نعيمى وجحميها 4
نعيمى وجحميها 4
على سطح المركب النيلي كان الاحتفال الذي أعده لها ، وقد خصص لهم فقط مع الفرقة الموسيقة التي كانت تعزف وفرق النوادل لخدمتهم، محروس وزوجته وبناته على طاولة وحدهم ، كاد أن يفضحهم بفرط فرحته ، أو كلما تناول شيئًا جديدًا من ألأصناف التي كانت تقدم أمامه على الطاولة ، لولا نصائح الفتيات الصغيرات له ، وتذكيرهم الدائم له ، بأنه والد العروس فيعود لرشده وغضبه بعد أن ذهبت عنه وكالة العروس على اَخر لحظة ، وحل محله هذا المدعو خالد .
في الطاولة الاخرى جلست كاميليا مع غادة ووالدتها ، تنظر اليهم بتحدي وثقة، غير عابئة بنظرات إحسان لها ، ومشاعرها التي تغيرت ناحية غادة ، بعدما سمعت بما فعلته وأخبرت به عماد .
كانت الموسيقى تعلو وتشدوا بالأنغام الجميلة وخالد على طاولته مع خطيبته وعيناه تتنقل كل دقيقة نحو ابنة قلبه ، فيناغشها بعيناه ، ليثير غضب الاَخر.
– ما كفاية بقى يازهرة، بصيلي بقى وخلي عندك دم شوية .
هتف بها جاسر بغيظ نحوها فجعلها تحدق به فترفرف برموشها الصناعية غير مستوعبة الجملة التي صدرت منه :
– انا اخلي انا عندي دم ياجاسر؟
اقترب برأسها يرد بعتب:
– طب وعايزاني اقولك طيب وانا شايفك مش مركزة معايا خالص واكنك عايزة تقومي من جمبي وتروحي تقعدي مع خالك دا اللي سايب خطيبته وعمال يعاكسك عشان يغيظني .
– يغيظك ! طب ليه ؟
تفوهت بها ضاحكة بعدم تصديق ، اثارت السعادة به ليقول لها :
– معرفش بقى روحي اسأليه ، باينه كدة مضايق اني اخدتك منه، طب يعني مش يخليه في حاله هو مع عروسته ويسيبنا احنا الغلابة نفرح ببعض .
اندمجت في الحديث معه وقد استرعى اهتمامها ، فردت بابتسامتها التي تسلب لب قلبه :
– طب خلاص ياسيدي اديني انتبهتلك ومش هابص على خالي تاني عايز تقول ايه بقى ؟
رد بابتسامة متوسعة على وجهه:
– اقولك ياستي، بس في الأول بقى انا كنت عايز اسألك ، عجبتك السهرة .
أجابته بابتسامتها الجميلة :
– عجبتني ، بس بصراحة أجمل مافيها هي اني وسط عيلتي ، عشان من غيرهم لا يمكن كنت هاحس بطعم أي حاجة حلوة.
تناول كفها ويقبلها للمرة الألف غير عابئ بخجلها ولا اعتراضها .
وعلى طاولة خالد الذي كان يتأملها صامتًا ، سألته نوال :
– إيه بقى ياعم ؟ مش تفتكرني كدة ولا انت ماصدقت تشوف حبيبتك عشان تنساني .
تنهد خالد مطولًا قبل أن يجيبها بوجه ذهب عنه الهزل :
– قلقان عليها يانوال ، الدنيا اللي هي دخلاها على قد ماهي جميلة ومبهرة لكن في نفس الوقت كلها مشاكل وصعوبات ، موجة عالية بترفعها لفوق قوي ، خايف لمتقدرش عليها فتوقعها ولا لاسمح الله تكسرها.
نكزته بخفة بقبضتها على كفه الممدودة على الطاولة تردد :
– وتوقعها ليه ولا تكسرها كف الله الشر ياسيدي ؟ ما انت قاعد هو وبتراعيها، مش بتقول انك خلاص وافقت على عرض الراجل اللي قالك على الشغل في شركته هنا في البلد .
رد هو بتأكيد :
– ان شاء الله انا حسمت أمري وهقبل بالوظيفة، مش هاقدر ابعد تاني عنك ولا عن رقية ولا هاقدر اسيبها هي تواجه الموج ده لوحدها .
قالت نوال :
– حلو أوي ، بس على فكرة بقى ، جاسر بيحبها وباين في عيونه اللي فضحاه، انا شايفة انه يقدر يسعدها كمان، ماهو كان لازم يجي اليوم ده ياحبيبي ، وزهرة مش هاتفضل العمر كله بنوتك الرقيقة ، اللي بتخاف عليها من الهوا الطاير.
كشر بوجهه لها بطرقة فكاهية اثارت ابتسامتها كالعادة قبل أن ينهض فجأة قائلًا :
– بقولك ايه ؟ انا قايم اغير واشوف الناس اللي بتعزف عالفاضي دي ايه عندهم ايه تاني شعبي ، عشان انا حاسس نفسي هنا بالشكل دة .
ضحكت نوال وهي تراقبه يذهب نحو الفرقة الموسيقة والذي تحدث معهم قليلًا قبل أن تعزف الفرقة ألحانها الشعبية ارضاءًا له ، ليقوم بالرقص عليها لافتًا أنظار الجميع حوله ، حتى زهرة التي اندمجت قليلًا في حديثها مع جاسر ، عادت بأنظارها لتجده ينظر نحوها غامزًا وهو يميل يمينًا ويسارًا ويلوح بيداه في الهواء ، جعلها تضحك من قلبها والاَخر يراقبها ويضرب بقبصته
على سطح الطاولة، منتظر انتهاء هذا العرض الذي اشترك به صديقه طارق أيضًا بجنون رقصاته هو أيضًا، ليتبعه محروس والفتيات أشقاءها الصغار ليشاركن خالد الذي جاملهم قليلًا ثم ذهب إلى زهرة يسحبها وهي تعترض بضحك مرددة :
– معرفش ياخالي انت عارفني .
وهو مستمر بسحبها غير عابئ لجاسر الذي يتاَكل من الغيظ يحاول بصعوبة كبح شيطانه ، حتى وضعها في الوسط لتتمايل معه بخفة ، وهو يديرها بين يديه وشيققاتها يلتففن حولها بخفة بفرحة أسعدتها بينهم ، لتنضم اليهم غادة تشاركهم ، أما كاميليا فكانت تتابع صامتة بعد أن وقفت بزاوية وحدها ، حتى وجدت من يشاركها .
– مابترقصيش ليه معاهم ؟
– قول لنفسك ما انت كمان مابترقصش .
ابتسم على قولها يرد :
– انا بصراحة ماتعودتش ارقص .
– وانا بقى مابعرفش ارقص .
ازداد اتساع ابتسامته على ردودها الفورية ، فقال :
– بس انا اللي اعرفه بقى ، ان مافيش بنت في مصر ما بتعرفش ترقص .
قالت هي بتأكيد :
– لأ ياسيدي خديها مني قاعدة ، في بنات كتير في مصر مابتعرفش ترقص وانا منهم .
استند بظهره على السياج الحديدي يسألها :
– طب ليه بقى ؟ انتِ مابتحبيش ولا انتِ من هواة الرقص الغربي .
ارتفع حاجبيها وأخفضتهم فجأة فقالت باندهاش :
– الرقص الغربي ! ايه ياعم كارم ؟ هو انت فاكرني قريبة جاسر بيه، دا انا تربية الحارة ياعم ، يعني بقى اغاني شعبية ومهرجانات وهيصة بقى، بس انا برضوا مابعرفش ارقص .
– برضوا !
اردف بها ضاحكًا قبل أن ينتبه على صوت الموسيقى الذي تغير فقال مازحًا :
– إيه ده ؟ هما سمعونا ولا إيه ؟ دول جابوا موسيقى غربي فعلاً .
– اه بس دي هادية .
قالتها كاميليا وقد لفت نظرها جاسر الذي تحرك من جوار الفرقة الموسيقية ليخترق الدائرة وسط الجميع ، يحتضن زهرة المذهولة ليرقص بها رقصة رومانسية ، ضحكت من قلبها كاميليا وهي تتابع صديقتها التي كانت كالدمية بين يديه من صدمتها وهو يحركها ويميل بها ، امام انظار الجميع .
حتى وقعت عيناها على يقف في الوسط واضعًا كفيه في جيبي بنطاله يرمقها بغضب ، يبدوا انه توقف عن الرقص منذ فترة ، غمغمت داخلها من هيئته باستغراب :
– ودا ماله ده بيبصلي كدة ليه ؟
والى زهرة التي كانت لا تستوعب هذا القرب منه وجرأته في سحبها من بينهم ليلصقها بجسده ، يتمايل بها بنعومة وبيدٍ خبيرة يحركها بين يديه، ناظرًا اليها بتحدي على الأعتراض ، هي أو خالد الذي كانت خطيبته تحاول جاهدة بمزاحها لتلهيه عن مراقبتهم بتحفز .
استمرت الرقصة واستمر الحفل الصغير الجميل حتى انتهاءه ، وغادر الجميع الا خالد وخطيبته ومعهم كاميليا التي أصرت على مرافقتها .
………………………..