الغساله

الغساله

#مشيره_محمد

السكون اللي حلّ في الصالة بعد ما أحمد سحب التليفون من جيب جاكت أمي كان أتقل وأصعب من صراخ الطفل اللي كان ماليك المكان. أمي واقفة زي الصنم، عينيها بتزيغ بين أحمد وبيني، وإيديها مشدودة على طرف الجاكت كأنها بتحاول تخبي ج/ريمة خلاص انكشفت للكل. أحمد مسك تليفون سارة في إيده، وكان شاشته منورة برقم سري، بس الصدمة والحقيقة اللي بدأت تتكشف كانت أوضح من أي شفرة.

​أحمد بص للتليفون، وبعدين رفع عينه لأمي، وبصوت مهزوز من كتر الذهول قال: “إنتي جيبتِ التليفون ده منين يا أمي؟ سارة كانت سايباه بيشحن في المطبخ… إنتي فتحتِ تليفونها؟ إنتي قريتِ الرسائل؟”

​أمي بلعت ريقها بالعافية، وحاولت ترجع لتمثيل دور الضحية اللي متعودة عليه، فردت بصوت طالع بالعافية ومخلوق فيه الغضب بالخوف: “أنا ممدتش إيدي على حاجة! أنا كنت خايفة على البنت وعلى ابنها! إنتوا بتبصولي كده ليه؟ إنتوا فاكرين إن أختكم عاقلة؟ سارة تعبانة في مخها من ساعة ما ولدت، وأنا اللي كنت بحمي الولد منها!”

​في اللحظة دي، دخلت سارة من باب الشقة. كانت نهجتها مسموعة من الممر، وشعرها متنعكش ووشها أصفر زي الليمونة من كتر الرعب. أول ما شافت ابنها بين إيديا، اتجمعت الدموع في عينيها وجريت عليّ، خطفت الولد وحضنته بقلبها كله، وبقت تترعش وهي بتتفحصه، بتقلب في إيديه ورجليه عشان تتأكد إن مفيش حاجة جرالها.

​سارة بصت لأمي بعيون مليانة قهر وصرخت: “إنتي ساحرة! إنتي مش بني أدمة! إنتي كنتِ عايزة تموتي ابني؟ كنتِ عايزة تحطيه جوه الغسالة وتشغليها؟!”

​أنا وقفت بين سارة وبين أمي، وقلبي كان بيدق زي الطبول. اتكلمت وأنا بحاول أستوعب البشاعة: “سارة… أمك كانت قارية الرسالة اللي بينك وبين جوزك وبينك وبيني… الرسالة بتاعة الأسبوع التلاتين.”

​سارة اتسمرت مكانها، ووشها أبيض تماماً، التفتت لأحمد اللي كان ماسك التليفون، وبصت للجراب. التليفون كان فيه بصمة أمي؟ لأ، التليفون كان مفتوح!

​أحمد قال بصوت واطي ومخيف: “التليفون مفتوح يا سارة… أمي كانت بتستغل إنك بتسيبي التليفون مفتوح أو كانت عارفة الرمز… أمي مش بس كانت بتفتش في حاجتك، أمي كانت بتتجسس على كل تفصيلة في حياتك.”

​أمي هزت رأسها بالرفض وبدأت تتراجع لورا باتجاه الباب وهي بتقول: “إنتوا اتجننتوا؟ إنتوا بتصدقوا البنت دي عليّ؟ أنا اللي ربيتكم! أنا اللي شلتكم! سارة هي اللي مجنونة، سارة هي اللي كانت حاطة الطفل في الغسالة وأنا كنت بحاول أطلعه! أنا كنت بحميه!”

​سارة ضحكت ضحكة هستيرية، دموعها نازلة على خدودها وهي حضنة الولد: “تكذبي؟ لسة بتكذبي يا أمي؟ أنا شفتك ب عينيا إنتي وبتزقيني بعيد عن الغسالة وبتسفكي دماغي في الحيطة! إنتي كنتِ عايزة تخلصي من ابني عشان تعاقبيني إني حبيت محمود وإني اخترت أعيش حياتي بعيد عن تحكمك!”

​أنا افتكرت كل الشهور اللي فاتت. افتكرت سارة لما كانت في الشهر السابع، لما كانت بتترعش كل ما أمي تزورها. افتكرت لما كانت تصرخ لو حد لمس شنطتها، لما كانت بتقول لي: “منى، أنا حاسة إن أمي بتسمع أفكاري، حاسة إنها معايا في كل أوضة.” أنا وقتها قلت لها ده اكتئاب حمل، قلت لها إنتي مرهقة والنوم قليل، وزفيت لها كلام من نوعية ‘دي أمك وبتحبك ومفيش أم بتكره بنتها’. يا لكُبر الج/ريمة اللي ارتكبتها في حق أختي لما صدقت الهدوء الزائف وما صدقتش خوفها.

​أحمد قرب من أمي بخطوات بطيئة، كان شكله يرعب، أخويا اللي طول عمره هادي وبيمشي جنب الحيط، عينيه كانت مليانة غضب مشفقتوش قبل كده. قال لها: “إنتي مش هتمشي من هنا يا أمي غير لما نفهم كل حاجة. إنتي عملتِ إيه تاني؟ التليفون ده كان فيه إيه غير الرسالة؟”

​أمي صرخت: “أوعى تمد إيدك عليّ يا أحمد! أنا أمك! ربنا هيحاسبك!”

​أحمد فتح التليفون، وبدأ يقلب في التطبيقات، وفجأة وقف. عينيه اتوسعت من الصدمة، والتليفون كاد يقع من إيده.

​”إيه ده؟” أحمد قالها بصوت طالع بصعوبة.

​أنا قربت منه وسألت بلهفة: “في إيه يا أحمد؟ لقيت إيه؟”

​أحمد لف شاشة التليفون ناحيتي. كان فيه تطبيق تسجيل صوتي مفتوح، وكان شغال في الخلفية. بس مش ده المهم… المهم إن كان فيه تطبيق تاني متثبت، تطبيق مراقبة أبوبة أو تجسس، بيتبع كل حركة، وكل رسالة، وبيسجل المكالمات وبيتبعتها على تليفون تاني!

​أمي مش بس كانت بتدخل البيت وتفتش في الشنط… أمي كانت زارعة برنامج تجسس على تليفون سارة من شهور!

​سارة انهارت على الأرض وهي ماسكة الولد، وبقت تصرخ بصوت يقطع القلب: “عشان كده! عشان كده كانت عارفة كل حاجة! عشان كده كانت عارفة إني رايحة للدكتور من غير ما أقول لها! عشان كده كانت عارفة إني اتفقت مع محمود نسافر بعد الولادة! هي كانت سامعانا في كل لحظة!”

​أمي لما لقيت السر الانكشف كلياً، وشها اتغير تماماً. النبرة التوسلية والضعيفة اختفت في ثانية، وحل محلها وش تاني خالص… وش بارد، مليان غل وحقد. وقفت بثبات وقالت بصوت جاف ومفيهوش أي رحمة: “أيوه! عملت كده! عشان إنتي بنت قتالة حيلة ومبتعرفيش تصوني سرك ولا تصوني أهلك! خرجتِ عن طاعتي واتجوزتِ الراجل اللي رفضته، وكنتِ فاكرة إنك هتهربي مني؟ هتروحي فين؟ أنا اللي عملتك، وأنا اللي أحكم عليكي!”

​أنا اتصدمت من التحول ده، صرخت فيها: “إنتي مريضة! إنتي مش طبيعية! تروحي تحطي طفل رضيع عنده أسبوعين جوه الغسالة عشان تنتقمي من بنتك؟ إنتي كنتِ هتق/تليه!”

​أمي بصت لي ببرود يخوف وقالت: “كنت هعلمها أدبها. كنت هخليها تعرف إن ربنا بياخد وبيدي، وإن اللي يعصاني ما يعيشش مرتاح. هي كانت هتتجنن لما تلاقي ابنها اختفى، وقضا وقدر… الغسالة اتقفلت والولد اتخنق! مين كان هيشك في الأم اللي عندها اكتئاب بعد الولادة؟ كل الناس كانت هتقول سارة هي اللي عملت كده بسبب حالتها النفسية!”

​الكلام كان زي الخناجر في ودننا. خطة شيطانية، جهنمية، كانت مرسومة بالمتر. أمي كانت مستغلة حالة سارة النفسية وإرهاق الحمل والولادة، وكانت بتخطط تق/تل الطفل وتلبس التهمة لسارة عشان يدخلوها مستشفى المجانين أو تتدمر بقية حياتها!

​أحمد مسك أمي من دراعها بقوة، وقال بصوت بيترعش من الغضب: “إنتي مش أم… إنتي شيطان. والله العظيم ما هترحميكي.”

​أمي حاولت تفك إيدها وهي بتصرخ: “سيبني يا غبي! إنت فاكر نفسك إيه؟ أنا اللي ربكم بعد ما أبكم مات! أنا اللي كبرتكم!”

​أحمد قال بصوت قاطع: “أبونا مات من كتر القهر منك! طول عمرنا فاكرين إنك مظلومة، لكن الحقيقة إنك سوسة بتاكلي فينا من جوه! اقفدي مكانك، أنا هطلب الشرطة.”

​أمي أول ما سمعت كلمة “الشرطة”، اتجننت. بدأت تضرب في أحمد ب إيديها ورجليها وتصرخ في الممر: “لحقوني يا ناس! ولادي بيضربوني! الحقوني يا ناس!”

​سارة كانت قاعدة على الأرض، حاضنة ابنها اللي كان بيعيط بانهيار، وأنا جرت بسرعة على الباب وقفلته بالمفتاح عشان أمي متطلعش وتعمل فضيحة في العمارة أو تهرب.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *