما نظر للسماء الهادئة بسحبها البيضاء راء وجه محبوبته كالنجمة اللامعة بين النجوم، قمرًا منيرًا عكمة السماء مثلما أنارة ظلمة قلبه وسكنته بعدما كان خالي القلب. لم يشعر بملل تلك الأيام فقد كان دائما الانشغال بما راء بمصر وطيبة شعبها وودهم الذي لاقاه بينهم والألفة والمحبة التي توجد بين الاناس والجدعنة والشهامة الذي وجدها من والدي زمردة. والان عاد إلى موطنه وهو على وعده بأن تنتظره؛ سوف يلتقي بها ثانيًا ويعود إليها كما حلموا سويا، فقد نشبت بينهما قصة حُب يُريد تكليلها بالزواج. عندئذ وقفت الباخرة في ميناء "هامبورج" واستل ألبرت حقيبته ووضعت قبعة رأسه ثم ترجل من الباخرة ومنها غادر الميناء بأكمله ليجد سيارة تقله إلى قصره. وفي غضون دقائق كان يعطي السائق نقوده لكي ينصرف وهو أكمل خطواته للولج لداخل حديقة القصر، وجد الظلام يعم بالحديقة وكل شيء حوله مُظلم تمامًا، سار بخطوات أوسع وهو يتلفت حوله في دهشة لما القصر مُعكم بالظلام الدامس. عندما وصلا لباب القصر تفاجئ به مفتوحًا على مصرعيه وهذا ما جعله ينتاب قلقًا وخطواته تبطئت فجاءة عندما صرخ مناديا للخدم ولم يُجيبه أحد والرؤية مُنعدمة، تحسس زر الإضاءة وفتحه ليجد القصر من الداخل منقلبًا رأسًا على عقب وسار بذعر مناديا والده ووالدته لتتعركل قدمة بجسد مُمدد أرضًا غارقًا في دمائه شهق بصدمه وانحني يتفقد جسد من ذلك ليجد إحدى الخدم وعلى بعد مترًا وجد الشاب الآخر وقف بصدمة يجول بعينيه في أرجاء القصر ليجد هُنا وهُناك كل من كان يعمل بالقصر لاق حتفه، ركض بهلع يصرخ بأسم والده : -أبي... أمي ... أين أنتم فتح باب المكتب الخاص بوالده ليجد جثمان والده مغمض العينين وجالسًا على مقعده خلف مكتبه والدماء تسيل من صدره بغزاره وجسد والدته ملقي أرضًا بجانب المكتب مسجية على وجهها وبركة من الدماء حولها، فاق من صدمته وركض إلى حيث والدته جسى جوارهاوالتقط جسدها بين ذراعيه يتفقد نبضها وأنفاسها وهو يصرخ هلعًا وفزعًا ورعبًا عليها ولكن دون جدوى فقد فارقت روحها الحياة، وضعها برفق وتوجهًا بقلب مُنفطر لوالده يتحسس صدره الغارق بالدماء ولكن قد تأخر الوقت وصعدت روحه إلى بارئها. خارت قواه وسقط أرضًا فقد تجمدت اوصاله وظلت عيناه البراقة تطالع أجسادهم الساكنة بحزن عميق وعدم تصديق وتسألات كثيره داخله ماذا حدث لهما في غيابه؟ ومن فعلها؟ من تجرأ على قتـ,ـل عائلته من؟ خرج صوته غاضبًا داخله نيران مشتعلة تود حرق العالم أجمع، يُريد القضاء على كل شيء حوله، لن يتهاون في حقهما. فاق على صوت ضابط الشرطة الذي يقدم له العزاء ويهتف بأسف: - لروحهم السلام طالعه ألبرت بعيون مُغرقة تهطل الدموع منها بغزاره وحدقتيه تعانق جسد والدته التي بين يديه يضمها لصدره ويرفض أبتعادها عاد الضابط قائلا بحبور: -لقد تلقينا عن أطلاق الاعيرة النارية من أحدى الجيران بالمنطقة ووجود أناس مُلثمة أقتحمت القصر، يبدو بأنها محاولة لسرقة فوالدك أرثر مارتن يمتلك أشهر متاجر المجوهرات داخل العاصمة وخارجها، يبدو بأنها محاولة سرقة وحدث شجار بينهما همس ألبرت بصوت خافت متوعدًا: -لا لم تكن محاولة سرقة ولا تخطيط سارق، أنه تخطيط قاتل مُحترف أت لكي يقـ,ـتلهم جميعًا ولم يترك أحدًا شاهدًا على الحادث، لن أرحم قاتلهم لن أرحمه -هل لديكم أعداء؟ هل لديك شكوك ضد أحد؟ عاد ألبرت لصمته ثانيًا ورفض الإفصاح عن شيء، وتم أخذ الجثمان للمشرحة لمعرفة سبب الو...فاة ومُتابعة سير التحقيقات في مقتـ,ـل" عائلة مارتن". بمقتـ,ـل عائلته انتزعت الرحمة من قلبه وتبدل حاله تمامًا كما لو أنه شخصًا أخر، جسدًا بلا روح، يتحرك مثل الروبوت، لم ينم منذ تلك الليلة القاسية التي بدلت كيانه ونزعت روحه من جسده أيضا ليتوارى عن العيون داخل صندوق يُدفن به مثلما دُفنت عائلته، مر على وفاتهم شهرًا وقُفلت القضية ضد مجهول، وهو يعلم من الفاعل ولكنه صامتًا يتفنن فن رد الصاع صاعين لينتقم لعائلته بدم بارد كبرودة القطبين الشمالي و الجنوبي، بقلب لم يعد يعرف للرحمة عنوان. يتذكر جيدًا أخر حديث دار بينه وبين والده داخل غرفة مكتبه عن ما عليه فعله ومنمن حذره وأنه سيكمل مسيرته داخل عائلة مارتن، أشهر عائلات العاصمة وأغناهم مالا وحسبنا ونسبنا. قبض على قبضة يده بقوة برزت عروقه الخضراء النافرة بغضب يحتاج جسده وتتأجج النيران تحرقه وتفتك به من الداخل قبل الخارج ثم توعد بصوت خارج كفحيح الافاعي "كل من شارك في مقـ,ـتلهم لن يسلم من غضبي الجامح، لن أرحمهم وحان موعد الإنتقام الآن" ❈-❈-❈ قرر دعوة باقي العائلة لعقد الإجتماع الذي نوه عليه والده قبل سفره إلى مصر، وبالفعل حضرت أفراد الأسرة تشاطره الحزن على فقدانه لوالديه وتماسك ألبرت وكان يتحدث بقوة وصمود يخبرهم بقرار والده قبل رحيله: -تعلمون الخسارة التي خسرتها عائلة" مارتن" فقد فارقنا كبيرها وحاميها ولكنه قبل وفاة بأيام جلس معي ليخبرني بقراره الذي اتخذه وأرجو من الجميع أن ينفذون أوامره كما لو أنه موجود بيننا تعالت الهمسات وبعضهم هتفوا مرحبين بتنفيذ أوامر كبيرهم وحتى بعد فراقه عليهم السمع والطاعة منما جعل ألبرت يتمسك بشجاعته وقال بصوت جلي واثقًا منما ينطق به: -أعطاني والدي مهام العائلة، من اليوم ساتولى شئون العائلة ولن اخذل ثقة والدي ارثر وهذا ما سأصله له في مرقدة الأمن وقف عمه معترضًا وقال غاضبًا : -كيف حدث ذلك؟ أنا أكبر منك وأحق بتولي مهام العائله قاطعه قائلا بشموخ: -القيادة لا تقتصر على كون من الأكبر ولكنها تقتصر على مهام عديدة وأنا رغم صغر سني أعطاني والدي هذا اللقلب من بعده وسأدير شئون العائلة كما تمنى والدي، هل يوجد أي اعتراض على ذاك القرار هتف عمه بغيظ بعدما وجد العائلة مُرحبة بهذا القرار الذي كان يغفله وقال دون أن يثير الشبهات لديه مد يده يصافحه ويقول وهو يجز على أنيابه: -مبارك لك ألبرت قال بفتور : -هل تشك بقدرات ابن أخيك عمي الحبيب تبسم له بتصنع وقال بسخرية مبطنة: -بالطبع لا، انت حقًا تستحقها. التفت العائلة حول مائدة الطعام فرحين يتولى ألبرت كبير العائلة فهو شاب ناضجًا ويفعل دائما من أجل عائلته ولكن عيون حاقدة تطالعه بشر وكره، يود ان يخرج مسدسه ويصوبه على راسه للخلاص منه كما تخلص من والديه، ولكن ألبرت لن يكن غافلا عن تلك العيون وتوعد بالانتقام أمام قبر والده عند زيارته الاخيره له.. وبعد عدة أيام تقابل ألبرت تلك الفترة مع أصدقاء الدراسة وهو مخطط لفعل شيء ما يهز أرجاء العاصمة بأكملها، سوف يزعزع كيان برلين ويثور غضبه عليهم لن يرحم احد بعدما فقد والديه، سوف يُأسس كيانًا خاصًا به لينتقم أشد الإنتقام. بعدما كون فريقًا من الشباب الذي على علاقة بهم وقرر أن يثور ثورته على كل شخص يوجد بالعاصمة، سينتهي بنفسه مسيرة الضعفاء ويحتل القارة بقوته ونفوذه ويستحوذ بسلطته وذكائه على عقول الجميع، اتخذ من السلاح عملا ليدمر ويزلزل الأرض ومن عليها وذلك بعدما علم بدخول ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، لم يضع فرصة كهذه في الخلاص الثأر ونجح في تكوين مافيا السلاح وهو زعيمها ونشر تجارة السلاح بقارة أوربا بأكملها وكان يتخفي من الشرطة تحت رداء عمل والده في متجارات المجوهرات.. ❈-❈-❈ ذات ليلة دعى ألبرت ابنة عمه لقضاء سهرة خاصة بينهما داخل القصر فهو يعلم كما هي مولعه بعشقه وصارحته بمشاعره وتقربت منه أكثر من مرة عندما كانت تجتمع العائله بالقصر وفي مناسبات خاصة وأحتفالات العائله كانت تود جذب انتباه وتحبره بتودد انها على أستعداد بقضاء لحظات خاصة بينهما كما هي تتوق لتلك اللحظة وتحلم بها وها هي الآن داخل قصره ولا يوجد سواهم. خصص لها اليرت جوًا من الهدوء والرومانسية لقضاء الليلة بحب وعشق ويجعلها ليلة مُميزة لن تنساها طوال عمرها. كانت ترتدي ثوب أسود قصير يكشف عن فخديها البيضاء ذا القوام الممشوق النحيف وشعر غجري يتطاير خلف ظهرها العارية بوجه ابيض نحيف وعيون واسعتين بلون زرقة البحر الثائر وأنف طويل وشفتي مثل حبات التوت البري، التقط كفها يقبلها بحفاوة والابتسامة تزين ثغره يدعوها للجلوس في الجو الرومنسي الذي أعدده مسبقًا لها وحدها، كانت سعيدة للغاية لا تصدق بأن حلمها التي لطالما حلمت به أمام ناظرها الان يتحقق. نزع قبعته وقال ببسمة جذابة: -ما رايك "جيتا" في عزف مقطوعة اعشقها على البيانو تبسمت له وقالت في رقة ووداعة مثل وداعة القطة: -بالطبع ألبرت أود ذلك سار بخطوات واسعة وفتح زر حُلته السوداء ليجلس بالمقعد خلف البيانو ثم رفع أنامله يعزف الأغنية التي يعشقها ودائما يُدندن لحنها من بين شفتيه، تراقصت أصابعه بحب بين أصابع البيانو البيضاء والسوداء تتنقل بينهما في تناغم وود عالم خاص يسبح داخله وحده ولكن عندما انتهى من معزوفته راء مقـ,ـتل والديه يتجسد أمامه فنشب الغضب والجنون داخلها وسار إلى حيث تجلس ابنة عمها، التقفها بين ذراعيه يجذبها إليه بقوة ولكنها كانت سعيدة بذلك الأمر الذي طرأ عليه وضعها بفراشها وجلب لها مشروب النبيذ وكأسان، سكب لها في كأسها ونظراته تجوب على أنحاء جسدها في شهوة ورغبة بأن يجعلها تتمرمغ داخل أحضانه تتوق بالمزيد من مشاعره الجياشه، سيجعلها ليلة لا تُنسى، سيعصف بكيانها وكيان والده سيخط اول حروف لكلمة الانتقام وينقشه على جسدها الجائع للمساته. دنا منها يلتهم شفتيها في قُبلةُ عاصفة ويديه تجوب بمنحنيات جسدها تحت لمساته الساحرة التي تشعل داخلها الرغبة في المزيد والمزيد من العشق الغرام الذي رسمه وخططته وابدع في تنفيذه وسبل أغوارها.. ❈-❈-❈ القاهرة في الوقت الحالي.. داخل المشفى، بعد أن مر الوقت المحدد من الطبيب الذي يتولى حالة "أسر" أسترد أسر وعيه ولكن الاصابات خطيرة سوف تلتئم جروحه ببطء وكانت العائلة تلتف حول الفراش بفرحة عارمة بسبب نجاته منما كان به. ظلت خديجة تدعو له ولن يكف لسانها عن الدعاء اما ميلانا فجلست بالمقعد المجاور للفراش تطالعه بحب واتمسك بكفه تقبله باشتياق وهو يبادلها النظرات بكل محبة وسعادة. وسليم يقف مُبتعدًا ينكس رأسه أرضًا لم يتجرأ على الاقتراب منه بعدما علم بما دار بين شقيقه وطليقته لم يقدر على النظر داخل عينيه فلم يتوقع بأن يحدث بينهما ذلك الشرخ وكيف سيبرر لشقيقه علاقته السابقة بطليقته التي لم تعدا منه الأخوة والصداقه وليس مسئولا عن مشاعرها اتجاهه. رمق أسر شقيقه بدهشة ثم نظر إلى والدته لعله يفهم ما الأمر، همست خديجة بخفوت وقالت بأسي؛ -سليم عرف باللي حصل ونور جت هنا وطردها تنهد بعمق ثم خرج صوته المُتعب يطلب منهم مغادرة الغرفة وتركه وحده هو وشقيقه، انصاغت العائلة لمطلبه وغادرت والدته بصحبة ميلانا وحياة. لاحت أبتسامة أعلى ثغره وقال بصوت واهن يمزاح شقيقه : -هتفضل واقف بعيد عن اخوك كده كتير، خش في حضن أخوك يا فواز تبسم له واقترب منه بلهفة يحتضن وجهه ويجذب راسه لصدره يقبلها بحنان وانهمرت دموعه دون توقف لتتساقط على وجنته شقيقه الذي انخلع قلبه وقال : -سليم انت بتبكي -عمري ما انكسرت ولا حسيت بالضعف اللي لم حسيتك بتروح مني -فعلا ده دموعك مش نزلت على وفاة بابا، كنت دايما شايفك القوة والسند وإن مافيش حاجة تقدر تحركك وكزه بخفه في صدغه وقال بحنان: -مافيش حاجة تحركني غيرك يا أسر، أنت مش اخويا الصغير أنت ابني حته مني ولم تخلف ان شاء الله هتعرف اخوك دايما حاسس بايه لم مجرد يشوف لمحة حزن تغير ملامحك -وانا دايما شايفك ابويا فعلا، بس مش محتاج تبعد عنيك عني يا سليم أنا اكتر حد يفهمك يا خويا ويحس بيك وعارف كويس اوي ان نور كذابه وان عمرك ما نظرت ليها نظرة فيها غير أخوه، نور دي مريضة وأكتشفت ده متأخر، خلاص انا فوقت من تملكها وسعيد بحياتي مع ميلانا وهي خدت جازءها لم حاولت تسقط نفسها وتزرع الشك بينا وتنتقم لكبرياءها، اللي زي نور لا يمكن يحس بالرفض وهي عاشت كتير من حياتها مرفوضة من والدتها وجدها عمل منها شخصية انطوائية عشان كان خايف طول الوقت انها تتجوز حد لا يليق بالعيلة الكريمة وكان دايما بيحبطها باعدها تكون صداقه وتتعرف على الناس، ساعات بجد بتصعب عليا، نور محتاجة طبيب نفسي يعالجها ويخرجها من اذمتها ضحك بخفة وقال بمرح: -يا ترا ميلانا عارفة بالكلام ده تبسم له ثم همس بجدية: - كان في بينا ود ومحبة حتى لو في غلطات مني ومنها مش هجلدها هي وأجيب اللوم عليها، انا كان أخطئت لم كنت فاكر أن اقدر أملك حبها وقلبها زي ما ملكت جسمها، في حاجات صعب علينا نمتلكها الا بالحب والمشاعر الصادقة، ميلانا هتتفهم الأمر، هي مراتي حقها تغير طبعا عليا بس في بينا ثقه وأنا هساعد نور من بعيد ممكن تساعدني نعمل كده ربت على كفه وقال بحنو: -اقنعتني بقلبك الطيب النقي اللي ما يعرفش الخداع، مع ان اخوك كان في دماغه تخطيط تاني لنور ثم كركر ضاحكًا وأكمل حديثه بغمزة : -بس عشان خاطرك انت بس عفوت عنها فرد له ذراعه الأيمن الخالي من الأجهزة ليقترب منه سليم يعانق اياه في حميمية، يستنشق كل منهما رائحة الآخر ويعبئ رئته بقربه من شقيقه وتختلط نبضاتهم داخل ضلوعهم لا يفرقهما شيئ.. ❈-❈-❈ أسترد سليم أنفاسه بإفاقة شقيقه وقرر البدء في مخططه بعيدًا عن الشرطة، غادر المشفى متحججًا بعمله داخل الشركة وانه عليه الذهاب الان بعدما أوصل والدته وزوجته إلى الفيلا وظلت ميلانا بجانب أسر داخل المشفى، انطلق هو إلى وجهته المنشودة بعدما أجراء اتصالا هاتفيًا بشخص ما كان يعمل لدا والده وهو ذراعه الأيمن داخل الشركة وخارجها ولكن الرجُل ذلك كبر بالعمر وتقاعد عن عمله بعد وفاة والده مُباشرةً وجاءت اللحظة المنتظرة ليقابله ويعلم منه أكثر عن المافيا وزعيمها الغامض الذي لم يصل اليه حتى الآن ولم تقدر الشرطة الفيدراليه على الامساك به رغم كل ما حدث بـ نيويورك.. ❈-❈-❈ الفصل الخامس عندئذ صفا سليم سيارته أمام البناية التي يقطن بها الرجُل الذي هاتفه وتذكره عندما كان يعمل مساعد والده بالشركة ولم يلتقي به بعد وفاة والده فقد توارى عن الانظار ولم يسعى سليم لمعرفة وجده. كانت البناية قديمة مُتهالكة، ترجل من سيارته وسار بخطوات حذرة يولج داخل العقار القديم الأيل للسقوط وصعد الدرج ببطء شديد بسبب الشروخ العميقة، طرق باب الشقة بالطابق الثاني ولكن لم ياتيه أي رد، زفر بضيق فمن الصعب أن يسكن أحد العقار وهو بهذا الوضع المُهلك، عاد أدراجه ثانيا وغادر البناية وهو يتطلع حوله لعله يجد شخصًا يسأله عن وجود صاحب العقار، زفر بضيق ثم اخرج هاتفه يتحدث مع الشخص الذي جلب له العنوان. بعد لحظات كان يغلق الهاتف بعدما أستمع للطرف الآخر يخبره بأنه لم يعلم له عنوانًا أخر، قرر سليم أن يبحث عنه بالمنطقه لعله يعلم بوجوده بمكان ما. وبالفعل بعد ساعة من وجوده وتسأل أحدًا من الجيران علم بأنه نقل لمحل سكن أخر وترك لهم عنوانه ورقم هاتفه لانه يعرض العقار القديم للبيع، نجح سليم في جلب العنوان المنشود وعلى الفور تحرك بسيارته إلى هُناك.. ❈-❈-❈ أما عن "حياة" بعدما وجدت نفسها مُحاطة بجدران غرفة"سليم" شعرت بالاختناق ولم تعد قادرة على الحراك خارت قواها وسقطت بالفراش تنظر لسقف الغرفة بشرود لترا عيون جاحظة تتسع وتنظر لها تحدق بنظرات متوهجة كالنيران المُشتعلة تُريد ألتهامها، فقدت القدرة على النطق وتخشب جسدها بالفراش التصقت به بخوف وصدمة ورعب وفزع لم تستطع تحرير نفسها والفرار من تلك العينين المتربصة لها ولم تقدر على الصراخ لكي يأتي إليها من يُساعدها على التخلص منما هي فيه الآن، شُلت تمامًا والعيون تقترب منها ببطء شديد يحبس أنفاسها؛ كأنها مُكبلة بأغلال لم حديد تحكم قبضتها الفولاذية عليها وجدت الظلام يُحاط بها ولم تجد طاقة نور إلا العيون التي تحدقها بوهج مُستعر مُصرة على الاقتراب منها وفرض آذاها، وهي لا حول لها ولا قوة، شُلت تمامًا ونست ذكر الله كالمغيبة بعالم أخر مظلم، رأت نفسها تسير بطريق مملوء بالاشواك وكلما خطت خطوة تنسال الدماء من قدميها وتصرخ متأوة بالألم ثم تقف مكانها تنظر حولها بفزع ورهبة ورجفة قوية أحتاجت جسدها لتسقط في بركة عميقة هوت داخلها لتجد نفسها وحيدة داخل القعر محاط بها الاشواك التي تقترب من جسدها تتطوقه بقوة تكاد تُريد قتـ,ـلها ولم ترا داخله إلا السواد الدامس، أغمضت عينيها مُستسلمة لقدرها، لترا صوت هامس يلفحها بأنفاس كريه يهمس لها بفحيح العقارب قائلا بغلظة، "لن تنعمي بالراحة بعد اليوم، ستهلكين كم هُلكت ليليث " ❈-❈-❈ وصلا سليم أخيرًا لوجهته حيث يسكن الرجل بإحدى المناطق الراقية، يبدو عليه الثراء، ترجلا من سيارته ودلف الحديقة الصغيرة المحاطة بالأشجار وولج لداخل وقف عند الباب ثم رفع انامله يدق جرس المنزل فقد كان مكونًا من ثلاث طوابق وحديقة مرفقة ويبدو على البنيان بأنه تم بنائه حديثًا. بعد لحظات فُتح له باب شابًا في مُقتبل العمر عندما راء سليم شعر بالتوتر وارتجفت شفتيه وقال بتردد: -أقدر أخدمك تفحصه سليم بدقة ولم يخفي عليه توتر الشاب الذي حاول أظهار له عكس ذلك وقال بجدية: -ممكن أقابل الاستاذ فهمي؟ جف حلقه قبل أن يجيبه ثم أستجمع قواه وقال بتوتر ملحوظ: -بابا.. بس بابا تعبان وما بيقبلش حد، اقدر أنا أساعدك في حاجة لوي سليم ثغره بضجر وقال بصوت حاد : -لا ما تقدرش، ممكن بعد اذنك تبلغ والدك أن سليم توفيق السعدني محتاج يشوفه لأمر هام جدا عاد الشاب خطوتين للخلف وافسح له الطريق وتصنع أنه لم يكن يعرفه من قبل فهتف مرحبا به: -أهل وسهل أتفضل.. بعتذر ماكنتش أعرف حضرتك، والدي هيفرح جدا لم يشوف حضرتك دلف بخطواته الواثقة للداخل وهو يطالع المنزل وأثاثه الأنيقة الجديدة وجلس حيث أشار اليه الشاب ثم ذهب لمناداة والده وجلس سليم داخل غرفة الصالون المُدهب فخم المظهر، جال بعينيه يطالع كل ركن به من طلاء واثاث والسجاد الموضوع أرضا والنجف المعلق بالسقف باهظ الثمن والتحف التي توجد على جانبي الاريكة موضوعه أعلى طاولة صغيرة بيضاوية الحجم. زفر سليم أنفاسه ثم طالع ساعة يده بضيق وملل فقد مل الانتظار لم يتعدا الا ثواني معدودة ولكنه يشعر بأنه ينتظره منذ أعوام. ركض الشاب لغرفة والده في الطابق الثاني ودلف غرفته قائلا بذعر: -بابا.. سليم السعدني موجود تحت وطالب يقابلك نظر له فتحي بدهشة وقال: -سليم السعدني، ابن المرحوم توفيق السعدني؟ -ايوة هو منتظرك تحت في الصالون نهض بتعب من فراشه وقال : -يااه ايه فاكره بيه دلوقتي اجابه ابنه بتردد: -دلوقتي نعرف سبب الزيارة، اتفضل أسند عليا اتكز على ساعد ابنه وساروا بخطوات بطيئة ثم هبط الدرج بعناية وولج لداخل غرفة الصالون مرحبا به -يا الف مرحب، نورتنا يا غالي يا بن الغالي أستقام سليم من مجلسه ثم اقترب منه يصافحه بود لترتسم أبتسامة فتحي على محياه وهو يطالعه قائلا: -أهلا بيك يا سليم بيه، سبحان الله كأن شايف المرحوم قدامي، أتفضل يا باشا نورتنا وشرفتنا جلس سليم ثانيًا نظر فتحي لابنه قائلا: -ايه يا ماهر يا بني مش تشوف الباشا يشرب ايه أجابه سليم مسرعًا: -مافيش داعي، أنا كنت محتاج حضرتك في موضوع مهم وخاص جدا مش محتاج تأخير علم بانه يريد التحدث معه على أنفراد، فنظر إلى ابنه قائلا: -روح أنت شغلك يا بني ماتعطلش نفسك حاول ماهر الرفض والتحجج بأن يظل جانبه لكنه ألح والده بأن يتركه ويذهب إلى عمله، أنصاغ ماهر لاوامره مرغما على ذلك. لم يتردد سليم باخباره ما حدث في الأيام الأخيرة لعائلته تعرضهم لاطلاق الاعيرة النارية والفاعل مجهول للشرطة فقط لكنه على علم بمن الفاعل الحقيقي وراء كل ذلك وأخبره بثقة بما كان مُتفق عليه مع الشرطة الإيقاع بكافة عناصر المافيا؛ استمع له فتحي بانصات وحزن على ما أصاب أسر، ثم هتف قائلا بمواساة: -لا حول ولا قوة الا بالله، والبيه الصغير عامل ايه دلوقتي؟ -الحمد لله بفضل ربنا نجي من الموت، ثم أردف قائلا: -وأنا مش قدامي غيرك دلوقتي وعشان كده أنا هنا، محتاج مساعدتك -وانا افديك باللي باقي من عمري يا بني قاطعه بلهفة وقال: -محتاج أعرف اللي ابويا مالحقش يعرفني بيه، انت كنت دراع ابويا وماكنش في خطوة بيتحركها بدونك،. محتاج اتزرع داخل المافيا من تاني باي طريقة وأي وسيلة تنهد بحزن وقال : -صعب اللي بتقوله ده بعد اللي حصل منك في نيويورك، انت انكشفت ليهم وعشان كده حاولوا يخلصوا منك هناك ولم فشلت العمليه قرروها معاك تاني لم رجعت هنا، هم مش هيرحموك يا بني -طب وصلني بيهم تاني -يا بني بعد وفاة توفيق باشا الله يرحمه، أنا كمان استغنوا عني وانا خوفت وبعدت بعدها ومابقاش حيلتي من الدنيا غير ماهر ابني، بعد ما حصل حريق في البيت القديم وراحت فيه مراتي وبناتي قولت ده عقاب ربنا ان كنت ماشي في طريق الغلط والخطر وبعدت عن كل حاجة، وتوبت لربنا ما مشيش في طريق الحرام تاني. هتف باصرار : -بس ليك طريقة تعرف تدخلني وسطهم، وبعدين ازاي مافكرتش اللي حصل لعيلتك بعد حادثة بابا ان ده مش من تخطيط المافيا وهي قاصدة تخلص منك ومن عيلتك، واكيد عارفه انك لسه عايش ومعاك ابن كمان، لو مش خايف على نفسك خاف على ابنك اللي فاضلك، ساعدني نخلص منهم قبل ما يخلصوا علينا واحد ورا التاني. قال باستسلام وقلة حيلة: -وأنا معاك وكل اللي أعرفه هقوله ولو عاوز توصل للزعيم لازم توصل لجاك الأول هتف بغضب: -جاك باعني قبل كده وسلمني ليهم عشان يخلصوا عليا انا ومراتي في نيويورك -بس جاك لسه حر طليق وهو الوحيد اللي هيكون خيط الوصول للزعيم الحالي بعد توفيق باشا نظر له بصدمة وردد قائلا: -بابا كان زعيم المافيا مش مجرد فرد منها أجابه بثبات : -لا كان زعيمها والكل بياخد الأوامر منه ماعرفش مين خانه وقتـ,ـله عشان ياخد مكانه غادر سليم منزل فتحي بتشتيت فلم يكن على دراية مسبقة بأن زعيم المافيا الحقيقي هو والده وحدثت الخيانة بين أفرادها ليتسبب النزاع داخلهم وقررورا اغتيال زعيمهم لكي يأخذ فردًا أخر مكانه يجد نفسه الأحق بهذا.. ❈-❈-❈ بقارة أوربا تحديدًا مدينة "برلين" الساحرة. تركها ألبرت تنعم بفراشه ثم نهض من جانبها يرتدي ثيابه ويحمل سلاحه ثم وضع قبعته ليغادر الغرفة بلا غادرت القصر بأكمله متوجهًا في طريقه إلى الحانة التي يتردد عليها عمه كل ليلة ليحتسي الخمر المُسكر ويقامر بالاموال التي في حوذته فهو مؤلع بالمقامرة لديه هوس حقيقي منما يجعله يخسر أمواله كل ليلة ويعود لها ثانيًا. خطط ألبرت لتلك المواجهة، أنتظرة أمام الحانة بنظرات حادة ثاقبة تلمع كعيون الصقر الذي يرا صيدته ليسقط عليها وينالها بمخلابه الفتاكة. غادر عمه "داني " الحانة بخطوات متخبطة وجسده يترنح يمينًا ويسرًا غير واعي لخطواته ليصدمت بجسد قوي أمامه، رفع مقلتيه الناعستين أثر سُكره ليلتقي بعينين حادتين تطالعه بنظرات لائمة، اهتز جسد داني وعاد للخلف كان ألبرت يقف أمامه بشموخ ويضع يديه داخل جيب معطفه الشتوي البني الذي كان يرتديه أعلى حُلته السوداء، قابضًا بقوة على سلاحه داخل جيبه عندما طالت النظرات بينهما كركر ألبرت ضاحكًا وقال ساخرًا من عمه: -ماذا بك عمي؟ هل رأيت شبحًا ارتجفت شفتيه وهتف من بينهما بهمس ثقيل : -لا... لا تفاجئت بوجودك ألبرت -وهل مفاجأه حقًا تستدعي كل هذا الخوف الداخلي عمي، جسدك يرتجف ماذا بك؟ هل أصابتك الحمى بعد خسارتك الفادحة في المقامره ابتلع ريقه بتوتر وأجابه : -لم يُحالفني الحظ عاد ألبرت يضحك بصخب ويهاتفه بسخرية: -أجل أنت دائما لم يحالفك الحظ عمي، وهذه المرة لن تقدر على الفرار بعدما فعلت ما فعلته قال بخوف وذعر: -ماذا فعلت يا ابن أخي؟ لم أفعل شيئًا على الإطلاق قال غاضبًا بانفعال: -بلا فعلتها وسولت لك نفسك الجشعة بقت،ـ,ـل شقيقك وزوجته، فعلتها دون خوف أو رهبة دون أن تهتز يديك وأنت تقـ,ـتل شقيقك الاصغر -نعم فعلتها،، فعلتها لاتخلص منه وأخذ منصبه ومكانته، رغم كونه الأصغر مني بعامين ولكن تولى هو شئون المال والتجارة والعائلة أيضا، كل شيء أصبح تحت ارادته هو وأنا مؤهمش دائما، حتى عندما دق قلبي للفتاة التي أحببتها؛ حصل عليها أرثر وفاز بُحبها وتزوجها رغم علمه بأني أعشقها لم يكترس بمشاعري وأنا شقيقه الأكبر ولكن في نظر الجميع الاهوج الارعن الذي لا يصلح لاي مهام، حقا أنا سكير ومقامر ولن أجد نفسي بعد كل تلك السنوات، قتـ,ـلته لاحصل على كل ما حصل عليه أرثر وعندما راتني والدتك قـ,ـتلها أيضًا ورجالي قضوا على الخدم واحد تلو الآخر وأيقنت حينها بأن الجريمة مُكتملة الأركان ولن يوجد شاهدًا واحدًا علي، ولكني لم أحسب حسابك بانك ستعود وتأخذ انت مكانة والدك قاطعه قائلا بجمود: -وكنت تُخطط للخلاص مني أيضًا اليس كذلك؟ -ولما لا... لقد قضيت على كل من وقف بطريقي في تلك اللحظة سحب ألبرت يده من داخل جيب المعطف ليمسك بقوه على السلاح ويوجهه برأس عمه بمنتصف جبينه وهو يقول بجمود وقسوة: -أعتذر منك عمي لن تقدر على الخلاص مني وأنا أتيت الان لكي أخذ الثأر لوالدي، وداعًا عمي الحبيب ثم ضغط على الزناد لتخرج طلقة مدوية برأسه وتسقط أرضًا غارقًا في دمائه، وعاد ألبرت يكمل خطواته ببرود تام وكأنه لم يفعل شيء ولم ينظر وراءه، بلا تنهد بأرتياح وحدث نفسه قائلا: -نال ما يستحقه اللعين.. قاد سيارته بسرعة جونية سعيدًا بما حققه من إنتصار وعاد إلى القصر، يجلس عند البيانو يعزف مقطوعته بفرحة عارمة ورأ طيفها، حقا طيف من سرقت لُب قلبه بجمالها الشرقي وشقاوتها وعفويتها التي جذبته إليها، همس بصوت عاشق "زمردة" يا ليتكِ بجواري يا حبيبتي استيقظت "جيتا" في ذلك الوقت وارتدت روب يواري جسدها العاري وظلت تبحث عنه داخل الغرفة فلم تجده، استمعت لصوت عزف البيانو، سارت على أطراف أصابعها والابتسامة تعلو ثغرها فرحًا بتلك اللحظات التي قضتهم بين أحضان معشوقها، وعندما وصلت إليه وضعت باناملها على كتفيه ليعاود ألبرت من شروده على وجودها، تأفف بضجر وترك العزف ونهض عن مقعده ليجدها تحاوطها من الخلف وهي تهمس بنعومة قائلة وهي تضع وجنتها على تقاسيم ظهره: -ستفرح العائلة بتقربنا هذا، هيا أخبرني متى سنخبرهم بموعد زفافنا انزل يديها التي تحاوطه بتملك ثم ابتعد عنها بخطوة ودار وجهه ينظر لها ببرود وتعالي: - زفاف من؟ عن أي زفاف تتحدثين قالت مندهشة: -زفافنا أنا وأنت، ماذا بك ألبرت؟ ضحك بسخرية وأشار بسبابته في أستهزاء مبطن: -أنا اتزوجك إنتِ يا عاهرة تسمرت مكانها وشلت الصدمة حواسها ولم تعد قادرة على التفوه بنبس كلمة ولكنها ظنت بأنه يمزاحها، عادت تقترب منه ببسمة طفيفة ولكنها اوقفها مكانها وبتر كلمات لاذعة جعلها تقف دون حراك تنظر له بصدمة زلزلت كيانها ولم يكتفي بذلك فقد جذبها من رسغها وجرها خلفه يطردها من القصر تحت نظرات الخادمة الساخطة على فعلته تلك. وهي تتوسله بأن يتركها ترتدي ملابسها وتنتظر الصباح ولكنه كان مجمد المشاعر مبلد الحواس لم يعد قلبه نابضًا بالرحمة ولن يرأف بأحد بعد اليوم، ماتت مشاعره وتحجر قلبه ودُفن هو الآخر مع عائلته. أغلق الباب بوجهها بعدما ألقاها أرضا وعاد بخطوات واثقة يصعد الدرج وهو يُدندن نغماته وينزع ثيابه عندما وصلا لغرفته القى الملاءة بغضب جامح لا يريد أن يتذكر الليلة التي قضاها بالفراش مع ابنة عمه وتجرد من ملابسه كما تجرد من مشاعره ودلف داخل المرحاض ووقف أسفل رشاش المياه البارد التي لم يكترس لبرودته رغم ان الطقس شديد البرودة ولكنه قاسي القلب وكل ما به مُجمد، كانه أنسان ألي لا يشعر بمن حوله ولا يعي شيئًا خالي الاحاسيس والمشاعر خالي تمامًا من الرحمة وكأنه شيطان يتحرك ويفعل أفعال الشياطين القاسية قلوبهم.. "إنَّ الرحمة إذا انتزعت من القلوب, فإنَّ الظلم والعدوان, والإثم والبغي, يحلُّ بين الناس, والجشع والطمع, وحبَّ الذات, واستعباد الناس, يضرب بأطنابه بينهم؛ لحلول القسوة مكان الرحمة, فتكون القلوب أشدُّ قسوة من الحجارة الصماء وأظلم سواداً منها" الفصل السادس جاثومًا يطبق على صـ درها يجعلها لن تسطيع التنفس ولم تقدر على الصراخ، جـ سدًا ساكنًا لن يصدر منه إلا ومضات من أنبعاث مقلتيها الخائفتين، جاهدت تحاول النهوض ولكن جـ سدها شُل تمامًا. لم تدرك كم من الوقت ضلت هكذا إلى أن أسبلت عينيها بمحاولة أستسلام لمصيرها المحتوم. صوت يهمس بأذنها أرق مضجعها وفتحت خضراويتها باتساع تكادت بؤبؤة عينيها أن تخرج من محجرهم أثر صدمتها وهلعها بسبب الفحيح والهسيس الذي ياتيها في أُذنيها مناديا بأسمها، يختصها هي وحدها لا غيرها تصلب جسدها وتجمد كبرودة القطبين لتسترق السمع لذلك الصوت الذي ياتيها من مكان بعيد ولكنه يقترب منها رويدًا رويدًا والهسيس يتزايد ليصبح في النهاية صراخ قوي وحادًا جعل الدماء تسيل من أُذنيها من شدته وغلظته والكلمات تتردد وهي مسلبة الارادة ومستسلمة لجسدها الهامد كالجثة الهامدة التي لا روح بها يزداد الصوت حدة "لن تنعمي بالراحة؛ ستهلكين كما هُلكت ليليث" من ليليث؟ يتسأل بها عقلها في شرود فجأة أنقطعت الأصوات وتحول جسدها البارد لشعلة من نار تحرقها من شدة حرارتها، كاد جسدها أن ينصهر جلدها الأبيض كساه الاحمرار القاني كأنها كومة أشتعال، تتألم ولم تقدر على الصراخ ولا الخروج منما هي فيه، أنسابت الدموع من مقلتيها وقلبها يتمزق لم تجد حبيبها جوارها، يمسك بيدها، يبعد الأذى عنها كما وعدها، أين أختفت الوعود والعهود التي بينهما، تنهمر دموعها تخترق روحها المُعذبة التي لم يشعُر بها أحد. ورأت جسدها يرتفع عن الفراش لأعلى كاد يصل لسقف الغرفة ثم يعود يهوي بضربة قوية الاشواك تغرز بظهرها ولم تفتح فاها رغم الألم والنيران والشوك المنغمسة به فقط الدموع المُتحجرة في عيونها هي التي نجحت في التحرر منما هي عليه الآن. ❈-❈-❈ ولج سليم داخل الفيلا القديمة المهجورة لعلها يجد شيء خاص بوالده يصله للحقيقة الكاملة، فقد علم اليوم أن والده لم يُصارحه بكامل حقيقته وهذا ما جعل سليم يجن جنونه بسبب أخفاء والده بعض الأسرار، فهو بحاجة لتفسير. دلف الفيلا بخطوات واسعة وفتح بابها ليجد الظلام الدامس أمامه، تحسس مكبس الإضاءة وأنار الفيلا، وبدأ بمكتب والده يريد البحث داخله، وقف بغرفة المكتب يتطلع حوله بتيه لا يعلم من أين سيبدء. جلس بالمقعد خلف المكتب ثم فتح أدراجه وظل يعبث داخل محتوياته فلم يجد شيء، تطلع أمامه ليجد مكتبة ضخمة تضم عدد كبير من الكُتب، نهض عن مقعده وسار بخطواته ليصل إليها ثم وقف أمامها يطالع الكُتب بدهشة وهو متذكرًا بأن والده لم يكن مؤلعا بالقراءة وللعجيب مكتبة تخص كُتب كثيرا في مجال الطب والتشريح وكُتب التاريخ، شعر بالاختناق والتحطم فداخله ينهار وخارجه يتماسك ويدعي القوة والجمود. زفر زفرة عميقة تخرج من أعماق روحه الشاردة ثم ضرب بكفيه المكتبة بغضب جامح ليخرج ما داخله من ثورة مُشتعلة لتتحرك الألواح الخشبية الموجودة بالمكتبة وتميل للجهة اليمنى، ضيق حاجبيه الكثيفبن بدهشة ثم ضغط أكتر لتتحرك المكتبة وتدلف داخل الحائط الذي لم يكن حائط بل هو باب سري قابع خلفها، علت الصدمة عيناه ولاحت شبح أبتسامة أعلى ثغره بعدما خطى بقدمة خلف الباب ذلك ليجد نفسه بالحديقة الخلفية للفيلا، نظر حوله بفضول لعله يصل لشيء أخر يدله وجد نفسه يقف أعلى أرض صلبة لا توجد بها حشائش خضراء كباقي الحديقة، انحنى بجذعة يتفقد الأرضية أسفله ليجد باب حديدي مغطي بخرسانة أسمنتية يخفي مقبضه، استقام واقفًا وعاد يدلف داخل الباب السري ثم بحث بالفيلا عن أداة حديدية تجعله يكسر الخرسانه ويفتح الباب الحديدي يعلم ما يوجد خلفه. بالفعل وجد داخل البدروم الذي كان يحتجز به حياة من قبل، وجد داخله أجنة حديدية التقطها بلهفة وعاد إلى حيث وجهته، نجح في هدم الخرسانه الاسمنتية وفتح الباب الحديدي ليرفعه عن الأرضية ليظهر أمامه درج يصله بسرداب عميق تحت الأرض. أشعل الكشاف الخاص بهاتفه ووضع قدميه بداخل السرداب ليهبط بخطوات حذرة ينزل أسفل ليجد نفسه داخل غرفة مليئة بالاسلحة القديمة التي مر عليها ميئات الأعوام، دار حول نفسه بصدمة أكبر وهو يطالع الأسلحة والزخائر الملغمة بالغرفة، كأنها متحف أسري قديم خاص بالاسلحة فقط، لا يعلم لماذا والده مُحتفظًا بكل هذا الكم منها، يبدو الأمر به ريبة، تحسس بكف يده سلاحًا تلو الآخر وهو يزفر أنفاسه بضيق ولم يفهم شيئًا منما جعل الصداع يمسك براسه يكاد يفتك به جلس القرفصاء بمنتصف الغرفة ثم ضم كفيه أعلى راسه المتخبطة المُتشتته هو داخل دوامة الان وصراع قوي مع نفسه ولم يجد حلا لما هو فيه، يجد نفسه مُكبل الايدي ولم يعد لديه قدرة على مواجهة الحقائق الخفية والاسرار. الغامضة التي أخفاها عنه والده. حاول أستجماع شتاته ونهض عن جلسته تلك يدور بعينيه الثاقبة كنظرات الصقر يتفقد كل ركن بداخلها ليجد شيئًا أخر يلفة انتابه، توجد مساحة صغيرة بركن أخر في أخر الغرفة تضم مربع خشبي متوسط الحجم مطلي باللون الأسود، سار بخطوات مسرعة ثم دنا منه يتفحصه ورفعه عن الأرض ثم حمله بين ذراعيه ليصعد به الدرج ويغادر ذلك السرداب وهو قابض على تلك الخزانه الخشبية الصغيرة التي لن يتجاوز حجمها ثلاثون سنتيمتر مربع، يبدو بأنه سيجد سرًا أخر داخلها.. ❈-❈-❈ داخل المشفى. كانت ميلانا تشعر بالتعب والإرهاق خلال الأيام الماضية التي قضتها بالمشفى وهي قلقة على وضع زوجها والان شعرت بالسعادة عندئذ أسترد وعيه وبدأ يتماثل في الشفاء. داهمها دوار حاولت التغلب عليه لتظل ممسكة بكف زوجها الحنون التي لم تشعر بالأمان إلا بوجوده، كلما نظرت لعينيه العسليتين تجد نفسها تبحر بعالمهما الخاص الخالي من البشر الا من سواهم، يحتويها أسر بنظراته الحانية العاشقة لوجودها وقربها إليه، لا تعلم من منهما الذي يعطي الأمان والاحتواء للآخر، فهي تمتلك العالم بأسره عندما تعانقها هاتان العينين الدافئتين، كلاهما بحاجة للآخر. رفع أسر كفها الذي يحتضن كفه وقربه إلى شفتيه ليطبع عليه قبلة رقيقة، لترفع أنظارها تتعمق النظر إلى وجهه وملامحه التي تعطي لروحها الهدوء والسلام تبسمت له بنعومة ليضيق هو ما بين حاجبيه فقد شعر بما يهاجم رأسها الان، انتابه القلق عندما وجد جبينها يتجعد وتظهر خطوطة المستقيمه، فيبدو أنها تعاني ألما ما همس بصوته الخافت بتسأل عن حالها: -ميلو حبيبتي أنتي فيكي شيء هزت رأسها نافية ولكن لم تقدر على مقاومة شعورها بالدوار لتغمض عينيها مُستسلمة للظلام الذي غطي مقلتيها وجعل جسدها ينهدل في استرجاء لتسقط رأسها للأمام على كف أسر الذي حاول رفع رأسها ولكن لم يستطيع بسبب تعب صدره ضغط الزر أعلى فراشه أستدعاء الممرضة التي اتت على الفور ليهتف إليها أسر بقلق بأن تحاول مساعدة زوجته لتسترد وعيها اقتربت منه الممرضة تطمئنه؛ -خير ما تقلقش، أكيد فقدت وعيها بسبب قلة الاكل والإرهاق وعدم النوم، اطمن هتبقي كويسه غادرت الغرفة تحت نظرات أسر القلقه وجلبت مقعد متحرك وعاد ثانيا ومعها فتاة أخرى ساعدتها على وضع ميلانا بالمقعد المتحرك لتغادر بها العناية وتضعها بغرفة أخرى وذهبت الأخرى لجلب طبيبًا لفحصها. بعد قرابة الساعة التي عاشها أسر في قلق وتوتر ولم يأتي أحد اليه ليطمئنه، دلفت ميلانا تبتسم له لترد الروح داخل صدره عندما وجدها واقفة أمامه احتضن كفيها وظل ينظر لوجهها هاتفا بولع فقد شعر بتلك الدقائق الماضية بأن روحه تنسحب منه دنت ميلانا لتجلس بجواره أعلى الفراش الطبي ولا زالت مُحتفظة ببسمتها الرقيقة وسحبت كفه لتضعه على بطنها قائلة بفرحة: -أسر في هون طفل منك جحظت عينيه بصدمة غير مُصدق لما قالته فعاد يهمس بتسال: -ميلو أنتي قولتي أيه؟ ضحكت برقة وقالت هامسة بالقرب من وجهه: -شو بيك أسر حبيبي، عن جد أنا حامل ادمعت عينيه بفرحه وقبل شفتيها برقة ثم حاوطها بكتفه لتنام بجواره وهو يحضنها بحب هامسا لها بسعادة حقيقية لم يذقها طعمها من قبل: -مبروك يا نبض قلب أسر، يا حياته كلها، شكرا ميلانا على وجودك في حياتك من يوم ما قابلتك وأنا حياتي بقت بتتنفس قاطعته قائلة بلهجتها السورية: -ما في حدا غير حياة التاني غيرك أسر، لولا وجودك معي ما كنت أنا، أسر أنت فرحة عمري كُلها، وكل عيلتي أنت، الله لا يحرمني منك -ولا يحرمني منك أنتي وقلبي الصغنن اللي هيشرفنا بعد كام شهر تذكر أسر شيء منما جعل القلق يتسلل داخله وشعر بغصة داخل قلبه جعله يخشى القادم ❈-❈-❈ في ألمانيا.. بعد أنكشاف مقتـ,ـل عم ألبرت واصلت الشرطة التحقيق مع ألبرت، فقد ظنت الشرطة أن عائلة مارتن مُهددة من قبل أشخاص ما تريد الخلاص منهما واحد تلو الآخر، كما بدأت بعائلة ارثر وأنتهى بمقـ,ـتل الشقيق الآخر للعائله. هتف المحقق الجالس بجوار ألبرت يواسيه للمرة الثانية -أعلم بأن ما يحدث معكم شيء لم يُصدق، سنحاول البحث عن الجاني ونضع العائلة تحت الحراسة الخاصة، يبدو بأن أرواح العائلة بخطر بعدما حدث لوالديك وعمك، تأكدا بأنها لم تكن جريمة قتـ,ـل بهدف السرقة وأنها قتـ,ـل مُدبر، أرجوك ساعدني أخبرني باعداءكم، هل تعرضتم التهديد من قبل؟ هز ألبرت رأسه نافيا وقال بجمود: -ليس لدينا أعداء -حسنا ولكن سنضعك انت الآخر تحت حراسة خاصة فحياتك في خطر الان عاد يتحدث بجمود وقال بكل ثقة: -أستطيع أن أحمي نفسي جيدًا، لكن العائلة لا بأس بها أذا كُنت تُفضل ذلك فلا أُمانع ثم نهض عن مقعده وقال وهو يهم بالمغادرة: -أعتذر منك سيادة المُحقق أصبح الهم كثيرا على عاتقي ولدي أعمال هامة الآن، إلى اللقاء قال المحقق مودعًا اياه وهو يهز راسه بأسى: -حسنًا.. إلى اللقاء.. غادر ألبرت شرطة التحقيقات وهو يبتسم بثقة فقد حصل على ثأر عائلته وهذا ما جعله يشعر بالنصر ولذة الإنتقام، أستقل سيارته يقودها حيث مقر عمله الجديد الذي يخفيه عن أنظار الجميع، يتابع بنفسه انتشار السلاح داخل العاصمة، فقد دب الرعب داخل أوربا بأكملها بعد خبر مقتـ,ـل كبير عائلة مارتن.. ❈-❈-❈ مر شهرًا يليه أخر وأعمال ألبرت الغير مشروعة في انتشار وتزايد ولم تصل الشرطة الفيدراليه على هذا الكيان المسمى بالمافيا. وحالات الشغف والقـ,ـتل تزداد يومًا بعد الآخر وأقتربت الحرب العالمية الثانية وفي ذلك الوقت قرر ألبرت السفر لمصر، البلد التي أحبها وأحب شعبها وحضارتها ووجد حُبه الأول والأوحد. في ذلك الوقت وهو يستعد للسفر ويجهز حقيبته وقرر داخله أن يمكث هناك فترة طويلة، وجد ابنة عمه تدلف غرفته وتغلق الباب خلفها رفع ألبرت عيناه ليتفاجئ بها داخل غرفته، تجاهلها وأكمل ما كان يفعله، ليجدها تقترب منه وتضع يدها على ظهره وتقول بنبرة مُنكسرة حزينة لا تخلو من اليأس والضياع ونظرات عينيها شاردة قالت بتتوسل: -ألبرت ارجوك ساعدني، أنا في كارثة الآن دار وجه ينظر لها بفتور وهتف بجدية: -ما الأمر؟ وضعت كفيها تحتضن أحشائها وقالت بحزن وهي مطأطأت الرأس: -أنا حامل. ضحك بسخرية وقال ببرود: -وما شأني أنا بذلك؟ -كيف ما شأنك؟ هذا الطفل طفلك ويجب أن تساعدني ونتجوز عاد يضحك بلامبالاة وقال بصوت عالٍ خالي من أي مشاعر تجرد تمامًا من رحمته : -لن أتجوز من أمرآة ساقطة نامت بأحضاني، وهذا الطفل ليس طفلي، هيا غادري من هنا وأبحثي عن والد طفلكِ بعيدًا قالت متوسلة: -نسيت من أنا..؟ أنا ابنة عمك كيف تفعل بي ذلك؟ لماذا تتخلى عني الان بعد ما فعلته؟ هل هذا جزاء حبي لك، ضحيت بكل شيء من أجلك، أخفيت عن العائلة ما فعلته بي من أجل الحفاظ على صورتك بعدما أصبحت كبير العائلة؛ هل كبير العائلة من حقه التخلي عن فرد من أفرادها؟ لماذا تقسو عليَّ بهذه البشاعة؟ لم يلمسني أحد غيرك ولم أكن لغيرك من قبل، لن يدخل قلبي غيرك، لا تفعل بي هذا، لا تحطمني بهذه القسوة، لا تجعلني حطام، تزوجني فقط من أجل طفلك لا من أجلي انا.. ارجوك ألبرت لا تتخلي عنا جذبها بقوة من ساعديها والقاها خارج غرفته وهو يصرخ قائلا: - لا اريد رؤيتكِ ثانيا وإلا قتـ,ـلت وتخلصت منكِ للأبد، أغربي عن وجهي كادت ان يرتطم جسدها بالحائط وتسقط ارضًا، حافظت على توازنها وسارت بخطوات مُضطربة تحتضن جنينها خوفا عليه من بطش والده، لا تعرف كيف تبدل وتحول لانسان عديم الرحمة كهذا الذي ألتقت به، خالي من المشاعر لن يرأف بكونها ابنة عمه وتحمل في أحشائها طفلا منه، لم يتأثر بكل ذلك، غادرت القصر بخطوات مسرعة تريد الفرار منه لكي لا يفعل تهديده فهو أصبح شابًا أخر غير التي أحبته وسلمته أعز ما تملك، كانت تظن أنه سيغدقها من حُبه وحنانه ولكنها كانت مُخطئة في كل ما فعلته واخطأت الاختبار وهذه هي النتيجة.. عاد لغرفته كالاسد الجريح يبكي ويصرخ بمرارة الفقد، يهتف مناديا على والديه لعلهم يسمعونه ويشعرون بالحمم البركانية التي تتأجج داخل صدره، قلبه يتمزق ولا زال يقطر دمًا منذ أن غادروا عالمه، لم يذق طعم الراحة ولا النوم ولم يعد يشعر بالسلام الحقيقي، تبدلت حياته ولم تعد كما كانت وكل ذلك حدث بسبب عمه والدها، فكيف سيتقبلها في حياتي بعدما قضى والدها عليه وأصبح بفضله باقيا رجلا، حطامًا، لم يعد يعرف للرحمة عنوان، تجرد من أدميته بفضل عمه وهذا هو عقابها أيضا، أحبت شيطان على هيئة بشر. وفي نوبة هيجانه تلك شعر بطيفها يحوم حوله مثل الملاك الحارس، يراها تبتسم له وتضع يدها ترتب على كتفه، لمساتها عادت له روحه الذي فقدها، تشبث بها وضمها بقوه بين ذراعيه يريد سحقها داخل أحضانه الملتهفة لعناقها، ليجد نفسه قابضًا على سراب. فاق من شروده وأحلام اليقظة التي تداهمه من حين لآخر، تعود له نفسه الضائعة. جفف دموعه وقام متلهفا يسرع في غلق حقيبته مشتاقًا لرؤية محبوبته زمردته النادرة، جوهرته الغالية التي تمتلك لُب قلبه وسيجعلها تمتلك حياته بأكملها. سار يعدو في طريقه ليغادر إلمانيا ملحق كالطير الذي يغرد في السماء الشاسعة ليلحق بسربه، هذا هو الشعور الذي يحتاجه الان، العودة إلى سربه في المملكة العربية للقاء محبوبته كما وعدها بأن تنتظره وسوف يعود إليها، الان يوفي بوعده ويستقل الباخرة ليكون مع حبيبته بعد ثلاثة أيام تبحر بها الباخرة في البحر العاصف الذي يقوده إليها كالامواج الثائرة ليدمس الغشاوة عن قلبه وتطفوا مشاعره الملتهفة للقاء حبيبة الروح.. الفصل السابع ذكريات حفرناھا داخل أعماقنا، وصور حفظناھا في عيوننا، حنين عظيم حبسناه داخلنا، والأشواق باتت واضحة بكلماتنا، والحب لا يمكن أن نخفيه فينا عاد ألبرت إلى الخان ثانيًا وهذه المرة بشعور مختلف، لولا حنينه للفتاة التي جعلت قلبه ينبض بصخب رغم صغر سنها، ساقه الحنين إليها والاشتياق لرؤية جمال وجهها وروحها النقية التي لا تلوث كباقي البشر، هي ملاكه الحارس ورغم بعاده إلا أنه جُذب إليها وعاد كما وعدها باللقاء. قادته قدميه إلى حيث البناية ودلف داخل محل البقالة الخاص بوالدها، قال ألبرت عندما وقف أمامه؛ -مرحبًا رفع "عبدالله" أنظاره ليلتقي برؤية ألبرت أمامه هتف مرحبا بصوت جلي وهو يهنض عن مقعده: -يا الف أهلا وسهلا يا خواجة، المحروسة نورت صافحة بشده وتبسم له الآخر وقال بلكنته المُكتسبة من حديث عبدالله : - منوره دايما بأهلها الطيبين ثم استرسل قائلا: -هل المنزل ما زال فارغًا هز عبدالله راسه بايماءة طفيفة وقال وهو يضع يده على ظهر ألبرت : - فاضية من وقت ما سبتها "كانت زمردة تتعمد أحداث مشاجرة مع أي ساكن يخط بقدمه داخل الشقه، وتنجح في تركها فارغة كأنها كانت تنتظره ليفي بوعده ويعود كما وعدها وهي لن تخذله، منتظراه بقلب متلهف شغوف لرؤيته، تعد الايام والليالي والشهور وكل يوم يزداد شوقها إليه" لم تصدق هتاف والدها عندما سمعته يقف أسفل الشرفة مناديا إليها، لتقف داخل الشرفة تتطلع لوالدها الواقف أسفل الشرفه، شهقت بصدمة وتلألأت مقلتيها الدموع فرحة بوجوده، لم تصدق عينيها التي تُعانق عيناه تلجلجت وهتفت مرتبكة لكي لا يلاحظ والدها ربكتها، ابتلعت ريقها وقالت: -بتنده يا حاج -قوام يا زمرد يا بنتي هات مفتاح الشقة، الخواجة هيقعد فيها عيناه تعانق عينيها بصمت قاتل لكليهما، يود ان يضمها إليه ولا يفصل بينهما كل هذه الحواجز هتف والدها بحدة: -شهيلي يا بنتي، واقفة متسمسرة كده ليه جاء زبون فقالت زمردة لوالدها: -حاضر نازله اهو، شوف اللي وراك يا حاج وأنا هسكن الخواجة ثم قفزت بفرحة وهي تغادر الشرفة ركضًا لكي تجلب مفتاح الشقة سريعًا وتغادر المنزل بلهفة وشوق وحنين لذاك الغائب العائد بعد طول أنتظار الشهور تقابلا سويا على الدرج لم يتحمل رؤيتها أمامه دون أن يقترب منها ويعانقها بكل ما يحتاجه داخل صدره من مشاعر جياشة تقوده إليها ترك حقيبة يده والتقفها داخل أحضانه يضمها بقوة يكاد يكسر عظامها من شدة شعوره بالاحتياج إليها هي وحدها، فمكانتها لن ولم تقربها أي فتاة غيرها. تبادلا العناق بشوق عاصف بكيانهما، ثم ابتعدت عنه خوفًا من أن يراها أحد بهذا الوضع الغير ملائم، فتحت باب الشقة ووجلت لداخل وهو خلفها يحمل الحقيبة ودلف ثم أغلق الباب خلفه ليعاود النظر إليها ويقترب منها ثانيا يلتهم شفتيها في قُبلةُ شغوفة يبث بها حبه وشوقه الجارف لها. "ليس هناك أجمل من موعد اللقاء مع من نحب، موعد ننتظره بفارغ الصبر والشوق الكبير لهم، فعند لقاء من نحب نشعر بالسعادة والسرور للقائه خاصة عندما يكون هذا اللقاء بعد فراق دام طويلا" بعد لحظات ابتعد عنها وظل يجوب بعينيه على ملامحها وجسدها الذي اشتاق لرؤيتهم لتقول هي بعتاب: -انتظرتك. كثيرًا حتى كدت أن اعترف أمام نفسي إنك نسيتني ولم تعود إلي ثانيا التقط كفيها بين راحته وطبع على كل منهما قبلة حانية وهو يقول معتذرًا: -أعتذر منك يا روح فؤادي، لو تعلمين ما حدث تلك الفترة الماضية لتلتمسي لي العذر بسبب فترة الغياب التي طالت، كانت دون أرادتي قالت بلهفة : -أخبرني ماذا حدث معك؟ تبسم لها وقال بمشاكسة: -اراكِ تتحدثين العربية الجيدة غير حديث والدكِ الذي أجد به صعوبه لفك شفرته ضحكت برقة وقالت بحب: -منذ أن سافرت وأنا اتعلم اللغة العربية على يد المُعلم -سعيد بذلك التغير زمردتي -هيا أخبرني ما حدث لك دون كذب ضحك بألم وجلس بالمقعد خلف مائدة الطعام وهو يتنهد بعمق ثم قال بأسى: -عندما وصلت لقصر والدي تفاجئت بهم غارقين في دمائهم، لقد تم قتـ,ـلهم شهقت زمردة بصدمة واغرقت عينيها بالدموع لم تصدق ما قاله، ليسترسل ألبرت حديثه بلوعة وهو يخبرها بما جرت له الأمور ولكن اخفى عنها الجاني الحقيقي ورفض الإفصاح عن أي شيء أخر، أشفقت عليه واحتوته داخل احضانها تبث داخله كلمات بسيطة ولكن أحساسها كان أقوى عليه، مثل البسلم الذي يشفي جروحه، والنور الذي أضاء عكمة ظلامة ، حُبها أحتل قلبه وأستوطنه. ليقول في رغبة جنونية : -تقبلي بالزواج مني زمردتي نكست رأسها حزنًا فهي حقًا عاشت تتمنى تحقيق تلك اللحظة ولكن نست أن ديانة ألبرت غير ديانتها وزواجهما محكومًا عليه بالفشل والنهاية اتية لا محاله والذي بينهما سيدمس في باطن الأرض لن يستطيع الاظهار للعلن. طال صمتها فعاد قائلا : -لماذا تصمُتين هكذا؟ الا تقبلي بي؟ هزت رأسها نافية وقالت بصوت مبحوح: -زواجي منك غير صحيح، ضد ديني الإسلامي تبسم ضاحكا فهو على علم مسبق بأن الفتاة المسلمة لا تتزوج إلا من مُسلم، قال بهدوء؛ -أذا كانت هذه العقبة الوحيدة لاتمام زواجنا فلا تخافين، سنتخلص منها -ماذا ستفعل؟ -سادخل الإسلام واكون مُسلمًا -تتخلى عن ديانتك من أجلي فقط لم يكن ألبرت قاصدًا غير الفوز بمحبوبته مقابل أي شيء حتى لو انه تخلى عن ديانته مثلما تخلي من قبل عن أدميته وتجرد من الرحمة وكسا الحزن قلبه وتبدلت حياته في ليلة وضُحاها، كانه دُفن تحت التراب مع عائلته، ولن يقبل بالابتعاد عن زمردة فهي نفسه التي يُريد أرجاعها، نفسة الضائعة الشريدة، ولن يجعلها تفلت من بين يديه بعدما حصل عليها بالاخير، سيفعل المُستحيل من أجل أتمام هذه الزيجة. ❈-❈-❈ "أحيانًا تتملكنا الرهبة والخوف الشديد من المجهول وما تخفيه لنا الأيام، ولذلك وجب علينا أن نقوي إيماننا بالله وبكل ما يأتي منه، حيث أنه لا يأتي من رب الخير إلا الخير، فهو رب رحيم، كريم بعباده" حمل سليم الخزانة الخشبية وغادر السرداب ثم أغلقه كما كان ووضع المكتبة ثبتها على الحائط وكأن شيء لم يحدث، ثم جلس خلف مكتب والده ووضع الخزانة أعلى المكتب ليفتحها، للغريب انها لم يكن عليها أقفال تم فتحها بسهولة ثم مد كفه ليخرج من داخلها صورة تذكارية قديمة، دقق في الأشخاص الذين داخلها، تفاجئ بوجود رجُل في عمر الخامسون تقريبًا يقف بالمنتصف مرتدي حُلة سوداء وقبعة بيضاء وعلى جانبيه شبان في مُقتبل العمر يضع كتفيه ويحاوطهما معًا، لم يعلم سليم الأشخاص الموجودون بالصورة إلا والده لانه كثير الشبه به لذلك علم الشاب الذي على يمين الرجُل هو والده ولكنه لم يرا مثل هذه الصورة داخل الألبوم الخاص بالعائلة، لديهم العديد من الألبومات التذكراية الخاصه به هو وشقيقه الاصغر مع والديه. دس الصورة داخل جيب سترته وعاد ينظر داخل الخزانة من جديد ليجد دفتر كبير، أخرجه ليجد مدون على غلاف الدفتر اسمه "سليم توفيق" اذا والده يخصه هو بهذا الدفتر الغامض، فتح اول صفحاته وجد نفسه يغوص مع كتابات والده الذي خطها بخط يده، كانه بعالم أخر خاص بماضي والده. ❈-❈-❈ واجهًا ألبرت متاعب كثيرة وصعاب في محاولة إقناع عائلة زمردة بقبول الزواج منه، فقد خشت والدتها ان تبتعد ابنتها وحيدتها عنها وتُهاجر مع زوجها إلى بلدته وتنسى أهلها وعائلتها، وعدهم ألبرت أنه سيذهب هو إلى بلدته لمتابعة شئون عائلته ويعود إلى هنا ولن ياخذ زوجته سيتركها هُنا ببلدتها وبلده الثاني فهو ينتمي أيضًا لعشق مصر وأهلها، بعد ألحاح زمردة وموافقتها على الزواج منه، وبالاخص عندما ذهب مع والده إلى مسجد الحسيني لإعلان أسلامه ونطق الشهادتين، تم تغير أسمه ونسبه عبدالله إلى عائلته ولقبها، وأختارت له زمردة أسمه الجديد، اسمته"مختار" لانه من أختيارها وتمسكها به وهو أيضا متمسكًا بها ووعدها بالا يفترقًا "مختار السعدني" وتم عقد قرانه من"زمردة عبدالله السعدني" وأقام حفل زفاف داخل الخان حضره الأهل والجيران ومكث بالشقة التي نشأ داخلها قصة الحب التي جمعت بينهم ووحدت قلبين، وبدأ معها حياة جديدة سعيدة خالية من الحقد والشر الذي وجده من قبل عمه وطغي على انسانيته ليجرده من مشاعر الرحمة، ويحل محلها القسوة والتجبر الجمود. وقرر شراء دُكان بالخان ويبتاع داخله التحف الاثارية التي يعشقها "بزار خاص بالتحف" ليعمل به أثناء وجوده هُنا وعندما يُسافر ألمانيا يتركه لزوجته اذا أرادت ان تجلس مكانه لتلهي وقتها في غيابه فهو لا يُمانع ذلك وتلك الفكرة راقت زمردة ووافقته الرأي. وعاش في ساعدة دامت شهور إلى أن قرر "مختار" العودة إلى ألمانيا بعدما أرسل إليه أحدى رفاقة خطابًا يُطالبه الحضور من أجل أعمالهم المشبوهة، تردد في بدء الأمر ووجد نفسه كون عائلة وبالاخص بعد معرفته بحمل زوجته الخبر الذي جعله يُقرر الابتعاد عن كل أعماله السابقة وينهي عمله بتجارة السلاح، وسعيد بذلك القرار ولكن عليه العودة ومواجهة الحقائق وكما أنشأ المافيا بنفسه يُفككها بنفسه، ودع زوجته على أمل اللقاء ثانيًا.. وداع لا يعلم متى سيعود منه، يشعر بالريبة وهو يودع قطعة من روحه، لا يجد نفسه ولا يشعر بكونه أنسان إلا بقربها، قربها الذي جعل منه شخصًا أخر رحيمًا، قلبه نابضًا بالحب وروحه مُفعمة بالحياة، لا يود خسارتها ويسعى ليظل جوارها ولكن قيود ماضية تمنعه، عليه وصد صفحات الماضٍ لكي ينعم بالحاضر ويعيش المُستقبل في هدوء وسعادة بجانب أسرته التي اختارها بمحض أرادته، يخشى ان تعلم ما يخفيه عنها داخل صدره وتتركه يواجه مصيره وحده، لن يقبل خسارتها وسيفعل كل ما بوسعى ليمحي قيود الماضي التي مكبلة بأغلال من حديد مُتسلسلة بعنقة، تكاد تخنقه وتزهق روحه.. ❈-❈-❈ داخل فيلا توفيق السعدني.. استيقظت خديجة عند بزوغ الفجر، تصلي فرضها وظلت تدعي لمماثلة أسر الشفاء العاجل، تناجي ربها أن يحفظ لها أبنائها، واستشعرت القلق، سليم لم ياتي حتى الآن نهضت عن سجادة الصلاه ثم تركت غرفتها وقررت ان تذهب لغرفة سليم لكي تطمئن قلبها لعله هاتف زوجته أخبرها سبب غيابه، طرقت باب الغرفة عدة مرات متتالية ولكن لم ياتي ردًا فتحت مقبض الباب ببطء وتطلعت لداخل الغرفة لتجد جسد حياة ينتفض ويرتجف ولم يصدر منها الا انين خافت، تقدمت خديجة بخطوات مضطربة قلقه بسبب هيئتها فجسدها مُمدد بسكون ولكن تصدر منه ارتجفات واهتزازات وعندما اقتربت منها وجدت عينيها جاحظة ولكنها لا تشعر بوجودها ولم تستمع لصوت منادة خديجة -حياة، مالك يا حياة؟ حاسة بأية يا بنتي؟ جلست برفق على طرف الفراش ومدت كفها تلامس جبينها لتشعر بحرارة عالية منبعثة من جسدها، يبدو أنها تعاني نوبة حمى، شهقت بقلق وهي تهمس بخفوت: -يا حبيبتي يا بنتي دي مولعة نار عادت الغرفة سريعًا التقطت هاتفها تهاتف سليم ولكن الاخير لم يجيبها، تنهدت بحزن ونهضت تجلب صحن ماء بارد ووضع داخله منشفة صغيرة وعادت لغرفة حياة تضع لها كمدات على جبينها ليخرج صوت حياة بانين خافت، أشفقت عليها وما حدث معها وسليم بالخارج لم يكن بجانبها وهي تعاني المرض ظلت جانبها حتى أشرقت شمس الصباح وتأكدت من اعتدال حرارة جسدها، تركتها تغط بنوم عميق ثم غادرت الغرفة لتعاود الاتصال بابنها الذي لم يجيبها هو الآخر وجعل قلبها ينهش بقلق، وجلست تنتظره بالصالون ريثما يعود... "الخوف هو ذلك الشعور القاتل الذي إذا تملك من الإنسان سيحول حياته إلى جحيم مُتقد، والخوف الزائد عن الحد يجعل الشخص يتمتع بالسلبية والعبودية" "أقسى اللحظات التي تعيشه الان وأصعبهم ألما وقلبها هو الذي يبكي دمًا دون أن تمتد يده إليها لتحتويها وتسمح على قلبها لعله يتوقف عن النزف ويلمم شتاتها المبعثر، فهي الان حطام، أشبه بشبح الأموات، جسدًا بلا روح، وتتمنى ان تزهق روحها قبل أن تعيش تلك اللحظات القاسية التي لم يتحملها بشرًا" اوهمتها حياة بأنها حقًا ذهبت في نوم عميق وعندما غادرت خديجة الغرفة علت شهقات حياة وجلست على الفراش تحتضن بذراعيها قدميها التي تضمها لصدرها وظل جسدها ينتفض وهي تتذكر كل ما حدث معها ليلا والصوت الذي لا زال يتردد باذنيها حتى الآن. وضعت كفيها تغطي أُذنيها عندما بدء الهسيس في تزايد يكاد يخترق طبلة أذنها وهي رافضة الخضوع لذلك الصوت المفزع الذي جعل جسدها وقلبها يرتجف بذعر وخوف فقدت قدرتها على النطق وشُل لسانها لم تعد قادرة على حركته والصراخ لكي ينجدها أحد منما هي تشعر به، ترا نفسها داخل دوامة تأخذها للجحيم وتغمسها بكامل جسدها في نيران مشتعلة تريد ألتهامها. كلما أغمضت مقلتيها ترا نفسها محاطة من كل جانب بجبال من نار وأشواك تلاحقها ومارد ضخم ليس له هيئة مخيفة مغطي جسدة النار المتوهجة، يخرج صوته المبهم بفحيح، يطالبها الخضوع له وتسليمه جسدها بعدما تم حرق زوجته" ليليث" بسببها فهو يُريد امتلاكها وراغبًا فيها بأن تكون البديل لزوجته وإلا ستُهلك للأبد "حلمي تحطم و اختفى و العزم في قلبي غفا و الدمع من عيني يسقط مرهفا املي تحطم في الصخور و الحزن اضحى بي يدور و الياس يكتب نفسه بين السطور الخوف قيد اضلعي لم يبق لي شخص معي و شعرت همسا خافتا في مسمعي همس يقول الى متى ستظل تغرق في البكا" "محاولة الإنسان الهرب من قدره المكتوب يشبه كثيراً الركض ضمن متاهة بمسارات متشابهة، مهما حاول الإنسان الخروج منها، سيعود لنقطة أساسية فيها، هي نقطة القدر. ❈-❈-❈ جحظت عيني سليم وهو يقرأ ما خطه والده وعندما وصلا لأسم جده الحقيقي "ألبرت" الذي أسلم وأنسب نفسه لعائلة زوجته أذا لا أصل لعائلة السعدني كما أوهمه والده من قبل ظل يردد أسمه كاملا"سليم توفيق مختار السعدني" ثم ضرب بقبضته المكتب بقوة وهو غير مُصدق تمامًا لاسرار والده الخفية وعالمه الآخر الذي لا يعلم عنه شيئًا.. ترك سليم المذكرات الخاصة بوالده ثم غادر الفيلا متوجهًا إلى المشفى أولا للاطمئنان على وضع شقيقه ثم يذهب إلى فيلته لرؤية والدته وعرض عليها تلك الصورة ليعلم هل والدته على علم بحقيقة جده ووالده وما الشخص الآخر الموجود معهم بالصوره.. ❈-❈-❈ الفصل الثامن صفا سليم سيارته أمام المشفى ثم ترجل منها وسار بخطوات واسعة يدلف لداخل، وصعد إلى حيث العناية لكي يطمئن على حالة شقيقه. ارتدا ملابس التعقيم ودلف العناية برفق، ليجد شقيقه نائم محتضن زوجته تبسم في هدوء ثم غادر ثانيا العناية بخطوات بطيئة لكي لا يُقظهم ثم سار بخطواته يبحث عن الطبيب الذي يُتابع شقيقه ليعلم منه بأن أسر يتماثل الشفاء مؤشرات المخ والأعصاب سليمة لم يتاذى وهم مُسيطرين على حالة الصرع، ياخذ علاجًا يساعد على تخفيف النوبة الصراعية. غادر سليم المشفى ثم قاد سيارته متوجهًا إلى الفيلا لكي يجلس مع والدته ويتحدث معهًا عن ماضٍ والده الذي عرفه وعن حقيقته الخفية التي لم يكن يعلم عنها شيء. وفي غضون دقائق معدودة كان يدلف بسيارته داخل حديقة الفيلا، ثم صف السيارة وترجل منها، وهم بخطواته ليولج داخل الفيلا وعيناه تبحث عن وجود والدته. كانت خديجة جالسة في غرفتها بعدما تركت حياة نائمة واطمنت من خفض حرارة جـ سدها، ظلت قابعة بغرفتها تنتظر عودة سليم ومن حين لآخر تنظر من خلف ستائر شرفتها تتفقد عودته، لتتنفس الصعداء عندما وجدته يصف السيارة ويترجل منها، تركت غرفتها لتلقي به وهي حزينة على غيابة عن المنزل ولم تتوقع منه أن يترك زوجته في أول أيام لها في هذا المنزل تقضي ليلتها وحيدة دون زوجها وتُصاب بالحمى، كما أنه لأول مرة يبيت خارج المنزل وهذا ما اقلقها يكفي الوضع الذي به شقيقه، نُجى من الموت بمعجزة الهية. عندما لم يجد والدته بالأسفل، صعد إلى حيث غرفتها لتلتقي به واقفة على أعتاب غرفتها تنتظر قدومه، اقترب منها يقبل جبينها قائلا: -صباح الخير يا أمي ردت خديجة باقتضاب: -صباح الخير يا سليم تركته و دلفت غرفتها وهي تقول بجدية: -تعال في اوضتي عايزاك لحق بوالدته ثم أغلق الباب وتقدم بخطواته منها ينظر لها بغرابة وقبل أن تفتح خديجة فاها، اخرج سليم الصورة التذكارية القديمة وقربها إليها متسألا: -عارفة حاجة عن الصورة دي دققت خديجة النظر داخلها ثم التقطها من ابنها وعادت تطالعه بدهشة ثم قالت: -اللي على اليمين باباك وهو شاب ثم ضيقت حاجبيها ودققت النظر ثانيا، تسأل سليم عن الشخصين الآخرين ولكنها هزت رأسها نافية فلم تعرفهم ولكنها نظرت لابنها مُندهشة وقالت في تسال: -جايب الصورة دي منين؟ دي باين عليها قديمة أوي زفر سليم أنفاسه بضيق والدته لم تعرف شيئًا عن ماضي والده وإلا كانت علمت بالأشخاص الواقفين جوار والده. رد بضيق : -لاقيتها في الفيلا القديمة -وانت بقى سبت مراتك لوحدها وفضلت في الفيلا القديمة لصبح لم يشعر بالوقت بسبب المفاجأة الغير متوقعة ولم يدرك خطأه إلا عندما استرسلت خديجة حديثها قائلة بلوم: -مراتك تعبانة من امبارح بالليل وحاولت أكلمك كتير ماردتش عليه هتف بقلق : -حياة تعبانة مالها؟ -كان عندها سخونية عالية وعملت لها كمدات طول الليل وهي بتترعش طول الليل، يادوب غمضت عنيها ترك سليم غرفة والدته بخطوات واسعة وهو يشعر بالذنب بسبب ما مرت به حياة من تعب وهو بعيدًا عنها ❈-❈-❈ أقبليني... ستكوني الملكة لا وقت للهروب بصوت هسيس يأتي من بعيد ويقترب منها ببطء شديد انتفض جـ سدها في رُعب وظل يهتز برجفة قوية، وجدت ماردًا مُخيف يرتدي رداء أسود كاحل ويغطي رأسه بالقنسلوة وملامح وجهه لم يظهر منها شيئًا سوا بؤبؤة عيناه الواسعتين الجاحظتين التي تكاد تخرج من محجرها باللون الأحمر الممزوج بالأزرق خرج صوته بغلظة يناديها أن تخضع له وتُسلمه نفسها بأرادتها فلم يعد وقتًا للفرار، لقد انتهى وقت القرار، هي الآن مسلوبة الأرادة، عقلها رافض الاستيعاب تُريد الصراخ ولكن لسانها مُلجم، مُقيد، مُنعقد لن يبوح ولن يهتف ولم يعد قادرًا على الحراك. جـ سدها مُتصلب يتعرق بغزارة يشتعل مثل الحمم البركانية ثم تنخمد الشُعلة ثانيًا بين لحظة وأخرى يتبدل حالة جسدها من برودة صقيع لجمر متوهج والصوت يزذاذ وتلك المرة ملفوف حول المارد من الجانبين أطفالا صغار مرتدون ملابس سوداء أيضًا ووجههم مُغطا، يهللون ويهتفون بأسم الملك "غاون" غاون"غاون" يتقدمون من حياة يلتفون حولها ويقتربون منها ممددون بذراعيهما التي طالت إليها وامتدت يقدمون على حملها وهم ويهتفون باسم ملكهم "غاون" هتف "غاون" بغلظته التي لم يتحملها بشرًا وقال مجلجلا بصوته الاشج : -لا تقاومي حياة... بسببكِ أنتِ خسرت المملكة الملكة ليليث زوجتي وأنتِ ستحلين محلها، هذا أنتقام غاون.. حملوها الأطفال الصغار ورُفع جـ سدها عن الفراش ولكن هبط فجأة عندما أنفتح باب غرفتها وولج سليم داخل الغرفة، رحل كل من كان معهًا بالغرفة، طالعت وجه سليم بفزع وخوف تُريد البوح بما يحدث لها ولكن لا زال لسانها معقودًا عن الكلام. اقترب منها سليم بخطوات مُتلهفة ثم جـ سى بجوارها على الفراش يضع كفه يلامس وجهها بحنان وهمس لها بقلق: -حياتي مالك، فيكي أيه؟ قبل وجنتها وقال مُعتذرًا عن غيابه: -انا أسف يا حياتي، انشغلت عنك، بس انا جنبك يا قلبي ومش هسيبك، قوليلي حاسة بأية؟ قبضت حياة بقبضة يديها الصغيرتين على قميص سليم تتمسك به في خوف وفزع، ضمها لصـ دره بحنان وظل يُمـ سد على كتفها وظهرها يُطمئنها بوجوده وظن انها لم تقدر على الحديث بسبب حرارة جـ سدها العالية وصوت أنينها الخافت، اشعره بالعجز والتقصير في حقها فهي ليس لديها شيء بما يحدث معه ومع عائلته الآن، يشعر بالالم الذي وغز قلبه بسبب رؤيتها على تلك الحالة، فهو بين نارين نار الماضي والحاضر، قيود تجذبه للماضي ولن يستطيع التحرر منها . فلا أحد يُحب قيوده التي وقع بها رغما عنه، كل شيء حوله يتهالك، لا يعلم إلى متى سيظل مُحتفظًا وحده بقيود والده إلى متى سيدفع ثمن أخطاء لم يقترفها إلى متى ستجرف به الرياح؟ يطالع جـ سد حياة المتشبث به بخوف، هو حقًا لن يستطيع أاذيتها، يعلم بأن المافيا لن تتركه على قيد الحياة بعد علمهم بأن شقيقه هو الذي تم أصابته وهو هدفهم، تذكر المذكرات الخاصة بوالده وقرر أن يعود ثانيًا ليقرا ما تركه والده له لعله يفهم الدوامة التي تسحبه معه في قاع المحيط اما ان ينجو وأما ان يغرق وينتهي أمره.. ❈-❈-❈ تابع سراج العمل داخل شركة السعدني بدلا عن سليم المُنشغل بمرض شقيقه، لكن لا يعلم الذي يُخطط له سليم ولم يخبر أحد به. هاتفته فريدة تخبره بأنها ستذهب مع والديها إلى المنصورة بسبب زيارة عمها، زوجته تحضتر وشقيقه يُيد مقابلته. وافقها سراج الرأي واعتذر منها عن سبب انشغاله بعمله، بسبب الوضع الحالي للشركة، لم تغضب منه فهي تعلم مدا الصداقة القوية التي بينهما وأسر بظروف صحية، تمنعه من ممارسة عمله، بينما سليم منشغل بكل ما وقع على عاتقه بين عشية وضُحاها. بعدما أغلق سراج الهاتف مع خطيبته، صوب أنظاره على الحاسوب وباشر بنفسه الايميلات الخاصة الذي كان يطلع عليها سليم بنفسه، ليتفاجئ بايميل مُرسل من نيويورك لا ينتمي لاي شركة يتعاملون معها، جخظت عيناه بصدمة عندما قرأ مضمونة، نهض واقفًا يغادر المكتب بلا الشركة بأكملها، يريد أن يلتقي بـ سليم الان لمعرفة ما سبب هذا الإيميل ومن الجهة المسؤلة عن أرسالة.. استقل سراج سيارته وقرر الذهاب إلى سليم مباشرة لاخباره بما قرءه، يُريد تفسيرًا بما يحدث معه الآن وبالاخص بعد الحادث الذي تعرض له أسر. بعد مرور خمسة عشر دقيقة صفا سراج سيارته وترجل منها مسرعًا، سار بخطوات واسعة أشبه بالركض ثم وقف أمام الباب يسترد أنفاسه بهدوء ثم رفع انامله يضغط زر الجرس، لتاتي الخادمة بعد لحظات تفتح له الباب تستقبله بترحاب، دعته بالجلوس إلى غرفة الصالون وذهبت لاعلام سليم بوجوده. جلس سراح يهز قدمه بتوتر وهو يطالع الباب ينتظر ظهور سليم، الذي عندما أخبرته الخادمة بوجود سراج، انتابه القلق، ترك حياة برفقة والدته وذهب لمقابلة سراج. عندما لمح قدومه نهض عن مقعده في توتر واقترب منه هتف سليم مرحبا به : -أهلا يا سراج تلفت سراج حوله بقلق ثم جذب سليم من ساعده وهو يهتف بتوتر : -لا اهلا ولا سهلا، تعالى نتكلم في المكتب -في ايه؟ قالها سليم بقلق بعد تصرف سراج الغريب، دلفوا المكتب، ووقف سراج في مقابلة سليم يخبره بريبة الايميل الذي قرءه وجعله قلق بهذا الشكل... صرخ سراج منفعلا : -عاوز افهم المقصود أيه وليه حياتكم في خطر ومين الجهة اللي بتهددك يا سليم، في سر جواك مش راضي تقوله، عرفني في ايه؟ لازم تعرف انك مش اخو أسر وبس لا انت اخويا الكبير ومثلي الأعلى. خارت قوته وهوى بجسده على الاريكة التي خلفه ثم نكس بوجهها أرضا ووضع كفيه يحاوط رأسه في يأس وقال: -نفسي يا سراج أخرج السر اللي عشت سنين احافظ عليه، نفسي ارتاح، نفسي اغمض عيني وانام بدون قلق وكوابيس وخوف من الجاي، نفسي افرح من قلبي مش اشيل هم بكرة، نفسي في حاجات كتير ومش قادر اخرجها. انحنى سراج أمامه ووضع كفه على ظهره قائلا: -وأنا روحت فين، عرفني في أية واوعدك مافيش مخلوق هيعرف باللي دار بينا دلوقتي زفر أنفاسه بهدوء ثم نهض عند مقعده وأمسك سراح من كتفه وقال: -تعال معايا، هتعرف كل حاجة بس مش هنا سار بجواره مغادرين الفيلا، استقل سليم سيارته وجلس سراج بالمقعد المجاور له لينطلق سليم يشق طريقه حيث وجهته المنشودة، يُريد ازاحت الحمل الذي يثقل صدره، يريد أن يشارك احد همومه.. ❈-❈-❈ في المنصورة. عندما وصل فاروق وعائلته المنصورة، قرر الذهاب أولا لمنزل شقيقه، اصطحب زوجته معه ثم ترك فريدة وأمل بمنزلهم الذي لا زال موجودًا. تنهدت أحلام وسارت بجانب زوجها وهي تهتف في حزن: -مش قادرة يا ابو حياة ابص في وشها، قلبي بيتقطع كل ام افتكر حصل ايه لحياة ربت على كتفها بحنو وقال بطيبة قلب : -أحنا أهل يا ام حياة، حقك عليا أنا، اللي عملته أم طارق كبير اوي وربنا يمهل ولا يهمل، وأحنا قلوبنا عامرة بوجود ربنا، ربنا يتولاها في بلاءها -مش قادرة أسامح من قلبي قالتها بحزن ثم أنهمرت دموعها كلما تذكرت ما أصاب ابنتها على يد زوجة عمها وكل ذلك عندما رفضت حياة الزواج من ابنها طارق، سعت بكل الطرق لكي تهدم حياتها عن طريق الدجل والشعوذة. حاوطها فاروق من كتفها وقال بحنو فهو يعلم انها أم ولن تنسى من تسبب بالاذي لإحدى بناتها : -خلاص يا ام البنات مش هغصب عليكي تيجي معايا، مدام مش قادرة ولا مستعدة دلوقتي مش هلومك ولا هجبرك، روحي خليكي مع البنات وانا هشوف اخويا واطمن عليهم ومش هتاخر هزت رأسها بالموافقة فهي حزينة على كل ما مرت به ابنتها من معاناة ولن تصفح بهذه البساطة لأنها تعلم بأن ابنتها لازالت تُعاني من داخلها، فكل ما مر عليها ترك جُرحًا بقلبها ولن تتماثل الشفاء بعد. عادت أحلام لمنزلها وظلت تنتظر عودة زوجها اما فاروق فأكمل طريقه في الذهاب لمنزل شقيقه الأكبر"شريف" وقف فاروق يطرق باب الشقة، ليجد طارق هو الذي يفتح له الباب، فلم يصدق طارق نفسه ارتمى بأحضان عمه الذي التقفه بحنو وظل يربت على ظهره لتعلوا شهقات طارق الذي يبكي -وحد الله يا بني ابتعد طارق عن أحضان عمه ودعاه للدخول، ولج فاروق لداخل وهو يحاوط طارق بكتفه : -عامل ايه يا طارق يا بني؟ مح دموعه المنسالة على وجنته وقال بصوت خافت؛ -الحمدلله يا عمي بخير -يارب دايما بخير يا حبيبي ثم قال بتسال: -انت جيت أمته من سفرك اجابه بأسى: -من يومين تنهد فاروق بحزن عميق على حالة ابن شقيقه الذي ضعف جسده وهزلت روحه، كانه يرا كهلا لا شابًا في ريعان الشباب، همس داخله يردد: -لا حول ولا قوة الا بالله غادر شريف غرفة زوجته ليرا شقيقه، اقترب منه فاروق يعانقه بشوق جارف، قال شريف بأسف وحزن: -واحشتني يا اخويا، حقك عليا ابتعد برفق وهو يبتسم له ثم قبل راسه بود: -حقك عليا أنا، غصب عني انشغلت عنك، في ظروف كده هقولك عليها، بس طمني الأول على ام طارق، عامله ايه دلوقتي قال بياس : -زي ما هيه -ربنا يشفيها ويعافيها ويقومها بالسلامة يا رب العالمين قال بتنهيدة يأس:. -يارب اصطحبه شريف لغرفة زوجته الممددة على الفراش شاحبه الوجه هذيلة الجـ سد، ساكنة تمامًا فقط بؤبؤة عينيها الجاحظتين هي التي تدور بالغرفة، صوتها يكاد يكون مسموعًا، وخز ينخر عظامها، ألم يقتـ,ـلها في الدقيقة مائة مرة، السرطان ياكل من أوصالها، وهي لا تستطيع مقاومته بعدما تمكن منها، الجلسات الكيماوي لم يعد يجد نفعًا في حالتها المُتأخرة، يهاجمها المرض سريعًا فمنذ أن علمت باصابتها بسرطان العظم وهي في المرحلة الأخيرة، منذ شهرين وهي على هذا الوضع. وعندما علم طارق لم يتأخر في العودة لكي يكون جانبها في أخر لحظات حياتها، فعلت به الكثير وكان يود الهرب ولكن قلبه النقي لم يقدر على التخلي عن مسئوليته فهما حدث منها فهي ستظل والدته وهذه حقيقة لن يتخاذل عنها. أشفق فاروق على حالتها تلك فهذه السيدة المُتسلطة زوجة شقيقه، صاحبة الكلمة المسموعة، ذا الجبروت والقوة هكذا هزمها المرض، هذه نهايتها ستموت بسبب مرض لا دخل لنا به، قال بصوت حزين على وضعها يحاول مؤاستها: -الف سلامة عليكي يا ام طارق، ربنا يعفو عنك طالعته بنظرة ندم وحسرة على ما فعلته بالماضي وهذا عدل ربنا فيما كانت تنوي فعله في حياة، كانت تُريد موتها بالنهاية وتدمير سمعتها وشرفها وحياتها بأكملها، هذا عدل الله في الأرض، فماذا عن عدله في السماء، سوف يقتص منها على كل ما فعلته بتلك المسكينة التي لا حول لها ولا قوة من أمرها.. (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) لم تهتف إلا بصوت خافت جملة واحدة تتردد دائما على لسانها: -قول لحياة تسامحني... روحي متعلقة بكلمة منها جف حلق فاروق وقال لكي يطمئنها: -حياة مسامحه يا ام طارق هزت رأسها بخفة وقالت وعينيها تذرف الدموع: -لا.. حياة بتواجه مصير مالهاش ذنب فيه، حياة تعبانة الشيخ مبروك ماقدرش يبعد عنها الجن، خاف ياذيه اقترب طارق من والدته يريد تفسيرًا لحديثها، قبض على كف طارق وقالت بصوت مُتقطع:. -سامحني يا بني الدجال ماعرفش يفك السحر، حياة دلوقتي في خطر بتواجه لوحدها شعر فاروق بغصة داخل حلقة ووخزة بصدره فلن يتحمل رؤية ابنة تعاني ولن يقبل للايام القاسية ان تعود، وهم مغادرة منزل شقيقه بقلق على أبنته وقال بخوف؛ -لازم اوصل الشيخ عبدالله وأخده معايا مصر، علاج حياة عنده اغمض طارق عيناه باسى وهو يودع عمه، وبعدما ترك فاروق المنزل، سار طارق غاضبًا إلى غرفته ليترك دموعه العنان، لعنة السحر والداجالين ستظل تلاحقهما وكل هذا بسبب والدته، لا يعلم كيف سيسامحها على كل هذا الكم من الكره والحقد لزوجة عمه وبناتها.. بقلم فاطمة الألفي.