جواد بلا فارس ٦
جواد بلا فارس ٦
توافد الرجال فى القرية على مسجد القرية الذى جهزه “كريم” بكل ما يلزم .. ابتسم “آدم” الجالس على الأرض فى انتظار بدء الخطبة وهو يميل على “زياد” قائلاً :
– ما شاء الله .. حلوة أوى فكرة المسجد فى القرية .. عشان الناس متكسلش تطلع بره القرية يدوروا على مسجد يصلوا فيه .. أهو كده مفيش راجل فى القرية له حجه ..
ابتسم “زياد” وهو يتأم المسجد قائلاً :
– فعلاً فكرة حلوة أوى
ثم التفت الى “آدم” قائلاً :
– والله الواحد حاسس براحة كبيرة هنا .. غير ما كنا بنحس فى قرية النحس “شكرى” ..أعوذ بالله الواحد هناك كان بيبقى قلبه مقبوض على طول .. لكن هنا سبحان الله كفابه ان الواحد ضميره مرتاح
ابتم “آدم” قائلاً :
– ده غير معدلات الشغل هنا .. أنا صعقت من الأرقام
قال “زياد” بمرح :
– قال احنا اللى كنا فاكرين ان قرية “شكرى” عليها اقبال .. لو جه شاف معدلات الحجز فى القرية هنا هيقفل قريته ويعد فى بيتهم
ساد الهدوء فجأة عندما اعتلى الإمام المنبر .. نظر “آدم” و “زياد” الى بعضهما فى دهشة .. فلم يكن الإمام سوى .. “كريم” .. ألقى نظرة على الموجودين وتلاقت أنظاره بأنظار “آدم” و “زياد” .. ثــم .. بدأ خطبته :
– الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد : يقول الله عز وجل ” وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ” .. فمن رحمة الله عز وجل بعباده أن باب التوبة مفتوح فى كل زمان ومكان حتى تشرق الشمس من مغربها .. رخصة لكل انسان وقع فى معصية أو ذنب صغيراً كان أم كبيراً .. يستطيع بتلك الرخصة أن يتوب الى الله عز وجل فيغفر له ذنبه ويمحيه تماماً من صحيفة أعماله كأنه لم يفعله فى حياته قط .. فلنتحدث عن أنواع البشر وأنفسهم .. هناك شخص يملك بين جنباته نفس أمارة بالسوء .. وصاحب هذه النفس والعياذ بالله يقبل على المعصية ويميل اليها دائماً دون أدنى شعور بالذنب .. يقترف المعصية سراً وجهاراً ليلاً ونهاراً .. دون ان يطرف له جفن .. ونسى الملك المطلع عليه من فوق سبع سماوات .. وهذه النفس استحوذ عليها الشيطان تماماً فسار يحركها كيف يشاء .. وهى مأوى للشر فى جسم الإنسان .. ومنبع للشر .. واذا قيل له لماذا تفعل ذلك يا عبد الله .. تعلل بعلل واهية ويضع أخطائه على شماعة “إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا”
كان “آدم” يستمع الى الخطبة دون أن يرف له جفن .. تعلقت عيناه بكريم وتعلقت أذنيه بكلماته .. أكمل “كريم” قائلاً :
– النوع التانى هى النفس اللوامة .. والتى أقسم الله بها فى سورة القيامة “لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” .. وهى نفس فى صراع دائم بين الخير والشر .. اذا ارتكب صاحبها ذنباً .. ظل يلوم نفسه .. ويؤنبها .. ويستشعر ذنبه وتقصيره فى حق الله .. يتذكر يوم القيامة والآخرة فيتحسر على ما اقترف من ذنوب .. ويندم على ما فات من حياته ..
أما النوع الثالث هو النفس المطمئنة .. وهى منبع الإيمان فى صاحبها .. فهى نفس خاشعة متوكلة على ربها .. واثقة بالله .. محبة لله .. خاضعة لله .. تشتاق الى الله .. والتى قال الله عنها “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي” .. فأسأل الله أن يرزقنا جميعاً تلك النفس المطمأنه