نعيمى وجحميها 3

نعيمى وجحميها 3

في اليوم التالي .
وفي مكان اَخر داخل أحد المخازن الضخمة بصحراء إحدى الدول العربية ، كان واقفُا بقلمه ودفتره يدون البضائع الصادرة بالسيارات الضخمة ، والواردة منها أيضًا ، يمسح بمنديله الورقي العرق الذي أغرق جبهته وجميع وجهه حتى رقبته وأعلى قميصه الذي ارتداه منذ قليل فقط ، ولكن بفضل الحرارة الحالية كالعادة لم يتحمل ، تنهد بثقل وهو يردد لنفسه :
– احنا بس اللي مكتوب علينا نتحمل!
أجفل فجأة على هتاف أحد العاملين بأسمه بصوت أجنبي عن أهل البلدة يردف بالعربية الركيكة :
– ياخالد ياخالد ، هناك من يسأل عنك .
– مين يا بني اللي عايزني ؟ الكفيل ولا صاحب المصنع ؟
سأله خالد باستفسار ، ولكن الرجل اومأ بكفه يراقص رقبته بحركة حفظها خالد وهو يردد له :
– الله أعلم ياأخي ، احد الرجال أخبرني لأبلغك أن هناك من ينتظرك بصحبة المدير بداخل مكتبه ؟
قطب قليلًا يتسائل بحيرة :
– وكمان مع المدير ! ربنا يستر
زفر بضيق قبل أن يتحرك وهو يناول العامل الأجنبي الدفتر ليأمره بحزم :
– طب خُد وسجل انت الصادر والوارد على ما ارجع انا مش ناقص عوق ووقف حال.
وانسحب على الفور يغمغم مع نفسه:
– يعني اللي عاوزني ده ، مكنش قادر ينتظر على ما تخلص الوردية؟ جيبها جمايل يارب.
…………………………

وصل بحيرته إلى غرفة المدير الذي أمره بالدخول فور أن سمع بطرقته على الباب ، دلف طارق لداخل الغرفة المكيفة ، يلقى التحية على المدير والرجل الاَخر الجالس أمام المكتب :
– مساء الخير .
ردد الاثنان التحية ثم وقف مديره يتقدم نحوه قائلًا بترحيب :
– ادخل ياخالد وسلم على الضيف الذي أتى إليك مخصوص .
قطب خالد باستغراب وهو يصافح الشاب الثلاثيني ذو الهيئة المهندمة بارتداءه ملابس فاخرة تنضح بالرقي .
– أهلًا بيك يافندم .
شدد الاَخر بمصافحته مرددًا :
– أهلًا بيك ياخالد .
تعجب خالد وقبل يسأل عن الهوية وجد مديره يستأذن للخروج :
– طب انا هاسيببكم بقى تاخدوا راحتكم ، منور ياباشا.
القى الرجل جملته الاَخيرة وهو يخطو مغادرًا ، فارتفع حاجب خالد مرددًا الكلمة باستغراب .
– باشا !
انتقل بعيناه نحوه بتساؤل فوجده يبتسم لها .
– هو انت مين ياباشا كدة بالظبط ، وعايزني في إيه؟
سأله خالد مباشرة ، واجابه الاخر على الفور:
– انا جاسر الريان .
ضيق خالد عيناه قليلًا بتفكير ، قبل أن يستدرك مرددًا:
– اااه .
اردف بها وهو يعتدل بجلسته واضعًا قدمًا فوق الأخرى ، بلفته انتبه لها جاسر قبل أن يقول :
– اهلًا وسهلًا بيك ياجاسر باشا، لكن ياترى بقى إيه سر الزيارة الكريمة؟
أجابه جاسر بهدوء:
– انت عارف انا جاي ليه ياخالد ، بدليل القعدة اللي قصدت تقعدها أول ما سمعت إسمي ، انا جايلك عشان نصفي النفوس، انا لو قابلتك في البلد ، أكيد يعني مكنتش هالجأ لابوها ، ثم ان والدها هو الولي الشرعي على فكرة .
عاد لجلسته الأولى خالد يردد بغضب :
– انا اللي ابوها مش محروس ، انا اللي أول واحد شيلتها وكبرت في ودنها لما اتولدت ، انا اللي ضميتها في ح,ضني على عمر سبع سنين ، لما اختي افتكرها ربنا في حادثة خلت زهرة تفقد النطق لمدة شهرين ، شهرين وانا الف بيها عالدكاترة لحد مااستجابت ونطقت، انا اللي ربيت زهرة لحد اما بقيت كدة وردة مفتحة وعروسة يتمناها اي راجل، انت لو كلفت نفسك وسألت أي عيل صغير في الحارة ، كان هايقولك مين كبيرها زهرة عشان تروحلوا وتطلبها منه، مش تبعت لابوها يجيلك الشركة عشان تطلبه منه .
اردف الأخيرة بصيحة غاضبة نحو جاسر الذي فضل التريث قليلًا في الرد حتى يمتص غضبه ثم قال :
– ماشي ياسيدي انا بعتذرلك ، بس عايزك بس تقدر ان انا وضعي حساس ومش عايز أبان في الصورة دلوقتِ لحد اما انظم أموري واحل مشاكلي ، انا عارف انك ابن بلد وبتعمل حساب للضيف ، اشحال بقى لما يكون ابن بلدك اللي جايلك بطيارة مخصوص عشان يراضيك .
تبسم خالد بسخرية يرد :
– حلو الشغل ده ، بتعرف تلعب على مشاعر الخلق صح ، على العموم تمام وهانعديها ، رغم ان الزيارة دي لو جات من البداية كانت الأمور اختلفت بكتير ، المهم بقى واللي عايز اعرفه منك، اشمعنا زهرة ؟
اجفله بالسؤال بعد وصلة من التقريع ، اللتزم جاسر بضبط النفس حتى يجيبه :
– هاجاوبك ياخالد رغم غرابة السؤال وهاقولك ، القبول دا من عندك ربنا ، وانا من أول ماشوفتها عجبتني .
– امممم .
تفوه بها خالد قبل أن يرد باستعلاء :
– والله كون انها تعجبك فدا شئ عادي، انا بنت اختي تعجب الباشا ، ياااا باشا، لكن بقى مش شايف حاضرتك ان الفرق ما بينك وبينها في العمر كبير ، يعني مثلًا زهرة في يونيو الجاي هاتكمل ٢٥ سنة ، لكن حضرتك اللي يشوفك مايديلكش اقل من ٤٠ .
ابتسم جاسر يعض على شفتيه قبل أن يرد :
– حركة حلوة منك ياعم خالد عشان تعرف سني، بس على فكرة بقى ، انت لو سألتني مكنتش هاتردد واقولك، انا عمري ٣٤ يعني الفرق يدوب تسع سنين واظن يعني ان دا مش فرق كبير ، ولا انت إيه رأيك ؟
ارتد للخلف مرددًا :
– رأيي ! يعني لو قولتلك مثلًا ان الجوازة مش داخلة دماغي ، هتاخد برأيي وتبعد من نفسك ؟
مازال يحاول ضبط النفس مع هذا المتعجرف، ويتحرى الطريق الاَمن معه ، ولكن يبدوا وكأنه سيصبح عقبة قوية أمامه ، حتى بعد زواجه بزهرة، صمت قليلًا بتفكير ثم رد بزوق :
– أرجو انك توافق ياخالد ، انا عايز زهرة وافتكر انها هي كمان عايزاني ، وكدة ابقى عملت اللي عليا ، وجيتلك مطرحك، ارجوك تبقى رؤوف بزهرة وتنزل قريب وتصالحها قبل جوازنا ، انت أدرى الناس بيها ، زهرة هشة جدًا ورقيقة، أكيد يعني مش هاتستحمل جفاك معاها .
ارتبك خالد وقد أصاب هذا الغريب في تحليل زهرة رغم قصر معرفتها بها ، توقف جاسر ليلتفت اليه قبل ان يفتح باب الخروج :
– ارجوك لو قررت الرجوع بلغني ، وماتشلش هم تذاكر ولا أي شئ ، يكفي بس تأشر .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *