جواد بلا فارس ٦

جواد بلا فارس ٦

*************************************
أغلقت “آيات” باب الشقة خلفها وهبطت الدرج وهى تشعر بالتوتر .. ظلت تذكر الله فى نفسها علها تهدئ من روعها .. خرجت من البناية لتجد “كريم” منتظرها فى سيارته .. وخلفه .. “آدم” فى سيارته .. أشاحت بوجهها حتى لا تقع عيناها عليه .. لكنه تابعها بعينيه وهى تلف حول السيارة لتركب بجوار “كريم” .. لاحت ابتسامه على شفتيه وهو ينظر اليها .. ود لو تحدث معها .. لكنه يعلم بأن عليه أن ينتظر .. فمهمته ليست سهلة على الإطلاق !
انطلقوا فى طريقهم الى القاهرة .. قاموا بعدة خطوات وفى أكثر من مكان حتى يتم الغاء شهادة الوفاة واثبات أنها مازالت على قيد الحياة .. فى منتصف النهار كان بلغ منهما التعب والجوع مبلغه فإقترح “آدم” الذهاب الى أحد المطاعم لتناول طعامهم .. جلس ثلاثتهم حول الطاولة .. كان بين “آيات” و “آدم” مقعد فارغ .. لكن فى المقابل كان فى مواجهتها تماماً .. حاول “آدم” قدر استطاعته ألا ينظر اليها حتى لا يثير حنق “كريم” .. وضعت عينيها فى طبقها ولم ترفعهما قط حتى لا تصطدم لوجهه .. لكن رغماً عنها تسرب صوته الذى طالما عشقته الى أذنيها .. ذكرها صوته بكل شئ .. بكل تفاصيل علاقتهما .. تذكرت أول مرة رأته فيها .. عندما كان سائق السيارة الأجرة يتشاجر معها .. تذكرت كيف رأته وقتها فارسها وهو واقف بجوارها يدافع عنها ويحميها من بطش الرجل بها .. تذكرت كيف كنت تنتظر مواعيد محاضراته بفارغ الصبر .. وكيف كانت تنظر اليه هائمة سابحة فى أحلامها .. وتذكرت كيف تحطم ذلك الحلم الجمسل لتستيقظ على واقع مفزع .. قفزت كل الذكريات الى عقلها فجأة .. خداعه .. كذبه .. خيانته .. قبلته فى السيارة .. “بوسى” .. الفيديو .. اعترافه بخطبته لابنة عمها .. استغلاله اياها .. لم تتحمل كل تلك الذكريات التى أخذت تظهر أمامها فى اصرار رافضة أن تختفى من عقلها
سقطت منها الملعقة بعدما ارتعشت يدها بتوتر .. التفت “آدم” و “كريم” اليها بعدما قطعا حديثهما .. نظرت الى “كريم” بتوتر قائله بصوت مضطرب :
– ثوانى وراجعه
نهضت وغادرت بسرعة وكأن وحشاً يطاردها .. قطب “آدم” جبينه وهو يشعر أنه سبب ذلك الإضطراب الذى أصابها .. ألهذه الدرجة لم تعد تطيق رؤيته !
عادت … تأملها .. بدت على عينيها البكاء .. هو يعرفها جيداً .. يعرفها أكثر من نفسها .. يستطيع رؤية ذلك الألم الذى تنطق به ملامح وجهها ونظرات عينيها .. لم يتحمل أن تظل أمامه هكذا وهو لا يستطيع مجرد الحديث معها .. وشرح نفسه أمامها .. والتخفيف من حزنها وصدمتها وآلامها .. نهض قائلاً :
– هستناكوا فى العربية
تابعه “كريم” بنظراته ثم التفت الى “آيات” قائلاً بحنان :
– انت كويسة يا “آيات” ؟
أومأت برأسها وهى تحاول رسم بسمة على شفتيها وهى تقول :
– أيوة الحمد لله .. بس يمكن السفر تعبنى
جلس “آدم” فى السيارة وهو يفكر فى هذا الطريق الشائك الذى يجب عليه قطعه ليصل الى “آيات” .. لكن كيف السبيل لبلوغ مراده ؟ .. كيف يستطيع كسب ثقتها من جديد ؟ . .كيف يستطيع أن يثبت لها أن عاد انسان طاهر الذيل ؟ .. كيف يثبت لها أنه تاب وأناب ؟ .. ظلت الأسئلة تتقاذف داخل عقله وهو يحاول أن يجد اجابه لكل منها .. حانت منه التفاته ليجد “آيات” خارجه من المطعم بصحبة “كريم” .. التفت “كريم” الى “آيات” قائلاً :
– نسيت موبايلى على الترابيزة .. خدى المفتاح واعدى فى العربية
تناوت منه المفتاح وعاد “كريم” الى المطعم .. أسرع “آدم” بالخروج من السيارة وتوجه ناحيتها .. بمرجد أن رأته مقبلا نحوها أحثت السير فى اتجاه السيارة لكنه وقف أمامها قائلاً :
– “آيات”
قالت بحزم ودون أن تنظر اليه :
– لو سمحت متكلمنيش
حاولت الإنصراف فوقف أمامها وقال بلهفة :
– أنا مش عارف أتكلم معاكى فى القرية .. خفت حد يشوفنا سوا ويتكلم عنك خاصة بعد اللى اتنشر فى الجرنال
ظهرت الدموع فى عينيها وهى تتذكر تلك الصورة وما كتب تحتها .. قال “آدم” وهو ينظر اليها بألم :
– آنا آسف يا “آيات” .. والله مكنت أعرف انك هتتأذى كده .. أنا مكنتش قادر أتحكم فى نفسى لما شوفتك أدمى .. والله غصب عنى .. معلش متضايقيش منى .. أنا رافع عليه قضية دلوقتى وان شاء الله هجبلك حقك منه
تمالكت “آيات” نفسها فآخر ما تريده الآن هو البكاء أمامه .. قالت بحزم وهى مازالت لا تريد النظر الى وجهه :
– لو سمحت سيبنى أعدى
قال بسرعة :
– طيب أنا هتكلم وانتى اسمعى .. مش عايز أكتر من كده .. أنا عارف انتى حسه بإيه نحيتى دلوقتى وشايفانى ازاى .. ومعاكى حق .. معاكى حق تكرهينى ومتثقيش فيا تانى .. معاكى حق تبقى مش طايقة تبصى فى وشى .. بس أنا اتغيرت .. والله اتغيرت .. أنا غلطت غلط بشع .. عارف .. بس ربنا بيسامح .. مش كده .. مش ربنا بيسامح .. انا على أمل انه يسامحنى ويغفرلى
تقطع تنفسه قال بصوت مضطرب :
– انتى كنتى بتحبيني .. يبقى مش صعب عليكي تسامحيني
لمعت عيناه بالعبرات وهو ويقول :
– والله ما كنت هأذيكي .. فى الأول أيوة بس بعد كده حبيتك بجد
أخذت “آيات” نفساً عميقاً ورفعت عيينها تنظر اليه بحده وقالت بقسوة :
– أنا مستحيل أسامحك .. أبداً .. مهما حصل مش هسامحك .. عايزنى أسامحك على ايه ولا ايه .. أسامحك على ايه بالظبط
قال بجمود وفى عينيه نظرة ألم :
– تسامحيني انى لعبت بيكي من الأول .. تسامحيني انى كنت عايز أنتقم من عمك فيكي وارجع حقى عن طريقك .. تسمحيني انى استغليت مشاعرك نحيتى عشان أرجع حقى .. تسامحيني انى خنتك قبل كتب الكتاب بيوم .. تسامحيني انى عرفت واحدة لمدة سنة وكنت عايش معاها عشان أستغلها وآخد فلوسها .. تسامحيني انى سمعتك كلام كتير عن مشاعرى نحيتك وكان كله كذب .. تسامحيني انى كنت انسان حقير عاق بأمه .. تسامحيني انى مكنتش حتى بصلى ولا كنت عارف ربنا
صمت قليلاً ليأخذ نفسه ثم قال ونظرات عينيه هى مزيح من الحيرة والألم :
– عايزك تسامحيني على كل ده
رغماً عنها تساقطت عبراتها فمسحتها بسرعة بظهر يدها .. كان ذكر كل ذلك أمامها بذلك الوضوح وبتلك الطريقة شاق جداً عليها .. رجع “آدم” خطوة للخلف ليسمح لها بالعبور .. اتجهت مسرعة الى السيارة وأغلقت الباب وهى تدفن وجهها بين كفيها وتفرغ ما بداخلها من ألم وقهر وعذاب .. بالبكــاء !
عاد “آدم” الى سيارته واجماً .. أخرج هاتفه واتصل بـ “فؤاد” ..
– دكتور “آدم” أهلاً بيك
– اهلا بيك يا أستاذ “فؤاد” .. أنا كنت عايز أقابل حضرتك ضرورى .. أنا حالياً فى القاهرة
– خير يا دكتور ان شاء الله
– لا خير ان شاء الله .. عايز أتكلم معاك بخصوص قرية الماسة .. ينفع نتقابل دلوقتى
– والله يا دكتور أنا حالياً فى غداء عمل فى فندق ……… هينتهى كمان 10 دقايق بالكتير
– طيب ينفع آجى لحضرتك دلوقتى .. ولا فى مشاكل
– لا طبعاً موافق يا دكتور .. مفيش مشاكل منتظرك ان شاء الله
أنهى “آدم” المكالمة وقد بدا عليه العزم والإصرار .. عزم على بدء حياته مرة أخرى لكن هذه المرة بشكل لائق .. بشكل يجعله فخوراً بنفسه .. بشكل يجعل ضميره مستريح .. بشكل يجعل “آيات” تراه مرة أخرى .. فــــارس أحــلامـهـــا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *