مقدمه...... فتاة متواضعة الحال لا تملك في الحياة سوى برائتها وأحلام وردية قد تكون عادية لكل الفتيات ولكن بالنسبة لها وبالنظر لظروف معيشتها الصعبة بعيدة المنال؛ وجدت نفسها فجأة محاصرة من متجبر يملك السلطة والقدرة اخضاع الغير، مع المال الذي يشتري به كل شئ، اذا مالذي سيحدث معها؟ وكيف تستطيع المقاومة في مواجهة غير متكافئة من كل النواحي؟ الفصل الأول بداخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة، نسمات الصباح الباردة والاَتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم؛ تداعب وجهها برقة، جدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجر بالوصول اليها من شعرها الطويل؛ والذي تعدى خصرها بمراحل، مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لاينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود المقدرة المادية لشراء كرسي متحرك يساعدها في التنقل والحركة، ورغم ذلك؛ هي دائمًا ماتنشر السعادة حولها بمزاحها وروحها المرحة على الدوام. - ياستي خلاص كفاية انتِ لسة مخلصتيش؟ دا انت بقيتي بطيئة أوي. قالت زهرة لتشاكس جدتها التي نكزتها بخفة خلف كتفها بالمشط الخشبي ترد: - انا برضوا اللي بطيئة يامقصوفة الرقبة ولا انتي اللي شعرك دا مابيخلصش من طوله. - كبري في قلبك ياستي، هو انتِ هاتحسديني ولا إيه؟ دا انا حتى غلبانة وماملكش غيره والنبي. شهقت رقية بصوت اثار ضحك حفيدتها بهسترية وهي تردف بانفعال: - احسدك دا ايه يابت؟ لهو انتِ فاكرة ان شعرك احسن من شعري، اشحال ان ماكنتِ ورثاه عن امك، اللي هي في الأصل بنتي وورثاه عني انا ياقليلة الأصل انتِ . قهقهت زهرة صامتة مستمتعة بمناكفة جدتها والتي تابعت بغيظ: - دا بدل ماتحمدي ربنا انك ورثتي حاجة مني، احسن ما كنتِ ورثتي شعر المنيل ابوكي. - شعر ابويا مين ياستي بس؟ دا طار من زمان ومافضلش فيهم غير شوية على الجانبين فوق ودانه، دا اتبهدل خالص والنعمة. وصل اليها صوت جدتها وهي تردف باستمتاع : - ايوة ياختي ماانا واخدة بالي، دا فرق راسه بقى وسع رصيف العربيات ومع ذلك برضوا مش نضيفة ولا بتلمع، فاضلين فيهم ياعيني كام شعرة متنتورين كدة في النص، واكنهم زرع شيطاني في صحرا فاضية هههههه. توقفت زهرة عن الكلام بعد ان افحمتها جدتها بخفة ظلها فجعلتها تضحك حتى أدمعت عيناها، حتى أجفلها صوت رنين هاتفها الخلوي الصغير من داخل غرفتها، فانتفضت واقفة : - يالهوي ياستي، دا انا بايني اتأخرت ودي كامليا اللي بتتصل عشان تستعجلني. - ولا اتأخرتي ولا حاجة، الوقت لسة في اوله بدليل ان المنيلة غادة بت احسان لساها مرزوعة مكانها ، ومطبتش زي القدر المستعجل فوق راسنا. انهت جملتها رقية، لتفاجأ بصوت الجرس المزعج وصوتٍ نسائي تعلمه جيدًا يهتف من الخارج بميوعة : - ياللا يازهرة بقى بدال ما نتأخر عن الشغل . لوحت بكفها زهرة في أتجاه مدخل المنزل لجدتها قائلة: - شوفتي؟ اهي جات عالسيرة أهيه، ياريتنا افتكرنا مليون جنيه ولا أي حاجة عدلة. خطت لتتحرك نحو الباب ولكن رقية فاجأتها بجذبها من طرف عبائتها متمتمة بهمس وتحذير: - لمي شعرك الأول قبل ماتفتحي الباب . فتحت فاهها لتعترض ولكن أمام اصرار جدتها فعلت مضطرة تلملم شعرها خلف رأسها كدائرة على عجالة، قبل ان تهرول لباب المنزل وتفتحه لغادة التي كانت مائلة على إطار الباب، رمقت زهرة وماتريديه قائلة بحنق : - لساكي بعبابة البيت؟ هو انتِ عايزاهم يدونا خصم على التأخير في الشركة يازهرة؟ - ربنا مايجيب خصم ياستي ولا حاجة، ادخلي انتِ بس وانا حالًا هاكون مخلصة . قالت زهرة وهي تخطوا عائدة نحو غرفتها، دلفت خلفها غادة لداخل المنزل تلقي التحية على رقية وهي تنظر بالمراَة الصغيرة التي أخرجتها من حقيبتها لتتأكد من زينتها: - صباح الخير ياستي، عاملة إيه النهاردة؟ تفحصتها رقية قليلًا قبل أن ترد على تمهل: - اهلًا ياغادة، ازيك انت وازاي امك إحسان اللي بطلت ماتسأل عني؟ - كويسين والحمد لله، هي بس تلاقيها مشغولة حبتين، لكن اول ماتفضى، أكيد هاتجيلك. اجابت غادة بعدم انتباه لتفاجأ برد رقية المنتقد وعيناها مرتكزة على ماترتديه: - طب ولما انتِ حلوة ومطولة الجيبة على ناحية كدة، مش تكملي جميلك وتكملي الناحية التانية، بدال الحيرة دي والواحد مش عارف يشوفها ان كانت طويلة ولا قصيرة ! عوجت غادة فمها بزاوية وهي تردف من تحت اسنانها : - دي الموضة ياستي ولا انتِ ماسمعتيش عنها؟ تبسمت رقية بسخرية اثارت غيظ غادة قائلة: - موضة برضوا يابت؟ ودي جابوها في الجرايد بقى ولا في التليفزيون؟ صكت غادة على فكها وهي تشيح بوجهها عن هذه العجوز الماكرة، تعلم انها الخاسرة لو استمرت في الجدال معها، فهي لن تسلم أبدًا من لسانها السليط، ولكن حينما خرجت اليها زهرة من غرفتها وجدت فرصتها في الرد: - ومكلفة نفسك ليه بس؟ ما كنتِ لبستي شوال أسهل . - شوال في عينك . هتفت بها رقية بحدة على الفور، اما زهرة التي أجفلتها السخرية على ملابسها، ففضلت التجاهل وإكمال لف حجابها الطويل، قبل ان تتناول حقيبتها وتخرج معها . خارج الشقة القديمة في البناية بررت غادة لزهرة اثناء نزولهم الدرج: - ماتزعليش مني يازهرة بس انا بصراحة بضايق لما اشوفك لابسة الدريسات الواسعة اوي دي، حاجة كدة ملهاش أي منظر وبتبينك تخينة. ردت زهرة بعتب: - تخينة ولا رفيعة، مية مرة اقولك إن دا نظامي في اللبس ياغادة، زي انتِ ما بتحبي لبسك يكون محدد جسمك ومبين رشاقته وجماله زي ما بتقولي، انا على العكس؛ بحب لبسي يكون حشمة ودا اللي برتاح فيه. عوجت غادة شفتها قائلة باستخفاف: - طب عرفنا انك بتحبي الحشمة وعدم الزواق بالمكياج، طب الحجاب بقى ما ينفعش يبقى حلو كدة وعالموضة بدال الكبير ده واللي مخليكِ زي ستي الحجة . كتمت زهرة ضيقها وردت بحرج : - حتى دي كمان نبهتك عليها وقولتلك قبل كدة، انا ماتحملش اي راجل عينه تيجي عليا، يقولوا تخينة يقولوا حجة المهم اكون مستورة وخلاص. اوقفتها غادة فجاة على إحدى الدرجات حينما صدرت ذراعها على درابزين الدرج؛ تردف بنظرة ذات مغزى اثارت القشعريرة لدى زهرة : - اقسم بالله انا اكتر واحدة فاهماكي، بقى ياخايبة لما تبقى الواحدة عندها امكانيات جامدة كدة وجبارة بدال ما تظهرهم للناس وتفرح بيهم، تخبيهم وتدفنهم؟ دا انت هبلة اوي . خرج صوت زهرة الغاضب بنفاذ صبر: - ابعدي ياغادة خلينا نمشي، وبلاش تلميحاتك المستفزة دي. ابتعدت عنها تبتسم بسخرية واستخفاف اثار حنق زهرة التي أجفلت على سماع صوت الصرخات الاَتية من شقة ابيها الساكن أسفلهم بزوجته الثانية واولاده منها . - يانهار اسود، دا باين ابويا بيضر؟؟؟ب واحدة من خواتي وخالتي سمية بتحجز منه، تعالي نخش.. قاطعتها غادة تجذبها من يدها : - لاهانروح ولا نيجي، اخلصي احنا متأخرين على الشغل . - ياغادة بس خواتي . - انجري يابت مش ناقصين نترفد. ...................................... بعد ساعة وأمام المبني الشاهق الإرتفاع توقفت سيارة الأجرة خاصتهم بالقرب منه، كانت تهرول غادة وهي متقدمة بخطواتها عن زهرة المنشغلة بالحديث مع شقيقتها الصغرى في سردها عن الشجار الذي حدث بينها وبين أبيها. التفت اليها تخاطبها بحدة: - يابت مدي رجلك شوية خلينا نعدي الرصيف ونوصل الشركة، دي الساعة خلاص قربت على ٨ وبيننا هانتجازى صح . أنهت زهرة المكالمة سريعًا وقالت بحدة : - ماتهمدي بقى ياغادة شوية ، مش كفاية جرتيني معاكي زي البهيمة من غير ماادخل واحجز عن اختي صفية. - ومالها ياختي اختك صفية بقى؟ ماتت ان شاء الله ولا خدتها الاسعاف . قالت غادة وهي متخصرة بوسط الشارع، هتفت زهرة عليها بغضب: - فال الله ولا فالك ياشيخة، مش تخلي بالك من كلامك، دا اللفظ سعد ، والبت أساسًا كانت بتكلمني وهي مفلوقة من العياط، بعد ابويا ماعدمها العافية هي وخالتي سمية معاها عشان بس طلبت منه فلوس الدرس. مصمصت تلوك فاهها بسخرية: - وطبعًا طالبة منك انتِ الفلوس، وانتِ وعدتيها ان بعد ماتقبضي النهاردة هاتديها وتأجلي شرا تليفون كويس، بدل عدة النحس اللي ماسكاها من سنين دي، ماهو دا العادي بتاع كل قبض. صمتت زهرة وملامح وجهها اظهرت صدق توقع غادة التي هتفت حانقة: - انا اتفقعت منك يابت انتِ، هامشي قدامك وانتِ حصليني، جاتك خيبة فيكِ وفي هبلك . - الله يسامحك ياشيخة . تمتمت بها زهرة وهي تفتح حقيبتها الجلدية كي تضع بها الهاتف ولكنها تفاجأت بصدمة بجسم معدني كبير اوقعها وسط الطريق واوقع هاتفها أيضًا، صرخت بجزع، حينما فرق بينها وبين مقدمة السيارة التي كبحت فراملها بحدة أصدرت صريرًا حادًا كي لا تتدهسها والمسافة بينهم لاتتعدى الشبر . - مش تخلي بالك ياجدع انت . - انا برضوا اللي اخلي بالي؟ ولا انتِ اللي سرحانة وكنتِ هاتوديني في مصيبة دلوقتي . هتف بها بحدة سائق السيارة الذي خرج على الفور لزهرة؛ والتي دنت تتناول القطعة الأخرى من الهاتف، كي لا تدهسها السيارة، ثم رفعت رأسها اليه دون رد فتابع السائق بوقاحة؟ - امشي غوري اتعتعي بقى من وش العربية، مش ناقص بلاوي انا على اول الصبح. - الله يسامحك انا مش هارد عليك . هتفت بها زهرة وهي تحتجز سيل دموعها بصعوبة جراء الإهانة التي تلقتها، انتقلت عيناها لداخل السيارة الفارهة، فوجدت بها رجلين احدهما كان في الأمام بجوار السائق رجلُ ضخم يبدوا كأبطال المصارعة يحتل المقعد الأمامي، والاَخر كان جالسًا في الخلف، يبدوا بهيئته المهندمة والبراقة بشدة وكأنه إحدى المسؤلين أو احد ابطال السينما المشهورين بوسامته الشديدة، أجفلها هذا الرجل حينما ترك مكالمته التليفونية فجأة، وهتف على السائق: - في إيه ياعبده؟ خلصنا وفض المهرجان دا بقى؟ رد السأئق ببجاحة وهي يعود لمكانه خلف عجلة القيادة - اهي بلاوي وبتتحدف علينا ياباشا. ابتلعت زهرة الإهانة بصمت وهي تتحرك لتبتعد من أمام السيارة الفارهة، لتفاجأ بعودة غادة التي ظهرت من العدم، تجذبها بغير استئذان نحو السيارة قبل أن تتحرك والرجل الجالس في الخلف. - معلش ياجاسر بيه على اللي حصل، بس بنت خالي عندها ظرف وحش، واكيد ماخدتش بالها وهي معدية قدام عربيتك. اومأ لها الرجل بكف يده بعنجهية قبل ان يشير للسائق بالتحرك، دون أن يلتفت نحوهم؛ مما جعل احساس الذل يجتاح زهرة التي فلتت ذراعها تصرخ بانهيار - انت إيه اللي عملتيه ده؟ وايه اللي رجعك اساسًا؟ كنت ناقصاكي وناقصة جنانك مع واحد زي ده، مش كفاية اللي صابني منهم. وكأنها لم تسمع ظلت غادة على وضعها مراقبة سير السيارة أمامها، حتى اختفت بمكان موضع السيارات داخل مبنى الشركة، ثم التفتت اليها بابتسامة متسعة. - انا مش مصدقة نفسي وربنا، اخيرًا شوفته عن قرب وكلمته، يالهوي ياما دا حلو قوي من قريب. لكزتها بقبضتها غاضبة: - هو مين اللي حلو يازفتة انتِ؟ ماتفوقي بقى احنا لسانا في نص الطريق، ولا انتِ عايزة عربية تانية تدوسنا؟ غادة وهي ترد بهيام : - دا جاسر بيه ابن صاحب الشركة ياهبلة، لهو انتِ معرفتهوش؟ - ومش عايزة ياستي أعرفه ولا اعرفك انتِ كمان. اردفت بها زهرة وهي تعدو مبتعدة عنها والأخرى تبعتها من خلفها تردد: - إستني يازهرة، يابت استني انا مش قادرة اللحق خطوتك من الكعب العالي. .................................... وبداخل الشركة وأمام المصعد الكهربائي، بعد أن لحقتها بصعوبة هتهفت عليها بلهاث: - ماخلاص بقى يابت افردي بوزك ده، مش كفاية انك قطعتي نفَسي بالجري وراكي. تكتفت زهرة دون أن ترد عليها، تكبح غضبها حتى لا تلفت اليها أنظار العمال وموظفين الشركة، ولكن مع إصرار غادة الإحتكاك بها ومداعبتها للتصالح، هتفت بعدم سيطرة: - بس بقى، مش كفاية خليتي منظرنا زي الشحاتين قدام الراجل ده والسواق بتاعه قليل الأدب. انتبهوا على صوت طرطرقة من الفم أتت من خلفهم وصاحبته تخاطبهم: - ايه دا ايه دا؟ انتوا بتتخانقوا ولا إيه؟ طب مش تستانوني طيب عشان اتفرج ولا اقوم بالواجب معاكم - قوليلها ياكاميليا، حكم دي عايزة تعملها فضيحة وتلم علينا الموظفين اردفت بها غادة لصاحبة الصوت فرمقتها زهرة بحدة قائلة: - أنا برضوا اللي عايزة اعمل فضايح؟ ولا انتِ اللي بتنقصينا قدام اللي يسوى واللي مايسواش. شهقت غادة ضاربة على صدرها: - يخرب بيتك! تبعتها كاميليا مستفسرة: - هي تقصد مين باللي مايسواش؟ انفتح أمامهم باب المصعد فجأة ليدلفن الثلاثة به، وردت غادة : - انا هاقولك هي تقصد مين واحكيلك على اللي حصل، عشان بس المجنونة دي لما تقطع عيشك تبقي على علم! قطبت كاميليا حاجبيها سائلة بدهشة: - تقطع عيشي انا ليه بقى؟ هو انتوا هببتوا إيه بالظبط؟ ................................... بوقتٍ لاحق وسط اليوم واثناء فترة استراحة الموظفين، كانت زهرة جالسة امام مكتب كاميليا، يتحدثن وبيد كل واحدة منهن شطيرتها، كاميليا وهي تقضم من شطيرتها ويدها الأخرى تعمل على الحاسب الاَلي امامها: - ماتزعليش منها يازهرة، بنت عمتك خفيفة وماصدقت تلاقي فرصة عشان تكلم جاسر بيه. - فرصة! اردفت بها زهرة باستنكار وتابعت: - دا الراجل مكلفش نفسه حتى يهزلها راسه أو حتى يبصلها، دا يدوبك شاور بإيده كدة واكننا دبان قدامه، انا مش عارفة هي ليه كدة؟ تتكبر على أي حد اقل منها او زيها، انما قدام واحد زي ده، تقلب كدة واكنها شافت ملك قدامها. تبسمت كاميليا وهي تلتفت اليها: - مكدبش عليكِ، بس هو فعلًا بالشركات والأموال اللي تخص عيلته واللي بيدرها بنفسه، يعتبر ملك. هو انتِ بجد ماتعرفهوش؟ مطت شفتيها بعدم اهتمام: - وهاستفيد ايه من معرفته يعني؟ اهو واحد غني زي اللي بنشوفهم في التليفزيون وخلاص، بس هو ازاي ابن صاحب الشركة ودي اول مرة اشوفه فيها؟ ردت كاميليا بتحليل كعادتها: - ماهو مابيجيش غير في الشهر غير مرة او مرتين تقريبًا، لما يكون في اجتماع مع الباشا الكبير والده، او لما يكون في حاجة مهمة، وانتِ متعينة يدوب من تلت اشهر، دا غير انك مش متابعة السوشيال ميديا، فشئ طبيعي انك متعرفهوش. زهرة بردٍ قاطع: - ولا عايزة اعرفه، انا كفاية عليا اوي، ان اشتغل في الشركة دي اللي لحقت فرصتها اَخيرًا بمساعدتك، عشان افضل شايلة جميلك فوق راسي طول العمر قالت كاميليا باستياء: - لا ماتقوليش كدة يازهرة، الفضل بإيد ربنا وحده، واحنا يدوب اسباب. - طبعًا اكيد، بس بجد انتِ تستاهلي كل خير، عمرك ماتكبرتي على حد مننا، رغم المكانة اللي وصلتيلها، لا وكمان فضلتي ورانا لحد ما وظفتينا معاكي في الشركة، بجد انا مش عارفة اقولك إيه؟ اردفت بها زهرة بامتنان نحو ابنة حارتهم، التي كافحت بمجهودها واخلاصها في هذه الشركة العملاقة، حتى وصلت لصفة مدير مكتب رئيس الشركة، ثم مساعدتها هي وغادة في العمل بها، ردت كاميليا متصنعة الحزم: - بس يابت لا تشكريني ولا زفت، وغوري ياللا على شغلك، البريك قرب يخلص، ولا اقولك استني انا عايزاكي في حاجة. - عايزاني في إيه؟ سألت زهرة قبل أن يفتح أمامهم باب المكتب الكبير، ليخرج منه احد الموظفين الرجال، والذي اقترب يلقي التحية بابتسامة مشرقة نحو زهرة بمجرد ان وقعت عيناه عليها. - صباح الخير يااَنسة زهرة، عاملة ايه النهاردة؟ اومأت له برأسها تهمس بخجل اثار التسلية لدى كاميليا التي تركت مابيدها من عمل كي تستمتع بمتابعتهم: - كويسة والحمد لله، تسلم يااستاذ عماد. اردف هو بتساؤل: - اخبار الكمبيوتر بتاعك إيه؟ شغال كويس ولا فيه اي عطل؟ حركت رأسها نافية بصوتها الخفيض: - لا الحمد لله، من ساعة ما صلحته حضرتك، وهو بقى تمام معايا في الشغل. رد باهتمام: - طب لو هنج او قصر معاكي في أي حاجة قوليلي على طول، وانا تحت امرك في أي وقت. - الأمر لله وحده، تسلم. اومأت بها هامسة، وهو ظل للحظات متسمرًا مكانه لايريد التحرك، حتى تمكن من جر أقدامه للمغادرة بصعوبة أمام كاميليا التي كانت تتايع بابتسامة على وجهها، حتى اذا ذهب سألتها: - إيه ده بقى؟ هو عماد عينه منك؟ - وانا ايش عرفني . قالت زهرة تهز بأكتفاها ووجها تورد بالخجل، جزت كاميليا على أسنانها يضاحكة: - امو؟؟؟؟ت انا في الحب البرئ وشغل الكسوف ده. - حب إيه وكلام فارغ إيه بس؟ ايه اللي بتقوليه ده يا كاميليا؟ غمغمت بها زهرة بخجل فنهضت كاميليا قائلة بمرح: - بت انتِ، انا هاقوم أدخل الكام ملف دول لعامر باشا، استني انتِ هنا حلي المسألة دي على ما اوصلك. - مسألة إيه؟ سألت زهرة وهي تتناول الورقة الكبيرة التي وضعتها أمامها كاميليا والتي أجابتها وهي تعدل من ثيابها قبل التحرك : - دي مسألة قسمة مطولة، ميدو طالب مني أحلها واساعده فيها، وانت عارفة بقى صاحبتك خيبة في الحساب. لاحقتها قبل أن تدلف لرئيسها: - طب والبريك اللي قرب يخلص؟ - البريك فاضل عليه تلت ساعة يازهرة وانا ثواني وخارجالك. اردفت بها كاميليا وهي تنظر لساعة يدها قبل ان تترك زهرة التي انكفت على الورقة تركز في مسألة القسمة التي امامها باهتمام حتى أجفلت على صيحة من خلفها: - بتعملي إيه عندك ؟ انتفضت واقفة تلتفت لمصدر الصوت، فجحظت عيناها برعب وسقط قلبها من الخوف وهي تفاجأ بهذا الرجل الذي رأته في الصباح داخل السيارة التي كادت ان تدهسها وهو يتقدم نحوها بوجه متجهم وعنجيهية رأتها منه سابقًا؛ مرددًا بحدة : - انتِ مين انتِ؟ وايه اللي مقعدك هنا ؟ بقلم #امل_نصر #بنت_الجنوب الفصل الثاني واقفة باعتدال وأناقة، فاردة ظهرها بعزة، من يراها لايصدق أنها مولودة في حارة، فملابسها المهندمة وأسلوبها الراقي في التعامل يعطي صورة مثالية لكل فتاة طموحة مثلها، جاهدت وثابرت لكي تصل لهذه المكانة، في شركة عريقة مثل هذه ومع رجل كعامر الريان، لا يرحم ولا يتساهل بعمله، رغم طيبته ومودته الدائمة لها؛ كانت ممسكة بإحدى الملفات، تنتظر انتهاء رئيسها ورئيس الشركة كلها من مراجعة إحدى العقود قبل أن يمضي بقلمه عليه، رفع رأسه إليها سأئلًا بملل: - هو انت عايزة الإمضة ضروري النهاردة؟ تبسمت بدهشة قائلة : - مش انا اللي عايزة ياعامر بيه، دا الشغل هو اللي عايز ! عوج فمه بفكاهة وهو ينظر لورق العقود أمامه على المكتب قبل أن يعود اليها قائلًا: - بس النصوص اللي في العقد ده كتير قوى، وحاطين شروط كمان ورغي كتير، لا بقولك إيه؛ انا زهقت . ختم جملته وهو يدفع بملف العقد امامه على المكتب ناحيتها، ضحكت هي بعدم تصديق : - الله، امال مين بس اللي هايمضي ياعامر بيه؟ اجيب حد من الشارع يعني يمضي مثلًا؟ - وتجيبي من الشارع ليه ياستي؟ هو انا ماعنديش ولاد بقى عشان يمضوا ويشيلوا عني؟ قطبت سائلة بدهشة: - ولاد! انت قصدك إيه ياباشا؟ أجابها وهو يخلع نظارته ويجيبها منتهدًا بتفكير: - قصدي اني كبرت يا كاميليا ومعدتش عندي صحة للضغط زي زمان. حركت رأسها بعدم فهم فتابع : - انا قررت استسلم لزن مراتي ياكاميليا واسافر اوروبا اخدلي أجازة طويلة شوية وبالمرة أكمل علاجي في المانيا. - طب والشغل ياعامر بيه، مين اللي هايقوم بيه؟ سألت بحيرة ، أجابها : - ماهو دا اللي كنت عايز افاتحك فيه من الاول يا ست كاميليا ، بصراحة كدة انا عايزك تشدي حيلك شوية في الشغل الفترة اللي جاية، لأن الشركة هاتبقى من ضمن المجموعة اللي بيديرها جاسر ابني، وانتِ عارفة ابني بقى وقته قليل ومسؤلياته كتير. تمتمت كاميليا بذهول أمام الرجل: - جاسر بيه! بس دا عصبي جدًا والشغل معاه صعب أوي كمان. ضحك الرجل مخاطبها: - وافرضي بس انه عصبي والشغل معاه صعب كمان؛ انتِ قدها ياكاميليا ولا انت معندكيش ثقة في نفسك. اومات له تتصنع الأبتسام وهي تغمغم بداخلها: - وأنه ثقة دي اللي تنفع مع ابنك؟! ................................ تلعثمت الكلمات بفمها بعد أن ضاع تركيزها ونست ما كانت تفعله منذ ثوانيٍ قليلة، قبل أن يجفلها هو بدلوفه إليها وسؤالها بتشكك، قلبها يضر؟؟؟؟ب بقوة داخل أضلعها، تشعر ببرودة تجتاح أطرافها خوفًا من هذا الرجل الواقف أمامها بصمت وملامح وجهه المغلفة بغموض وتجهم، تشعرها وكأنها متهمة ويجب عليها اثبات براءتها: - بتمأمأي ليه ماتردي؟ انتِ مين وبتعملي هنا إيه ؟ أجابت سريعًا: - انا زهرة سكرتيرة الأستاذ مرتضى حسنين مدير الحسابات، كنت جاية اشوف صاحبتي وماشية على طول اهو والله. سألها بتجهم رافعًا حاحبه الإيسر بشر : - ولما انتِ سكرتيرة مرتضى، بتعملي ايه في الملفات هنا في الشركة وكاميليا مش موجودة؟ - أقسم بالله ماهو ملف ولا مستند حتى؟ صرخت بها تدافع عن نفسها وتابعت وهي تناوله الورقة التي تذكرتها اَخيرًا بعد أن رأت نفسها في موضع اتهام بالفعل . نظر هو للورقة سريعًا ثم عاد اليها يردف باستنكار: - قسمة مطولة! ليه بقى؟ هو احنا في حصة حساب هنا ولا في شركة محترمة؟ ايه لعب العيال ده؟ صرخته بالاَخيرة جعلت قلبها يكاد أن يتوقف من الخوف فخرج صوتها بقوة رغم اهتزازه : - مش انا اللي بلعب على فكرة، دي مسألة ادتهاني كاميليا تخص اخوها ميدوا في تالتة ابتدائي، قالتلي اساعدها في حلها عشان تراجعها هي لاخوها بعد كدة... قاطعها بحزم سائلًا: - وانت بقى سايبة شغلك في الحسابات عشان تيجي تساعدي كاميليا واخوها هنا؟ هتفت بعدم سيطرة: - انا مش سايبة شغلي ولا حاجة، انا جيت وشوفت صاحبتي في البريك عادي يعني، واديني ماشية اهو قبل ماينتهي كمان. - أستني عندك اوقفها هادرًا بمجرد ان تحركت أقدامها وأكمل - تخرج كاميليا الأول واتأكد من صدق كلامك، وبعدها بقى ممكن اسمحلك تنصرفي. تماسكت تقف محلها كما أمرها هذا الرجل المرعب، تمنع قدميها بصعوبةمن السقوط وبداخلها تناجي ربها لخروج كاميليا اليها بسرعة. سألها فجأة مضيقًا عيناه : - انتِ البنت اللي اتصدرتِ قدام العربية الصبح واتخانقتي مع عبده السواق؟ رغم دهشتها من تذكره لها ليضيف اليها اتهام اَخر وهي تجزم بداخلها انه لم يكلف نفسه عناء الإلتفاف نحوها، تمكنت من الإجابة نافية تدافع عن نفسها: - مش انا اللي اتصدرت على فكرة، سواقك هو اللي كان هايدوسني وهو اللي شتمني كمان من غير مااعمله حاجة. هز برأسه قائلًا بابتسامة مستخفة: - يعني انتِ كمان بتجيبي اللوم على السواق مش على نفسك، على العموم كاميليا خارجة دلوقتي، واما شوف حكايتك ايه، تكتفت بذراعيها ورفعت ذقنها للأمام تنتظر خروج كاميليا بثقة، رغم النيران المشتعلة داخلها، فرد نفسه هو يضع يديه بجيبي بنطاله وسترته عائدة للخلف، يحدق بها ويتفحصها جيدًا، من حجابها الطويل على غير عادة الفتيات في شركاته، ملابسها الفضفاضة بشدة، وجهها البيضاوي، ملامح عادية لفتاة جميلة لاتختلف كثيرًا عن معظم الفتيات، سوى انها لا تضع شئ من مساحيق الجمال، حتى كحل عينيها التي لم ترفعهم اليه جيدًا ليتحقق من لونهم، رموشها السوداء الطويلة تبدوا طبيعية كباقي ملامح وجهها، انفاسها تعلو وتهبط بأضطراب أو غضب لا يعلم، وهي واقفة بتململ من نظراته المتفحصة وعيناها التي لا ترفعهم كالعادة بوجه أي رجل غريب، كانت تتنقل مابين النظر الى باب المكتب الكبير، او الإلتفاف نحو أي شئ في الغرفة، إلا هو. التفت الإثنان فجأة على فتح باب المكتب الكبير وخروج كاميليا التي سألتهم بإجفال من هيئتهم المتخفزة: - في إيه؟ هو إيه اللي حصل؟ ............................... بعد قليل - ما خلاص يابنتي كفاية بقى، هي حنفية وفتحت؟ كدة الموظفات هاياخدوا بالهم . همست بها كامليا لزهرة كي تحُثها على التوقف عن البكاء وهي واقفة معها بداخل الغرفة الكبيرة الخاصة بحمام السيدات زهر وهي تمسح بالمحرمة الورقية وصوتها خارج ما بين بكاءها: - مش قادرة ياكاميليا، الراجل ده خوفني قوي، دا كان بيقرر فيا وكأني حرامية او بنت حرام. ردت كاميليا بأسف : - سامحيني يازهرة عشان كنت السبب في الموقف الزبالة اللي حصل معاكي ده، بس انا كنت هاعرف منين بس ان جاسر الريان هايطب فجأة كدة، بصراحة عامر بيه بكل شدته، مايجيش نقطة في جاسر ده. - انتِ بتقولي فيها، دا انا حاسة برجلي شايلني بالعافية وجسمي لسة بيتنفص من ساعة ما قابلته وشوفته. - طب ثواني . اقتربت منها كاميليا تمسك يدها فهتفت مذهولة: - يانهار ابيض، دا انتِ إيدك متلجة يابنتي، هو لدرجادي اترعبتي منه؟ اومأت برأسها زهرة وازدادت في البكاء فاأكملت كاميليا: - يابنتِ اهدي بقى، دا مكانتش مقابلة دي؟ امال انا بقى اللي هايبقى رئيسي في الشغل وتقريبًا ممكن اشوفه يوميًا اعمل ايه؟ انتحر يعني؟ شهقت زهرة قائلة: - انا مش هاعتب مكتبك دا تاني أبدًا ياكاميليا، وانتِ لو عوزتيتي تبقي تتصلي بيا او تجيني لكن طول ما الراجل ده رئيسك في الشغل انسي ان اروحلك نهائي. رتبت كاميليا على ذراعها بحنان : - خلاص ياحبيبتي ولا يهمك، اجيلك انا ياستي ولا تزعلي، بس اهدي كدة انتِ بقى وانسي، دا النهاردة يوم القبض، يعني هاندلع نفسنا بقى ونروش زي الشهر اللي فات ولا انتِ نسيتِ؟ اشرق وجهها بابتسامة فهتفت كاميليا : - ايوة بقى لما جبنا سيرة القبض وشك نور اهو، حبيبتي يازوز اغسلي وشك بقى وفوقي . .................................... - في مقر شركته الأصلية، كان منكفئ على مراجعة مجموعة من الأوراق والعقود التي الموضوعة أمامها على سطح المكتب، متناسي كالعادة الوقت رغم حجم الإجهاد الذي يشعر به، رفع رأسه فجأة نحو باب المكتب الذي اندفع فجأة بعد طرقة خفيفة من صاحب عمره والذي هتف بملل: - انتِ لساك برضوا بتراجع في العقود؟ ارحم نفسك يابني شوية بقى. تبسم له ناهضًا يتقبل عناقه وترحيبه قبل ان يومئ لها للجلوس على الإريكة الجلدية في إحدى زوايا المكتب وجلس هو بجواره فاردًا ذراعيه على اطرافها براحة، وقال : - اعمل ايه بس ياعم طارق؟ عمك عامر الفترة اللي فاتت وقع على عقود واتفاقيات كتير، وانا مش عايز اغفل عن حاجة منهم، دا غير اني عايز افهم كل صغيرة وكبيرة في الشركة مدام خلاص، هاتبقى تحت مسؤليتي . - طب إيه؟ انت هاتدير المجموعة من هنا بقى، ولا هاتستمر بنفس الوضع القديم. سأل عمر باستفسار أجاب عليه جاسر: - لأ طبعًا دا هايبقى وضع مؤقت على مافهم الجو هنا في الشركة الأول واعرف النظام اللي هاتعامل بيه مع الموظفين. ربت على ركبة صديقه بدعم : - ربنا يديك الصحة ياحبيبي ويقويك على المسؤلية الكبيرة دي، بس برضوا؛ انت لازم تراعي لنفسك شوية مش كل حاجة شغل شغل، ان لبدنك عليك حق ياعم ياجاسر ولا إيه؟ مط شفتيه بعدم اكتراث فتابع طارق سائلًا : - هو انت لسة برضوا على وضعط انت ميرا؟ مافيش أي تقدم في علاقتكم نهائي؟ غمز بوجنته باستخفاف قبل أن ينهض فجأة قائلًا : - كبر مخك ياعم طارق وخليني اضايفك في مكتب السيد الوالد، تحب إيه بقى، انه حاجة ساقعة من دول ولا اجيبلك عصير أحسن؟ قال الاَخيرة مشيرًا بيده على مجموعة كبيرة من المشروبات الغازية والعصائر، المثطفة بداخل الثلاثة الصغيرة التي فتحها بجوار المكتب. أجابه طارق : - لادي ولا دي، هاتلي إزازة ميا اشرب منها وخلاص. ................................. في نهاية اليوم وبعد أن تسوقوا قليلًا بزيارة بعض محلات الملابس والأحذية والهدايا، فرحين بصرف المرتب الشهري، ابتاعت كاميليا طقمين للخروج وحذاء وبعض البيجامات البيتية المريحة، قلدتها غادة في الشراء وزادت بشراء أنواعٍ عدة مساحيق التجميل والكريمات الخاصة بالبشرة، أما زهرة والتي كانت مقررة شراء هاتف جديد تنازلت تؤجل شراءه للشهر القادم حتى توفر ثمن حصص الدرس لشقيقتها وعلاج جدتها، ولكن مع اصرار كاميليا وغادة، اذعنت لإصرارهم وابتاعت لها فستان واسع بألوان مبهجة مع حجاب من الون الوردي انعكس على بشرتها الخمرية والمختلطة بحمرة فزادها بهاءًا وجمالًا، وفي نهاية الجولة لم تسمح لهم ميرانيتهم بتناول وجبة الغداء في مطعم، فاضطروا لشراء شطيراتهم من إحدى العربات المصطفة في الشارع، يكملوا التسكع بالسير ومشاهدة المحلات وكل واحدة بيدها شطيرتها وعلبة مياه غازية . قالت كاميليا بسعادة: الله يابنات، دا الخروجة معاكم تطول العمر بجد . - عشان تندمي انك مشاغلتناش معاكِ من زمان . قالت غادة متصنعة المزاح، ردت كاميليا بحرج: - ويعني هو كان بإيدي بس ياغادة، انا كنت في كل مرة يطلبوا فيها موظفين ببعتلكم، وانا موظفة صغيرة، لكن بقى لما وصلت ان ابقى مديرة لمكتب عامر بيه، قدرت وقتها بس اني اتوسط لكم . رمقتها زهرة بنظرة محذرة قبل ان تخاطب كاميليا بامتنان: - سيبك منها ياكاميليا هي بتهزر وانتِ عارفة بقى هزارها تقيل، دا انت تشكري ياحبيبتي انك افتكرتينا أصلًا، هو في حد في الزمن ده بيفتكر اصحابه ولا أهله حتى؟ صمتت غادة بخزي قبل أن تغير مجرى الحديث: - ايوه صح عندك حق يازهرة، طب بقولك إيه ياكاميليا؛ هو انتِ مفكرتيش كدة تشترى عربية أقله عشان ترحمي نفسك من المواصلات وبرضوا عشان الوجاهة وصفتك في الشركة. تبسمت كاميليا مستجيبة لحديثها وقالت: - لا ياستي أكيد فكرت طبعًا وبحاول، بس شرا العربية عايز فلوس كتيرة الأيام دي، خصوصًا مع واحدة زيي لساها بتساعد عيلتها، لكن أن شاء الله اقدر اشتري واحدة محندقة على قدنا قريب، عشان أخدكم في المرواح والمجي معايا يابنات . صفقت غادة مهلله بمرح - أيوة بقى خلينا نبان هوانم، زي المضاريب الموظفات اللي في الشركة معانا، حبيبتي والله ياكاميليا. تبسمت الفتاتين لمزاح غادة قبل أن تنتبه زهرة للوقت : - طب مش يدوبك بقى نروح، انا اتأخرت أوي على ستي وقلبي اتوهوهش عليها. قالت زهرة بقلق ، استنكرته غادة قائلة: - قلبك اوتهوهوش ازاي بس يازهرة؟ إشحال إن ماكنتِ بتتصلي بيها كل شوية، دا غير ان اختك صفية مراعيها حسب ما سمعت منك، ولا انتِ صعبان عليكِ تشمي هوا نضيف برة الجحر اللي حابسة نفسك فيه بقالك سنين. احتقن وجه زهرة بالغضب فسبقتها كاميليا في الرد: - هي عندها حق على فكرة احنا فعلًا اتأخرنا ويدوبك نمشي . همت غادة تعترض فلم تُعطيعها كاميليا الفرصة فتابعت: - السندوتش اللي في إيدي ده ماينفعش اروح ابيه، أنا هاديه للراجل اللي هناك ده، شكله غلبان وعلى البركة . تأففت غادة وهي تتبع الاثنتان حتى توقفوا أمام رجل رث الثياب، جالس على كرتونة من الورق في ركن اَمن نسبيًا من السيارات والمارة، يهز برأسه ويضحك للفتاتين ببلاهة، تبسمت قائلة: - يامشاء الله، دا انتوا اديتولوا سندوتشات الكبدة والسجق بتوعكم، وعلبة العصير بتاعتك كمان يازهرة عشان يبلع بيها، يعني ياكل ويحلي براحته كمان. حذرتها زهرة قائلة: - خلي بالك من كلامك معاه ياغادة، دا راجل على البركة اَه؛ بس بيفهم . - اممم على كدة انت صح على البركة ياعم؟ سألت الرجل باستخفاف، فكان رده ان تلاعب لها بحاجبيه يهز رأسه بابتسامة غير مفهومة، جعلت الفتيات يضحكن على فعلته بمرح، شاكسته كاميليا: - ايه ياعم انت هاتعاكس ولا إيه؟ وانا اللي قولت عليك طيب وجميل . ردد بأسلوبٍ أثار ابتسامة مختلطة بالأندهاش على وجه الفتيات : - ماانا جميل واسمي جميل وحتى ابني كمان هاسميه جميل . - طب قولنا بقى ياجميل لو تعرف، مين فينا اللي هاتتجوز الأول، انا ولا دي ولادي؟ سألته غادة وهي تشير نحوها ونحو زهرة وكاميليا أيضًا، كور هو شفتيه المنغلقة بشكلٍ فكاهي، يهز راسهِ بمرواغة و ينظر اليهم بتفحص اثار ضحكات الثلاثة.. فقال أخيرًا باقتضاب: - هاتتجوزوا انتوا التلاتة. شهقت غادة مستنكرة باعتراض: - بس كدة هو دا اللي ربنا قدرك عليه، طب حتى اعمل بسندوتش الكبدة وعلبة العصير اللي في إيدك وقول حاجة مفيدة تريح قلبنا، مش انت مبروك برضوا؟ لكزتها زهرة لتنبهها بعدم أحراجه ولكنها لم تبالي فوجدته فجأة يجيب والطعام في فمه: - واحدة فيكم هاتتجوز غفير والتانية هاتتجوز وزير والتالتة هاتتجوز أمير. انطلقت ضحكات الثلاثة مرة أخرى فخاطبته كاميليا بسخرية - غفير ووزير وأمير، ايه الجو القديم ده، هو احنا في الف ليلة وليلة ياعم؟ اومأ لها بتأكيد : - انا مابقولش قديم انا بتكلم صح. رفعت غادة كفيها امامه قائلة بمرح: - حلو ياعم، يبقى انا اللي هاتجوز الأمير. هز رأسه بنفي وهو يشير بسبابته : - لا انتِ هاتتجوزي الغفير، دي اللي هاتتجوز الأمير. شهقت ساخرة وهي ترى وجهة سبابته نحو زهرة: - يخيبك، طب كنت قول كاميليا يمكن كنت اصدق، انما زهرة....! قطعت جملتها وهي تشير الى الفتيات كي يذهبوا: - امشي يابنتِ امشي، دا باينه راجل خرفان واحنا هبل اللي نصدقه. تبسمت زهرة كي تخفي حرجها من تلميح غادة الجارح لها: - قلبك ابيض ياغادة، هو كان جد يعني! ردت كاميليا بفكاهة وهي تتحرك معهم: - بس انا بصراحة بسطتني لما قال وزير، اهو قدرني وخلاص ياجدعان. غمغمت غادة بكلام حانق وهي تسير مع الفتيات عائدات لمنزلهم، فنظر الرجل لأثرهم بعد ان ابتعدن وهو يهتف: - برضوا هي اللي هاتتجوز الأمير وانتِ هاتتجوزي الغفير! ..................................... حينما عادت زهرة لبنايتهم، دلفت لشقة أبيها اولًا لتطمئن على شقيقاتها وزوجة أبيها سمية المرأة الطبية، البائسة، متعوسة الحظ، كما تسمي نفسها دائمًا، كانت تشتكي وتصف عن ضـ,ـرب زوجها لها بسبب دفاعها عن ابنتها، والتي تركت اثاره على جسدها كالعادة. - شوفتِ يازهرة، اهي العلامات اللي في إيدي دي ماتجيش شكة في اللي مزهرين في ضهري من ورا وعلى كتفي، انا مش عارفة ابوكي دا امتى بس ربنا يهديه ويفهم اني كبرت عالبهدلة وقلة القيمة دي؟ لما اخلص في إيده ولا لما امو....ت وحدي من القهرة والظلم اللي انا عايشة فيه؟ ختمت جملتها بشهقة كبيرة وبكاءٍ حارق، اوجع قلب زهرة التي ربتت على كتفها تهون : - معلش ياخالتي سمية، ربنا يفك كربك، بصراحة انا مش عارفة اقول إيه؟ ادعي عليه وهو أبويا! ولا ادعيلوا بالهداية عسى انه يحصل . يحصل فين بس يابنتي؟ دا انا بقالي سنين بدعيها الدعوة دي لحد ماتعبت وقرفت، ولساني تقل عليها، ومابقتش اخرج غير على الدعوة عليه وربنا يسامحني . صمتت زهرة لا تقوى على مجادلتها فمن وضعت مكانها تملك الحق في قول كل شئ ، تابعت سمية: - عارفة يازهرة، معلش يعني لو هاقولها في وشك، بس حقيقي بجد؛ أنا بحسد الست والدتك ان ربنا لطف بيها ورحمها من عشرة ابوكي. ابتلعت زهرة الغصة بحلقها تتجرع الألم، تُعطي العذر للمرأة في طيبتها وحسن نيتها، لنبشها عن الجرح القديم بداخلها، وتذكيرها بعقدة حياتها! خرج صوتها بصعوبة وهي تناول المرأة بعض الأوراق المالية : - خدي ياخالتي، ادي لصفية حق الدرس وتبتي انت على الباقي بعيد عن ابويا. اعترضت سمية: - لا والنبي يابنتي ماانا واخدة حاجة منك، دا حتى يبقى حرام . قاطعتها زهرة بإصرار: - حلفان على حلفانك هاتاخديهم يعني هاتاخديهم . بعد خروجها من شقة والدها واعطاء سمية ماتحتاجه من نقود هي وابنتها صعدت زهرة لشقة جدتها في الطابق الأعلى والذي ما أن وطئت اقدامها اقرب درجاته، تفاجأت بأبيها أمامها مستندًا على إطار الباب بجسده النحيف وبيده سيجارته التي يدخن بها: - أهلًا بالبرنسيسة، اخيرًا افتكرت ان ليكي بيت عشان ترجعيلوا؟ تفوه بها، قبل أن يصمت قليلًا وعيناه أتت على الكيس البلاستيكي الذي يضم فستانها الجديد وبعض الأشياء التي ابتاعتها بصحبة الفتيات، رفع رأسه اليها سائلًا بحدة : - فضلتي حاجة بقى من مرتبك بعد اللي بعزقتيه وصرفتيه النهاردة يابت فهمية؟ الفصل الثالث يسألها عن راتبها وما أنفقته، وبكل صفاقة يذكرها بوالدتها، وكأن له حق عليها؛ بعد تركها لخالها وجدتها كل هذه السنوات رغم قرب المسافة التي لا تتعدي الطابق بينهم، لا نفقة لطعام او ملبس، ولا حتى مصروف مدرسة أو تعليم، يتذكرها فقط في كسوة العيد، كحفظٍ لماء الوجه، او ليتفاخر امام اهل الحارة بكسوته لها؛ رغم عدم عيشها معه، تحمد الله انها لم تحتاج اليه ولو مرة واحدة، فقد أغناها الله برعاية جدتها الحنون وخالها الذي تكفل بتربيتها منذ ان توفت شقيقته، ورفض تركها مع أبيها الذي لم يصبر على وفاة زوجته أكثر من شهرين ليتزوج، فبقى مكانه الفارغ في حياتها طوال سنوات عمرها او بالأصح كخيال ليس له وجود، ثم يعود اليها الاَن وبقوة بعد أن امتلكت الوظيفة التي تدر عليها الراتب الجيد، وسافر خالها للعمل بإحدى الدول العربية، كي يستطيع جمع المال الذي يمكنه من الزواج وقد تعدى عمره الخامسة والثلاوثون من دونه بسبب فقر الحال ورعايته لوالدته وابنة شقيقته الميتة. - متنحة ليه يابت؟ ماتردي. استفاقت من شرودها بعد أن نبهها بأسلوبه المتهكم، ولكنها لم تعد تخاف؛ فردت ظهرها بثقة، تتقدم نحوه تردف ببرود وهي تتخطاه لتدلف داخل الشقة : - مساء الخير. - مساء الخير! ردد خلفها بدهشة قبل أن يتبعها صائحًا : - بتزوقيني وتدخلي من غير ما تعبريني يازهرة! إيه يابت فهمية؟ هي الفلوس قوة قلبك وماعدوتيش شايفة حد قدامك حتى ابوكِ؟. التفتِ اليها تردد يهدوء من تحت أسنانها: - فلوس ايه بس اللي قوة قلبي؟ هو انت شايفني بقيت مديرة بنك؟ دا انا اَخري حتة سكرتيرة لمدير حسابات، لسة ماثبتش رجلي كويس معاه وممكن يغيرني في أي وقت. - وبتكلميني بقرف كمان؟ دا انتِ على كدة مابقتيش شايفاني خالص يابت. سحبت من الهواء شهيق بقوة كي تتحلى ببعض التماسك ولا تنفجر بوجهه : - مابقتش شايفاك ليه بقى؟ عشان بكلمك بهدوء افهمك وضعي، بدال ما صوتنا يطلع انا وانت للجيران، ونجيب لنفسنا الفضايح من غير داعي دا غير انك بتتبلى عليا وتقول اني زقيتك عشان بس عديت من جمبك ودخلت الشقة صمت ينظر اليها قليلًا بملامح مبهمة قبل أن يقطع صمته: - انا عارف انك شايلة ومعبية مني من صغرك، بس ماتنسيش اني كنت سايبك على راحتك مع جدتك وخالك، وافتكري اني ماغصبتش عليكي تعيشي مع مرات أب. اومأت برأسها تجاريه ثم سالته مباشرةً: - عايز إيه ياوالدي من الاَخر، بدل اللف والدوران؟ رد بمسكنة، مصطنع الحرج: - انتِ عارفة المعايش بقت صعبة ازاي؟ دا غير ان حال الدكان اتدحدر ومابقاش زي الأول، وانا معدتش قادر اكفي خواتك ومصاريفهم و...... - معايش فلوس. قطعت استرساله هامسة، جعلته يرفع رأسه ويتقدم نحوها غاضبًا: - يعني إيه معاكيش فلوس وانتِ قابضة النهاردة. ارتدت عنه للخلف قائلة بخوف: - ماانت عارف ان خالي مسافر ومعاش ستي يدوب مقضي علاجها، لما اديك أنا بقى من مرتبي القليل من الأساس، هانقضي الشهر انا وستي اكل وشرب منين بقى؟ انقض عليها فجأة يلوي ذراعها خلف ظهرها قائلًا بعنف: - يابت الكل....... ما اديكي شارية هدوم وصارفة، يعني هي جات على قرشين تساعدي بيهم ابوكي الغلبان؟ ولا عايزاني اترجاكي عشان تحسي على دمك، أنا ماتخلقش اللي يذلني يازهرة. حاولت زهرة كاتمة ألمها تقاوم قبضته القاسية والتي ارتخت على اثر صرخة من جدتها؛ والتي تفاجأ الاثنان بظهروها أمامهم اَتية من غرفتها زاحفة: - سيب البنت يامحروس، والنعمة لو ما سيبتها حالًا دلوقتي لاكون صارخة بعلو عليك صوتي عشان الم عليك اهل الحارة كلهم. جز على أسنانه، مخرجًا سُبة وقحة قبل أن يدفع زهرة بخشونة أوقعتها على الأرض بجوار جدتها التي جذبتها من ذراعها داخل أحضانها، وخرج هو بعد ان رمقهم بنظرة مشتعلة بالغضب. ...................................... أمام المراَة كانت تلتف بفستانها يمينا ويسارًا، حتى للخلف كي ترى جمال قصته على قدها الرشيق ومنحنياتها البارزة، سألت بلهفة والدتها الجالسة خلفها على التخت وهي تتفحص باقي المشتريات: - شايفة ياما الفستان على جسمي حلو ازاي؟ دا مخليني زي البرنسيسة. رمقتها إحسان بملامح ممتعضة قبل أن تجيبها بتردد: - هو حلو وكل حاجة يعني، بس مش غالي حبيتين ياغادة؟ دا تمنه يساوي مرتب موظف في الحكومة يابنتي. استدارت اليها بابتسامة تعلو وجهها، قائلة بحماس: - وماله ياما لما يبقى غالي؟ الغالي تمنه فيه، ولا انتِ ناسية كلمتك الشهيرة، الغالي بيجيب الغالي. - أيوة يابت، بس مش بالشكل ده، دا انتٍ بعزقتي تقريبًا المرتب كله على فستاين وجزم ومكياجات. قالت إحسان وهي تلوح بالمشتريات المنتشرة أمامها على التخت بإهمال، ضحكت غادة وهي تجلس بجوارها تتأملهم بسعادة وأردفت: - انا فعلًا بعزقت معظمه، بس مايضرش، أهم حاجة ان ابقى زيها، البس واتشيك وابقى احلى منها كمان. سألتها إحسان بانتباه: - هي مين يابت اللي عايزة تبقي زيها وأحسن كمان منها؟ اجابتها غادة بأعين يملؤها الإنبهار: - كاميليا ياما، لو تشوفيها وهي ماشية في الشركة كدة واكنها هانم مش موظفة عاديه؛ شياكة إيه؟ ولا إسلوبها في الكلام، عاملة كدة زي البنات اللي بنشوفهم في التليفزيون بالظبط يامًا - بس عانس ! أردفت إحسان وهي تمصمص بشفتيها، ردت غادة بابتسامة ساخرة : - بمزاجها ياماما، مش قلة حظ ولا نقص حلاوة قطبت إحسان تسألها باستفسار : - يعني ايه ياغادة؟ مش فاهماكي! برقت غادة عيناها وهي تجيب عن السؤال : - يعني كاميليا رفضت كل اللي اتقدمولها عشان كانوا أقل منها ياما، وهي عارفة ومتأكدة انها حتى لو كبرت مش هاتقبل غير بواحد في مستواها أو اعلى. صمتت إحسان قليلًا تستوعب كلمات ابنتها ثم سألت: - وانتِ بقى عايزة تبقي زيها؟ - أبقى أحسن منها . تفوهت بها غادة بتصميم وتابعت: - انا اصغر واحلى منها، يعني ناقصني بس البس وابقى بنفس شياكتها عشان اقدر اصطاد اللي يرفع من مستوايا ده وابقى هانم انا كمان، اصلك مابتشوفيش الرجالة و الستات اللي بتيجي عندنا الشركة ياماما، ولا حتى الموظفات والموظفين، كلهم بيبروقوا كدة ويلمعوا من النضافة، مش زي الأشكال الضالة اللي في الحارة النحس دي، الواحدة تتجوزلها واحد مصدي ويبقى فاكر نفسه جايبلها الديب من ديله لو دخل عليها بكيس فاكة او ربع عكاوي. قالت الاَخيرة بقرف، أومأت لها إحسان بإعجاب: - شاطرة ياغادة وبنت امك على حق، تعجبني دماغك المتكلفة دي، ايوة كدة، تكتكي وخططي على كبير ، عشان ماتخبيش خيبة امك اللي يوم ما اتجوزت ابوكي، كانت فاكراه ياما هنا وياما هناك. قالت الاَخيرة وهي تلوك بشفتيها، دافعت غادة عن ابيها باستحياء: - ايوة ياماما، بس ابويا مابيتأخرش عن طلباتك لما ييقبض ولا يبقى معاه فلوس. قاطعتها بأشمئزاز ملوحة بكفها: - ياختي افتكريلنا حاجة عدلة . صمتت غادة فسألتها والدتها بتفكير - الا قوليلي صح يابت؛ هي المنيلة زهرة بنت خالك دماغها بتفكر زيك كدة رضوا؟ انشق ثغر غادة بضحكة ساخرة ترد: - هههه انتِ عايزة زهرة الهبلة تفكر زي ياما؟ دي لو لقت شوال بطاطس قدامها، هاتلبسه عادي، بنت اخوكي خيبة ياما هههه .................................. على الأرض الباردة كانت ماتزال داخل أحضان جدتها رغم توقفها عن البكاء منذ فترة، مستمتعة بدفء حنانها، مغمورة بإحساس الأمان الذي تستمده منها؛ رغم ضعفها، ورقية مشدد عليها بذراع والأخرى تلمس على شعرها وظهرها حتى شعرت بارتخائها فقال متصنعة الحزم: - ايه يابت انتِ هاتنامي ولا إيه؟ لا اصحي كدة يااختي انا مش حملك. اهتز جسد زهرة، تردف ضاحكة: - مش حملي ازاي بس؟ دا انتِ خوفتي ابويا ذات نفسه، جيبتي الشدة دا منين يارقية؟ انتفشت رقية قائلة باعتزاز: - ايوة امال ايه، عشان يتأكد ان وراكي ناس في ضهرك، وما يظنش ان بسفر خالد ابني هيلاقي فرصته بقى عليكي، انا مكسحة اه، لكن عندي حنجرة صوت توصل لمدينة العلمين، هو فاكريني هاينه ولا إيه؟ اهتز جسد زهرة بالضحك مرة اخرى مرددة - للعلمين! دا انتِ جامدة أوي بقى يارقية. - اوي اوي. تمتمت بها رقية وهي تقبل رأس حفيدتها التي انتفضت فجأة منتزعة نفسها منها وسألت : - صحيح هو ابويا عرف منين اني قبضت النهاردة؟ لوت رقية شفتها بزاوية قائلة بحنق: - تفتكري هايكون مين يعني ياام العريف، أكيد من إحسان اللي بنتها شغالة معاكي . استوعبت قليلًا قبل أن تتنهد قائلة بإحباط: - عندك حق، بس انا هالوم على غادة ليه؟ ماهو اكيد طلب فلوس من عمتي وهي قالتله بحسن نية رددت خلفها رقية باستهجان: - بحسن نية! والنبي دا انتٍ اللي طيبة وعلى نيانك . اومأت زهرة ترمي رأسها لتسلتقي بحجر جدتها: - طيبة ولا وحشة، هو اصلًا كان يوم غريب من أوله النهاردة، كله عياط وحرقة دم ، رغم الخروجة الحلوة مع البنات. - ليه يابت؟ هو ايه اللي حصل؟ سألت رقية بفضول فجاوبتها زهرة: - هاحكيلك ياستي، بس احنا مش المفروض نقوم بقى؟ الأرض باردة عليكِ . ردت رقية بلهفة أثارت ابتسامة بوجه زهرة: - ياختي ولا برد ولا حاجة، احكي الأول وبعد كدة نقوم. .................................... وفي مكانٍ اَخر بداخل منزل كبير تحاوطه الأشجار الكبيرة بكثافة، تدلت اغصانها على السور الخارجي، الذي انتشر جمع من الحراس الأشداء على أطرافه، فلا يجرؤ أحد غير معلوم للقرب منه إلا بإذن مسبق. كان بصالة الألعاب الرياضية الكبيرة أسفل المنزل، يتساقط العرق على جبهته وصدره بكثافة وهو يركض بسرعة على جهاز الممشى وكأنه في حلبة سباق ويريد الفوز، صوت انفاسه الهادرة كانت مسموعة، توشك أن تنقطع من فرط اصراره في افراغ طاقة الغضب المستعرة كحمم البركان بداخله، لا يدري متى تنطفئ؟ وقد تعقدت فرص الحل؛ حتى اصبح الخلاص هو المعجزة بحد ذاتها! أجفل فجأة على صرخة نسائيه دوت بمحيط صالة الألعاب هاتفة بإسمه: - كفاية بقى باجاسر، هاتمو.ت نفسك. وكأنه لم يستمع، مستمر بركضه وعيناه نحوها لم تحيد حتى صرخت بصوتٍ أعلى . - بقولك كفاية بقى، انت مابتسمعش؟ اذعن اخيرًا يبطء من سرعة الجهاز حتى اوقفه، ثم حرك جسده يبتعد بصعوبة وصوت لهاث انفاسه يصدر بحدة . رفع رأسه اخيرًا ليواجه بأعّين خضراء قاتمة بلونها، تبرق بالغضب وهي تتقدم نحوه حتى لكزته بقبضتها على كتفه العاري : - انت مجنون، مش خايف لا قلبك يقف وتمو.ت فيها؟ ايه يابني؟ هي دي برضوا عمايل ناس عاقلين ؟ استقام بجسده يتناول المنشفة يجفف بها العرق المتساقط منه، تجاهلها بصمت، وما ان تحرك ليذهب ، استوقفته تجذبه من ذراعه هاتفة بغضب: - سايبني وماشي على طول من غير كلام، هو انا مش بكلمك يابني انتِ؟ تبسم قائلًا بهدوء، عكس العاصفة الهوجاء الدائرة بداخله - نعم ياماما، عايزة إيه؟ - عايزة اعرف الغضب اللي جواك دا من إيه؟ اتكلم وقول خليني اسمع منك، بدل الحيرة اللي تاعب قلبي فيها دي. سألت والدته، فتصنع هو التفكير مضيقًا عيناها بتركيز : - عايزة تعرفي إيه سبب الغضب اللي جوايا؟ أممم يكونش يعني عشان بنت اخوكي بتسافر وتخرج مع اصحابها رجالة وستات من غير ماتقولي، ولا يمكن عشان دايرة على حل شعرها في السهر مع ناس تعرفها وناس ماتعرفهاش من غير ماتراعي هي بنت مين ولا مرات مين؟ شدد على كلماته الاَخيرة، سألته هي: - طب ولما انت مضايق اوي من عمايلها كدة، ماتوقفها وتواجها، بدال ماانت وهي كدة كل واحد في عالم لوحده ولا اكنكم متجوزين. ضيق عيناه سائلًت هو الاَخر: - اقولها إيه؟ - قولها عاللي مضايقك، حلو مشاكلكم دي مع بعض، بلاش حالة الجمود اللي مسيطرة على علاقتكم دي اهتزت كتفاه ومط شفتيه مردفًا بعدم اكتراث: - بس انا مش مهتم اتكلم معاها ولا هاممني حتى حالة الجمود اللي بتقولي عليها دي. تسمرت تنظر اليه بعدم فهم فتحرك هو مغادرًا ولكنه توقف على ندائها فجأة: - طب ولما انت مش هامك التفاهم ولا الصلح معاها، شحنة الغضب اللي جواك دي بقى، سببها إيه؟ استدار اليها بملامح قاتمة، ضاغطًا بقبضة يده، يجز على أسنانه ليجيبها بعنف: - انها على زمتي؟!١ ............................... في اليوم التالي على مكتبها الصغير كانت مُنكفأة على الحاسوب أمامها تعمل عليه بتركيز داخل الحجرة الكبيرة الخالية الا منها، بعد ان صعد مديرها وكل طاقم المكتب إلى الطابق الرابع، للمشاركة في الإحتفال الصغير بتولي جاسر الريان مسؤلية قيادة الشركة الأم لمجموعة الريان خلفًا لأبيه، الذي صرف لجميع موظفي الشركة مكافأة وأعطى لهم أجازة نصف يوم. احتفاءًا، ولكي يتعرفوا على القائد الجديد للشركة. انتبهت على صوت هاتفها الذي كان يصدح بورود مكالمة من غادة التي فتحت ترد عليها بتأفف: - ايوة ياغادة عايزة ايه تاني؟ ماقولتلك يابنتي مش طالعة . وصلها صوت غادة المتحمس: - ليه بس يامنيلة؟ دي الدنيا هنا بتشغي بالموظفين، وبيوزعوا جاتوه وحاجات حلوة كدة وغريبة، في حياتك ماشوفتيها ولا هاتشوفيها يافقر. - ماانتِ قولتي فقر، همست بها وتابعت بحزن: - والنبي بس حاولي ماتتاخريش عشان نمشي بدري. - ونمشي بدري ليه من الأساس دا انت.... وصلت الى أسماعها من غادة هاتفة بحنق، قبل ان تنقطع كلماتها وتتولى كاميليا الباقي . - ايوة يازهرة، اطلعي يابنتي وبلاش اللي في دماغك ده، هو انت مزهقتيش من الشغل ولا نفسك تفكي شوية . جاوبت،وعيناها تدور في أركان المكتب الخالي: - هو مش زهق قد ماهو خوف، اصل المكتب فاضي خالص من الموظفين، كلهم سابوني ياكاميليا وطلعوا عندك. - يخرب عقلك ياشيخة، اخلصي وتعالي ياللا زهرة، وبلاش شغل العيال بتاعك ده، هو عفريت يابنتي هاياكلك. بعد قليل صعدت زهرة مضطرة تحت إصرار الفتيات، لتنضم الى جمع العمال والموظفين المحتمعين للإحتفاء بالرئيس الجديد لشركتهم، ارتخت أعصابها المشتدة قليلًا، حينما اختلطت في الزحام، في الردهة الواسعة للشركة والتي تضم العدد الأكبر لمكاتب الموظفين، كانت ممتلئة عن اَخرها بالمهنئين، بعد ان قدٌم الرجل الكبير خليفته في الرئاسة ووزعت الحلوة والمشروبات الغازية. شعرت زهرة بالخوف حينما راته بجوار ابيه ومجموعة من رؤساء الاقسام ومعهم مديرها، يتحدثون ببعض التباسط لظرف المناسبة.سرعت بخطواتها حتى وجدت كاميليا مع إحدى الزميلات تضحك وتتسامر معها، رأتها هي الأخرى فاستاذنت من الفتاة وتقدمت اليها بابتسامة واسعة وانيقة مثلها: - اَخيرًا جيتي يابنتي دا انا خوفت لا ترجعي في رأيك وبرضوا ماتجيش . قالت زهرة بتردد: - انتِ بتقولي فيها؟ والنبي دا انا على اَخر لحظة قبل مااطلع الاَنساسير كنت هاغير رأيي وامشي عالشارع . - ياجبانة!! طب والله تعمليها . شاكستها كاميليا ضاحكة، اومأت زهرة برأسها موافقة بابتسامة قبل أن تسألها : - هي البت غادة فين صح؟ مش شايفاها يعني. أشارت لها بعيناها نحو زاوية قريبة من جاسر الريان ومجموعته، كانت تقف بها غادة هناك، وقد عدلت من هيئتها وزادت من مساحيق وجهها كي تلفت اليها الأنظار وتشارك مع الفتيات في توزيع الحلوي والمشروبات، فغرت زهرة فاهاها وعادت لكاميليا هامسة بدهشة : - هي عاملة كدة ليه؟ اجابتها كاميليا بابتسامة ماكرة: - باينها فاكراه فرح بلدي وعايزة تظهر في الكاميرا لما تقرب من الكوشة والعرسان استجابت زهرة لمزحة كاميليا ضاحكة، وهي تغطي بكفها على فمها باستحياء. لتندمج بعد ذلك في الحديث المرح معها وتنسى ماكان يخيفها، وما كان يقلقها في الصعود . وفي الناحية الأخرى كان يتحدث ويتلقى التحية على مضض بداخله، بعد أن فاجأه ابيه بهذه الفعلة، بحجة زرع المودة بينه وبين الموظفين، يبتسم بتكلف ومجاملة، مراعاةً لشعور ابيه، فكم هي ثقيلة عليه المناسبات الإجتماعية وتملق الناس اليه ، كان يحتسب الثواني والدقائق حتى يصرفهم وينتهي من هذه المهزلة، حتى وقعت عيناه عليها بالصدفة، واقفة في اَخر الردهة تتحدث وتتسامر مع كاميليا، بفستان واسع كالأمس، ولكن هذه المرة بالوانِ مفرحة وجميلة وليس باهت كالأمس، حجابها الطويل بلونه الوردي انعكس على صفاء بشرتها الرباني مع ابتسامتها الساحرة التى فاجأته بروعتها، أسرت عيناه نحوها، حتى اصبح يومئ برأسه لمن يتحدث اليه دون انتباه، لا يعلم سر هذه الهالة الغريبة التي تحاوط هذه الفتاة وتجذبه اليها، وبلفتة نادرًا ماتصدر عنه، وجده نفسه دون أن يدري يشملها بنظرة رجولية خالصة؛ أنبأته بما قد يخفى عن الجميع إلا عنه؛ كرجلٍ اختبر ورأى من اصناف النساء الكثير، طالت نظرته حتى شرد بها، وتذكر لقاءه بالأمس معها، حياءها الشديد وحشمتها النادر ما يجدها في فتيات هذا العصر، نسي الزمان والظرف وكل ما حوله، فاحتلت جميع تفكيره في هذه اللحظة، فخرج اسمها من بين شفتيه وكأنه يخاطب نفسه: - زهرة!! الفصل الرابع ممسكة بطبق الحلوى الذي أعطته لها كاميليا؛ تتناول منه نادرًا، مع اندماجها في الحديث المرح مع ابنة حارتها والتي كانت جارتها سابقًا، قبل ان تنتقل مع عائلتها الي شقة أجمل وبمنطقة أهدى عن منطقتهم الشعبية العتيقة، بحديث مسلي انساها ماأخافها سابقًا وتسبب في توترها، انتفضت فجأة تكتم شهقة كادت أن تخرج منها حينما أجفلتها غادة بوضع يدها على خصرها من الخلف، هامسة بميوعة اثارت الحنق لدى زهرة: - اَخيرًا جيتي يازوزو؟ طافت زهرة بعيناها على باقي الموظفين حولها بقلق قبل أن تعود إلى غادة قائلة من تحت أسنانها: - دي عملة تعمليها؟ عايزاني اصرخ من الخضة واتفضح وسط الناس اللي ماليها اول ولا اَخر دي؟ ردت غادة بسماجة أذهلتها: - وماله ياقلبي، على الأقل بكدة هانبقى نجوم الحفلة بدال ما احنا تايهين كدة في الزحمة وماحدش شايفنا، ولا إيه ياكاميليا؟ كاميليا وهي تنظر اليها بدهشة وابتسامة اعتلت وجهها: - يخرب عقلك، دا انتِ مجنونة بجد، بقى هي دي فكرتك عن لفت الإنتباه ؟ - اعمل إيه بس يابنات ماانا غُلبت. هتفت بها قبل ان تتدراك نفسها وتخفض صوتها وكأنها تخبرهم سرًا: - بقى مش صعبان عليكم بالذمة؟ الصالة اللي بتشغي بالبهوات والناس النضيفة دي، نطلع منها كدة من غير مانستلقط واحد منهم . كتمت زهرة بكف يدها شهقة أخرى كادت ان تخرج منها، مصعوقة من جرأة ابنة عمتها، أما كاميليا فالتي ارتفع حاجبيها واهتزت رأسها رددت بعدم استيعاب: - انا قولت مجنونة وربنا، انتِ فعلًا مجنونة يابنتي. لوت فمها مرددة هي الأخرى: - مجنونة مجنونة، بس انول اللي في بالي . استسلمن الفتاتين لعدم الجدال معها وفضلن الرد عليها بالصمت؛ يبتسمن لها بيأس، حتى أنتبهن على من أتى بالقرب يلقي التحية عليهن . - مساء الخير يابنات . ردت زهرة و رددت كاميليا خلفها التحية لعماد، الذي رمقته غادة من منبت شعره حتى أخمص أقدامه وهو يتحدث الى زهرة بلطف كعادته مع بعض التلجلج : - ااا أنا قولت اشوفكم يعني، لو محتاجين أي حاجة في الدنيا الزحمة دي؟ قالت زهرة بخجل. - لا متشكرين ياأستاذ عماد، ربنا يخليك. - يعني بجد مش محتاجين أي حاجة؟ أنا تحت الخدمة؟ كرر عماد متمعنًا النظر الى خجلها باستمتاع، فقطعت غادة عليه اللحظة قائلة بحدة . - ماقالتلك مش محتاجين حاجة ياأستاذ، متشكرين ياسيدي، ولما نحتاجك هانبقى نقولك . انسحب مرددًا بإحراج: - طيب تمام، اَسف ياجماعة لو ازعجتكم . نظرت الفتاتين في أثره وهو يبتعد عنهم بأسف، فخاطبتها كاميليا بلوم: - حرام عليكِ ياغادة، ليه أحرجتي الراجل، كان يكفي أنك تردي عليه ببعض الزوق . - هي كدة غادة، اي حد طيب او غلبان بتعتبره مايستهلش التعبير حتى. قالتها زهرة بحزن، لم يؤثر في غادة التي مصمصت بشفتيها مستنكرة. - قال غلبان وطيب! هي ناقصة تلزيق وتناحة يااختي انتِ وهي، اقولكم؛ أنا ماشية وسايبهالكم، اروح لزميلات الفرفشة احسن، البنات الحلوة اللي بتقدم الحلويات والساقع هناك دي، بلا وكسة. راقبنها وهي تبتعد عنهم وتذهب لتنضم لفريق البنات المضيفات، كي تقترب وتحتك بالموظفين الكبار ، فقالت كاميليا : - ماتزعليش منها يازهرة، بنت عمتك طاقه وانتِ عارفاها. - عارفة والله انها طاقة، بس انا بيصعب عليا الناس اللي بتحرجهم؛ خصوصًا لما يكون راجل محترم زي استاذ عماد و....... قطعت جملتها وهي ترتد بعيناها نحو كاميليا مرددة: - ياساتر يارب الراجل ده بيبصلي كدة ليه؟ - راجل مين؟ سألت كاميليا وهي تشرئب بأنظارها نحو الجهة التي اشارت اليها زهرة، فوجدت رئيسها الجديد ينظر نحوهم بتجهم ووجه عابس، قطبت مندهشة فقالت: - تلاقيه بس عايز مني انا حاجة، مش لازم تكوني انتِ المقصودة يعني؛ انا هاروح اشوفه. اوقفتها متشبثة بذراعها تردف بخوف؛ - لا والنبي ياكاميليا ماتسيبنيش لوحدي، ثم ان هو لو عايزك هايبعتلك، عشان خاطري ماتمشيش، دا انا حاسة بنظراته بتخترق ضهري من ورا، انا مش فاهمة هو بيعمل معايا كدة ليه؟ ربتت كاميليا على كف يدها المطبقة على ذراعها بغرض تهدئتها: - طب خلاص اهدي كدة وماتكبريش الموضوع، جاسر بيه هو دا طبعه من الأساس على فكرة؛ دايمًا مكشر وحواجبه كدة مقلوبة تمانية، على العموم هو بِعد بنظره وجاتله مكالمة تلهيه عننا. - والنبي بجد؟ قالت زهرة وهي تلتفت مرة أخرى نحوه، تنفست الصعداء فور أن رأته أعطى ظهره لها، أردفت مخاطبة كاميليا : - طب خلينا نمشي بقى! .................................... وفي الجهة الأخرى ابتعد عن باقي الموظفين ودلف لمكتبه حتى يستطيع أن يتابع المكالمة التي أتته بغتةً من والدته، صفق باب الغرفة بقوة وخرج صوته بحرية: - كنتِ بتقولي إيه بقى ياماما؟ سمعيني تاني كدة. - بقولك ياحبيبي ميرا رجعت النهاردة الصبح من رحلتها. اومأ برأسه وكأنها أمامه قائلًا بسخرية؛ - ااه ، طب وانا مالي بقى ان كانت رجعت ولا مرجعتش حتى، بتتصلي بيا ليه؟ وصله صوت والدته المصدومة: - ازاي بس انت مالك يابني؟ دي مش مراتك دي؟ طب حتى عشان تتفاهموا..... قاطعها بحدة سائلًا : - ممكن اعرف انتِ بتتصلي تبلغيني ليه ياماما؟ - ياحبيبي انا باتصل عشان بس تعمل حسابك وماترجعش متأخر زي كل يوم. ضغط على شفتيه يهز برأسه يائسًا قبل أن يرد منهيًا الجدال: - تمام انا فهمت ياماما، اقفلي بقى دلوقتي انتِ عشان انا معايا شغل. - يعني هاتتصالحوا ياجاسر ؟ ضغط على أسنانه كابحًا غضبه: - طب معلش ياماما قفلي بقى وانا هابقى أكلمك من تاني ماشي، سلام بقا. نهى المكالمة وخرج سريعًا من غرفة مكتبه لينضم الى والده ومن يعملون معه بالشركة في تجمعهم للإحتفاء به، بمناسبة تقلده لمنصب ادارتها، ذهبت انظاره تلاقئيًا لمكانها على الفور فلم يجدها ثم طاف بعيناه على جميع الوجوه فلم يجدها أيضًا، اقترب من والده يهمس سائلًا: - هي كاميليا راحت فين ياوالدي؟ أنا مش شايفها يعني. اجابه عامر: - كاميليا استأذنت ومشيت، هو انت كنت عايز منها حاجة؟ لوح بكفه نافيًا بصمت وهو يتراجع للخلف، وقد أصابه الإحباط بعد أن فقد اللون الوردي بزهرته التي بعثت على يومه بعض البهجة التي افتقد الشعور بها منذ سنوات. ................................. وفي مكانٍ اَخر تحت اليافطة المدون بها بخطوطٍ باهتة قديمة( المعلم محروس الشربتلي للتنجيد) والتي اعتلت الدكان المتواضع في الحارة الضيقة، كان جالسًا على كنبته الصغيرة يرتشف من كوب الشاي الذي بيده والسيجارة في فمه، قطع القطن واكياس الوسادات القديمة البالية تحت اقدامه، وعدته التي يعمل بها مرمية على الارض بإهمال، انتبه على صوت الصبي الذي يعمل بركن وحده في الداخل وهو يهتف عليه: - انا خلصت الحتة اللي في آيدي ياعم محروس هاتيجي تشوفها بقى وتقولي رايك. - اترزع ياد مكانك وشوفلك حاجة تانية اشتغل فيها عبال ما اجيلك اطل عليك. ردد الفتى بتردد: - اشتغل ازاي بس يامعلمي ؟ وشوية القطن اللي في الشوال الجديد مايكفوش مخدة حتى. - طب نجدلك في حتة قديمة ياخويا وماسمعش نفسك تاني، فاهم . غمغم الفتى من الداخل بحنق على اهمال معلمه وعدم مراعاته لصنعة قد ياكل منها الشهد كما يتصور الفتى، لو انتبه لها محروس وحرص على الأنتهاء من الأعمال المتراكمة بداخل الدكان من وسادات ومراتب جديدة أو بالية وبحاجة لتجديد، ولكن كيف؟ وقد سيطرت المكفيات على عقله، وألهته عن صنعته وعن العالم اجمع، دوى الصوت القبيح في الخارج: - محروس باشا، قاعد عالكنبة ومسلطن ياعم؛ طب مش تندهلي عشان اَخد مكاني جمبك. تمتم الفتى بغيظ: - وادي كمان صاحب السوء وأوس البلاوي كلها وصل، كملت! وعند محروس الذي رد بتأفف: - عايز ايه يافهمي؟ ومالك بقى ان كنت اقعد متسلطن ولا اقعد على دماغي حتى، مش خلاص فاضيناها احنا وخلصنا. اقترب فهمي يجلس بجواره على الكنبة قائلًا بسماجة: - ومين بس اللي قال ان احنا خلصنا ياعم محروس؟ دا انت حبيبي والنعمة. نفض محروس كف فهمي التي استندت على ركبته يبعده عنه بتأفف: - انت اللي قولت يافهمي، لما مشتني امبارح من عندك وقفايا يقمر عيش، من غير ماتبل ريقي بحتة صغيرة حتى ولا انت نسيت . بضحكة متوسعة اظهرت أسنانه الصفراء، اخرج فهمي من جيبه قطعة ملفوفة صغيرة يضعها بكف محروس الذي تلاقاها بلهفة: - طب كدة بقى احنا بقينا متصالحين ياعم. قبض على القطعة محروس داخل كفه يردف بعدم تصديق: - بس انت مرديتش تديني أمبارح عشان الفلوس اللي معايا مكنتش مقضية، وخلتني ابات ليلتي اخبط في الحيطان من الصداع اللي مسك راسي يافهمي، هونت عليك وانت عارفني، دا انا مش بقصر معاك غير في الشديد القوي. اتعوج فهمي بجلستة يضع قدمًا فوق قدم بميل وهو يردف بسيطرة: - عارف ياعم محروس عارف، بس انا عايزك تنسي الليلة دي خالص، عشان من هنا ورايح، انا مش هاخليك تحتاج لأي حاجة ولا تتعب، كل طلباتك من الصنف هاتوصلك من قبل ماتشاور . - بتتكلم جد يافهمي ولا انت جاي تتضحك عليا؟ سأل محروس بتشكك وارتياب، اخرج فهمي من جيبه علبة السجائر وقداحته ، يتحدث بتمهل: - لا صدق ياعم محروس، انا مش بضحك عليك ولا بثبتك، مانت عارفني بعزك قد ايه، هي بس حاجة صغيرة اوي اللي طالبها منك . حرك رأسه محروس يسأله بتفسير: - هي إيه الحاجة دي؟ قول. وضع فهمي السيجارة بفمه وهم لإشعالها ولكنها سقطت من فمه بعد أن تدلى فكه فور رؤيتها وهي تقطع الشارع امامهم، دون ان توجه نظرة نحوه او حتى تلقي السلام لوالدها، تنهد قائلًا لمحروس: - هاقولك على طلبي وعلى الله بقى ماتنفذهوش .................................. فتحت زهرة باب الشقة بالمفتاح ثم دلفت تهرول بسعادة للداخل نحو جدتها الجالسة بمحلها على ارض الشرفة من وقت أن تركتها زهرة وذهبت للعمل - ستي ياستي، قومي ياستي ، شوفي انا جيبالك ايه؟ اعتلت السعادة ملامح وجه المرأة المجعدة بدلوف زهرة اليها بهذا الحماس، فسألتها بلهفة: - جايبة إيه بقى ياعين ستك انتِ؟ افترشت بجوارها على الارض غير مبالية بفستانها الجديد، تخرج من حقيبتها لفة أصناف الحلويات الجميلة والغريبة عنهم، تقطع بيدها قطعة صغيرة تضعها في فمها: - شوفي كدة ياستي ودوقي الحاجات اللي تهبل دي لوكت رقية داخل فمها تستطعم الطعم الجديد عنها: - اممم دي حلوة اوي يابت، جبتيها من فين دي؟ ولا اشترتيها بكام يامقصوفة الرقبة؟ ضحكت زهرة وهي تناولها قطعة اخرى بفمها: - هههههه اطمني يارقية مقربتش على حق الدوا والعلاج بتوعك، انا مشترتهمش اساسًا . لوكت رقية بفمها مضيقة عيناها بمكرها المحبب على قلب زهرة: - امال انتِ جيباهم منين يابت؟ قولي على طول وقري بدل ما لف شعرك بإيدي، قولي يابت . قهقهت زهرة وهي تجد كف جدتها التي حطت على رأسها تحاول الأمساك بها فقالت من بين ضحكاتها: - خلاص ياستي هاقول، هاقول يارقية خلاص والنبي . - طب ياللا قولي وسمعيني قالت رقية متصنعة الحزم ، ردت زهرة بعد ان هدأت ضحكاتها: - ياستي النهاردة كانوا في الشركة عاملين احتفال بتولي المدير الجديد اللي هو يبقى ابن رئيس الشركة، إدو الموظفين اجازة نص يوم، وفرقوا علينا بقى ساقع والحلويات الغريبة اللي انتِ شايفاها دي، دا غير كمان المكافأت . اومأت رقية بتفهم، وتابعت زهرة: - وعارفة مين اللي مسك ياستي، الراجل الكشر اللي نشف ريقي امبارح في مكتب زهرة اعوذ بالله . - هو شكله وحش اوي لدرجادي يابت ؟ سألتها رقية بتوجس، اجابتها زهرة بابتسامتها المعهودة: - شكل ايه بس ياستي اللي بتتكلمي عنه؟ الناس النضيفة دي برضوا فيها حد وحش، دا بالعكس كمان، الراجل دا لما تشوفيه من بعيد تفتكريه كدة زي نجوم السيما. لكن في الحقيقة بقى هو يخوف بجد - مايخوف اللي يخوفه يابت واحنا مالنا، مش هو ماسك قي حتة وانتِ بتشغلي في حتة تانية. رفعت زهرة حاجبيها تردف بابتسامة واندهاش: - اه والله صح يارقية، اينعم هو رئيس الشركة، بس انا والحمد لله شغلي بعيد عنه، حبيبتي انتِ ياروكا. ....................... ........ بعد انتهاء اليوم وانصراف الجميع من عملهم، سارت غادة تطرقع بكعبها العالي على ارض الرواق المؤدي الى الباب الرئيسي، في طريقها للمغادرة وحدها، بعد ان تركتها الفتيات كاميليا وزهرة وغادروا مبكرًا دونها، كانت تغمغم بداخلها حانقة ومحبطة، بعد أن فشلت كل محاولاتها في جذب انتباه جاسر الريان؛ الذي تصدرت أمامه بجوار فتيات التقديم، ولم يرمقها حتى بنظرة عادية، حتى الرجال الأفاضل رؤساء الأقسام او موظفين الشركة الكبار، لم ترى من أحدهم فعل واحد يريح قلبها ويبعث في نفسها ماتستحقه من تدليل، كل مانالته هو نظرات الاعجاب التي تبعث في نفسها بعض الثقة الوقتية، ثم تعود لإحباطها فور انتهاء اللحظة، خرجت متأففة تنزل الدرج الرخامي بخطواتٍ مسرعة خففتها فور ان رأت سيارة جاسر الريان المصطفة امام الشركة بسائقها الذي تشاجر مع زهرة، يبدوا انها في انتظار خروجه، تباطئت خطواتها أكثر وهي تلتفت خلفها كل دقيقة، علٌه يخرج وتراه حتى وقفت بزواية قريبة تراقب؛ عقلها يدور بدون هوادة تريد التقاط ولو فكرة صغيرة، تجعله يلتفت اليها أو يراها. - أخ بس عايزاه يشوفني، يمكن يحصل. هو ايه اللي هايحصل؟ شهقت مرتدة للخلف واضعة يدها على قلبها حينما دوت هذه الجملة المفاجئة بجوار أذنها بخفوت وحينما التفت نحو صاحب الصوت ارتعبت بحق، من هيئة الرجل الأسمر، ضخم الجسد بلحية حول فكيه ورأسه الكبيرة صلعاء تمامًا من الشعر، غمز لها بعيناه قائلًا : - ايه ياحلوة اتخضيتي؟ سلامة قلبك. رفعت شفتها قائلًا بازدراء: - وماتخضش ليه بقى وانا شايفة عفريت قدامي . فتح فمه بضحكة مجلجلة فقال: - عفريت عفريت بس اعيش، بس لعلمك بقى، انا عفريت في كله. ختم جملته المبهمة بغمزة بعيناه قبل ان يتركها راكضًا نحو سيارة جاسر الريان بمجرد رؤيته وهو يقترب منها، راقبته وهو ينضم اليه بداخلها ثم تحركت السيارة وغادرت، تمتمت بسبة بذيئة نحوه قائلة: - ابو شكلك يا بعيد، وقفت قلبي وقطعتلي الخلف، بشكلك اللي يخوف ده، ياساتر. ................................ حينما عاد جاسر الى منزله مع والديه، بمجرد دلوفه لداخل المنزل الكبير، هتفت عليه والدته غاضبة توقفه قبل ان يصعد الدرج : - استنى عندك ياجاسر. استدار اليها مرددًا بهدوء: - نعم يا أمي، في حاجة؟ اقتربت منه بوجه مكفهر تتحدث جازة على أسنانها: - ممكن اعرف انت أتأخرت ليه في الشركة، وانا حسب ما سمعت من والدك ان الموظفين انصرفوا من نص اليوم. مط شفتيه قائلًا ببساطة: - عادي يعني، الموظفين انصرفوا بس انا كملت شغل مع نفسي في مراجعة ملفات الشركة وعقود الصفقات اللي مضاها والدي . ردت بأنفاسٍ لاهثة تكتم غيظها : - النهاردة ياجاسر، وبعد مانبهت عليك برجوع ميرا، في ايه يابني؟ - وماترجع ميرا ولا تزفت حتى، اسيب الشغل وارجعلها بدري ليه انا؟ هاعملها استقبال مثلًا؟ قال بعدم اكتراث اثار استياء والدته التي هتفت بصوتٍ خفيض : - انت هاتجنني ياولد انت؟ هو احنا مش اتفقنا انك تتكلم معاها وتحاول عشان تقدر تصفي اللي ما بينك معاها . لوح بكفيه أمامها نافيًا: - انتِ اللي قولتي، انا ماقولتش حاجة، عن اذنك بقى ياست الكل عشان عايز اطلع اغير هدومي واَخد شاور. نهى جملته والتف ليصعد الدرج أمامها غير مبالي بصدمة المرأة التي ظلت متسمرة دقائق تستوعب مواقف ابنها الغير مفهومة. ................................ وفي الأعلى وبعد أن دلف لغرفته، وجدها مستلقية على فراشه بملابس شبه عارية، تفحصها قليلًا والتوت شفته بابتسامة ساخرة وهو يتناول المقعد يقربه من رأسها حتى جلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى، فرك بيده على فكه الأسفل قائلًا : - ممكن تفهميني ايه اللي منيمك على سريري وانا مش موجود؟ وجاوبي على طول عشان انا معنديش خلق للأستهبال والتمثيل. فتحت عيناها على الفور تعتدل بفراشها زافرة بقوة تنظر اليه حانقة: - اعوذ بالله منك ياأخي، هو انت على طول كدة قطر، مافيش وقت للتفاهم . اعتدل بظهره لخلف المقعد قائلًا : - وليه ماتقوليش اني مليت من تمثلياتك الخايبة، وانت مفكرة ان ممكن انطس في عقلي واتأثر بكتف ولا رجل عريانة منك، ايه ياميرا هو انت لسه عايشة في الوهم.؟ شحب وجهها للحظات من مفعول كلماته القاسية لها، لكن سرعان مااستعادت توزانها فتبسمت وهي تعبث بشعرها تعيده للخلف: - جلف وبترمي دبش من بوقك على أساس اني هاتأثر يعني ولا هاتهز ثقتي في نفسي، لكن لا ياحبيبي، انا عارفة كويس اني مرغوبة، مش محتاجة شهادتك سأل رافعًا حاجبه: - اااه ومين بقى اللي عرفك انك مرغوبة؟ يكونش الرجالة الأغراب اللي كنتِ بتسهري معاهم يوميًا في رحلة المسخرة اللي عمليتها انتِ وصحباتك الفاشلين، ولا في حاجات تانية أنا معرفهاش؟ مالت اليه برأسها مرددة : - إيه ياجاسر؟ أسميها غيرة دي بقى ولا إيه بالظبط؟ برقت عيناه هاتفًا بغضب: - فوقي لنفسك يامريهان، غيرة ايه دي اللي اغيرها انا على واحدة زيك؟ أنا كل اللي هاممني هو اسمي واسم العيلة، اسم حضرة الوزير والدك، اللي ممرطاه مع اللي يسوي واللي مايسواش بعمد؛ عشان تستفزيني وتخرجي مني رد فعل يرضي جنونك، لكن لا يا مريهان ، انا برضوا هاسيبك كدة مع نفسك، لعل بغباءك ده تشيلي والدك من كرسي الوزارة يمكن ساعتها يحس على دمه ويشوف عمايلك. بصق كلماته ثم خرج مغادرًا دون حتى الإلتفاف نحوها، ورؤية أثرهم عليها وعلى جسدها الذي كان ينتفض من الغيظ والغضب. .......................... في اليوم التالي وفور أن دلف لداخل الشركة بهيبته المعتادة والخاطفة للإنفاس، حزمه وصرامته رغم مظهره البراق، لمحها واقفة أمام المصعد الخاص بالموظفين ، ممسكة ببعض الملفات دون أن انتباه لم تترد اقدامه في السير نحوها مفاجًأ كارم ذراعه الأيمن في جميع اعماله والذي تسمر محله مزبهلاً وهو يرى رئيسه يتجاهل مصعده الخاص كرئيس الشركة ليلحق بمصعد الموظفين على اخر لحظة قبل تحركه. وفي الناحية الأخرى كانت زهرة منكفئة، تراجع الأوراق التي بيدها حينمأ أجفلت على دخول أحد الأشخاص، شهقت مرتدة للهخلف حينما تبينت هويته، يقف أمامها واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله، ونظرة عيناه التي وجهها على الفور نحوها، تثير بقلبها الشك والإرتياب. الفصل الخامس برقت عيناها التي اشاحتها عنه بارتباك فور أن دلف لداخل المصعد معها، تود الدخول في المراَة المتصلقة في الجدار، كي تبتعد بقدر الإمكان عنه في هذه المساحة الضيقة التى جمعتها به، تشعر بانسحاب الهواء من حولها وقد شلت المفاجأة تفكيرها. تذكر جيدًا انها كانت تقف وحدها في انتظار المصعد، اذن متى اتى لينحشر معها في هذا الخاص الموظفين ويترك المصعد الخاص به كرئيس الشركة ، قلبها يضر......ب بصدرها كالطبول بين أضلعلها، تنظر للوحة الإلكترونية وكأن حياتها تعلقت بالأرقام الحمراء. - طالعة الدور الكام . - هااا تفوهت بها اليه بعدم تركيز، اعتلت ابتسامة ساخرة بزواية فمه وهو يردد: - بسألك انتِ طالعة الدور الكام، إيه مافيش تركيز؟ ازدردت ريقها وهي تحاول ان تبلتع توترها في وجود هذا الرجل المخيف، رغم تعجبها من السؤال؛ جاهدت حتى يخرج صوتها ببعض الثبات: - اا الملفات اللي في إيدى دي هاطلعها للإدارة فوق في الدور السادس . - طب وخايفة وانتِ بتكلميني ليه؟ حد قالك اني هاخطفك مثلًا؟ يسألها بتسلية وعيناه المتفحصة تلاحق كل تفصيلة بوجهها دون حياء، تقسم بداخلها أن هذا الرجل سيقـ,ـتلها رعبًا بأفعاله معها، وبكذبة مفضوحة؛ نفت برأسها تنكر : - لااا حضرتك انا مش خايفة - بجد! تفوه بها وانفرج ثغره بابتسامة شيطانية حينما تحركت اقدامه نحوها بخطوة واحدة جعلتها ترتد للخلف شاهقة برعب، دوت ضحكة رجولية صاخبة منه في قلب المساحة الضيقة، مستمتعًا برد فعلها والرعب الذي ارتسم على ملامح وجهها، ثم من دون كلمة أخرى التف ليخرج مغادرًا المصعد، حينما انفتح الباب الإليكتروني على الطابق الذي يقصده، تسمرت زهرة محلها فاغرة فاهها بأعين متوسعة بجزع ، تراقب خروجه بهيبته المعتادة وكأن شيئًا لم يكن، حتى انغلق الباب اتوماتيكيًا حاجبًا رؤيته أمامها، مصدومة مذهولة لاتجد تفسيرًا لفعل هذا الرجل معها؟ هل هذه كانت مشاكسة لموظفة عادية تعمل بشركته؟ كرئيس يتمتع بروح الفكاهة وليس انه رجل كشري ومقلوب الحاجبين دائمًا كما تصفه كاميليا، ام يكون متعاطيًا لإحدى المكيفات ولا يعي ما يفعل؛ كأباها الذي يصبح يوميًا متقلب الأحوال حسب الصنف الذي يتجرعه؟! رفعت هاتفها الذي بيدها لتضغط على الرقم الذي تعرفه جيدًا وتتصل، أتتها الإجابة على الفور. - الوو........ ايو يازهرة عايزة ايه ياقلبي ؟ ............................. - نعم بتقولي ايه؟ تفوهت بها كاميليا وهي تحدث زهرة في الهاتف والتي اردفت. - زي مابقولك كدة والله ياكاميليا، لاقدمت حرف ولا اَخرت حرف، دا فكرني بالعيال الصيع في حارتنا لما يحبوا يغلسوا على بنت معدية في الشارع. شهقت كاميليا التي انتزعت النظارة من فوق عيناها وهي تضحك بدهشة اثارت استياء زهرة التي صاحت عليها في الهاتف غاضبة : - انتِ بتضحكي على كلامي ياكاميليا، هو انتِ سمعاني بقولك نكتة مثلًا؟ حاولت كاميليا كبت ضحكها وهي ترد بأسف: - انا أسفة يازهرة، بس التشبيه بتاعك ضحكني من قلبي فعلًا وانا بتخيل جاسر الريان بجلالة قدره يعمل زي ماقولتي كدة، دي حاجة كدة ولا الخيال، بس هو بيعمل معاكي كدة ليه؟ وصلها الصوت الساخط: - هو انتِ بتسأليني ياكاميليا؟ اشحال ان ما كنت انا بنفسي سألاكي السؤال ده امبارح، دا راجل غريب والله . مطت كاميليا بشفتيها واهتزت كتفيها لا تستوعب فعل ماتذكره زهرة عن جاسر الريان وهي بنفس الوقت لا تكذبها، انتفضت في جلستها بعد سماعها تردد اسمه من قريب لتنهي المكالمة على عجالة: - زهرة اقفلي دلوقتي وهابقى أكلمك بعدين انا، ماشي. انتصبت واقفة حينما رأته على الفور امامها اَتيًا وخلفه كارم مدير أعماله ويده اليمنى في مجموعة شركاته اردفت اليه بصوت مسموع : - صباخ الخير ياجاسر بيه. أومأ برأسه لها كتحية بوجهه المتجهم كالعادة راقبته حتى دلف لداخل المكتب واغلق كارم الباب، فتمتمت بصوت خيفض تتسائل مع لنفسها: - ايوة كدة صح، هو دا جاسر الريان؛ امال اللي بتتكلم عليه زهرة دا يبقى مين ؟ .... ........................ عاد محروس لمنزله ليلًا، يتبختر بخطواته منتشيًا أمام زوجته التي كانت تشاهد باهتمام إحدى حلقات المسلسل الهندي، فسرق انتباهاها عنه؛ حينما التفت على الغناء بصوته لمطرب شعبي مشهور، وضع اللفة التي بيده على الطاولة التي توسطت المنزل ثم تقدم حتى يجلس بجوارها على الكنبة المنجدة بيده سابقًا، خاطبها وهو ينحني ليخلع عنه حذائه. - مساء الخير ياام البنات. رددت خلفه بدهشة: - مساء الخير يامحروس، مش بعادة يعني ترجع بدري كدة والغزالة تبقى رايقة؟ انفرج فاهه بابتسامة متوسعة اظهرت خلوه من بعض الأسنان: - لا ما انا روقت بدري على نفسي النهاردة، يعني مش محتاج اروح لغرزة الواد يماني وخمرته المضروبة. صمت قليلًا يجوب بعيناه في ارجاء المنزل، وتابع سائلًا: - هما البنات راحوا فين؟ مش شايفهم يعني. اجابته بريبة : - سلمى ومنى ناموا بدري عشان ميعاد المدرسة، وصفية بقى بتذاكر فوق عند اختها وجدتها، ما انت عارفها بتقضي معظم الوقت معاهم دلوقتي، من ساعة ما خالد خال زهرة سافر الخليج. أومأ بابتسامة غير مفهومة: - طب كويس اوي، عشان الجو يخلالانا ياسمسمتي، وناكل كيلو الكباب اللي هناك ده لو حدنا انا وانتِ. قطبت تنظر نحو اللفلة الموضوعة على الطاولة ذات الرائحة النفاذة وعادت مرددة خلفه بدهشة: - سمسمتي! وكمان جايب كباب! هو ايه اللي حصل؟ وجبت تمن الكباب منين يامحروس؟ ارتفع طرف شفته وذهب عن وجهه العبث، ينكزها بقبضة يده: - وانتِ مالك جبته ولا زفته منين؟ دا بدل ماتفرحي اني بدلعك يابوز الفقر انتِ. - طب خلاص خف إيدك دي شوية يامحروس، انا جسمي لسه موجوع من العلقة اللي فاتت . قالت سمية وهي ترتد بجذعها تبتعد عنه، توقف يأمرها بصوتٍ حازم : - طب اخلصي قومي يالا حضريهم والبسي انتِ هدمة كويسة بدال المقرحة التي انتِ لبساها. نهضت تنفذ أمره على مضض وهي تمتم بقهر: - ربني ياخدني ياشيخ، عشان اخلص منك ومن خلقتك العكرة دي. .............................. في اليوم التالي وكالعادة بكل يوم جمعة استيقظت زهرة مبكرًا بكل نشاط، لتنهي كل اعمال المنزل سريعًا؛ حتى تجد الوقت الكافي كي تحمم جدتها قبل صلاة الجمعة، حتى لا تحرم رقية من عادة لم تقصر فيها طوال السنوات التي كانت فيها بصحتها. بعد ان ساعدتها شقيقتها صفية وأجلسن رقية بوسط الصالة متلفحة ببشكير صغير فوق رأسها بعد الإستحمام، كانت صفية تقلم لها اظافرها في انتظار زهرة التي كانت تنشف الأرضية بعد ان قامت بغسل الملابس التي خلعتها عن جدتها . - براحة يابت، القصاقة هاتاكل صباعي. صاحت بها رقية على صفية التي ردت لها مبتسمة: - بطلي انت دلع وتحريك في إيديكي طيب عشان القصافة ماتفوتش عن الضفر. - انا برضوا اللي بتدلع يامقصوفة الرقبة، انا برضوا. قهقهت صفية تبتعد عن مرمى كف رقية الحرة وهي تمتمد لتض,,,ربها على كتفها، ثم جذبتها من تلباب بلوزتها تسألها رافعة حاحبها: - خدي هنا يابت، وديتي فين المنوكير اللي كنتِ حطاه على ضوافرك امبارح؟. ردت صفية بتوجس : - شيلته ياستي عشان اعرف اصلي، بس انتِ بتسألي ليه؟ ضيقت رقية عينيها تسالها بتركيز: - لا انتِ بتوحطي المنوكير وتطلعيه وقت الصلاة كدة عادي. اومأت لها برأسها: - ايوة ياستي دا بينشال على طول عشان اسلامي، انا بحطه بس وانا خارجة كدة تفاريح يعني. تركتها وهي تأمرها : - طب قومي هاتي وحطيلي على ضوافري. - احطلك على ايدك بس ازاي ياستي ؟ هتفت بها صفية قبل أن تضر....بها رقية على كتفها : - هو انا ها علمك يامقصوفة الرقبة، زي مابتحطي لنفسك ياختي حطيلي، قومي يالا. نهضت عنها صفية مبتعدة تردد بعدم تصديق : - ياستي ماينفعش، دا لونه احمر فاقع. قالت رقية وهي تعبر بيدها بما جعل صفية تطلق ضحكتها بصوتٍ عالي: - وماله يابت لما يبقى احمر فاقع، لهو انا هارقص بيه. ولا يكونش هارقص بيه؟ - حطيلها ياصفية وانا ابقى اشيلهولها وقت الصلاة . تفوهت بها زهرة وهي تقطع الصالة أمامهم وتحمل على يدها، كوم الملابس المغسولة على طبق بلاستيكي صغير، كي تنشرها على منشر الشرفة، انتبهت عليها صفية وهي تتابع سيرها، حاسبي ياصفية، شعرك كله خارج من الحجاب ، ارتدت زهرة فور سماعها الملحوظة كي تلملم شعرها جيدًا قبل ان تضع الحجاب الطويل لتخفيه، تكلمت شقيقتها صفية بأعين يملأها الأنبهار: - الله يازهرة، شعرك طويل وحلو اوي، كان نفسي شعري يبقى زيه، هو انتِ ليه دايمًا مخبياه؟ تبسمت لها زهرة تجيب سؤالها: - اتعودت بقى ياصفية، من ساعة ما كبرت وخالي خالد قالي ان البنت مدام بلغت يبقى تلتزم بالحجاب، وانا بقيت البسه حتى في البيت . استفاقت صفية من تركيزها مع كلام شقيقتها وانبهارها لرؤية شعرها على نغزة بالعصا على اسفل قدمها وصوت رقية يصدح بجوارها، كبري في قلبك يابت سمية. صرخت صفية متألمة : - براحة ياستي، هو انا هاحسدها يعني؟ تجاهلتها رقية وهي تردف لزهرة بجدية: - اتصلي على خالد النهاردة يازهرة مدام جييتي سيرته، خليني اطمن عليه. ................................ وفي مكان اَخر . تقدم عامر بخطواته البطيئة حتى اقترب من حوض السباحة الكبير، يهتف على ابنه الذي استغل يوم أجازته لممارسة هوايته المفضلة في السباحة: - جاسر باشا، ممكن والنبي دقيقتين من وقتك يعني لو تسمح وتخرج من باب الحمام. ظل على وضعه بداخل الماء، صامتًا للحظات قبل ان يردف باقتضاب: - لازم يعني، ماينفعش تكلمني على كدة؟ صاح عليه عامر بحزم: - ماتخرج بقى ياولد وتعبرني، هي الميا هاتطير. اومأ بعيناه ثم سبح نحو الخروج على مضض، حتى خرج الى والده يجفف بمنشفة قطنية بيضاء جسده المبتل، قبل ان يجلس امام والده، الذي اشعل سيجارًا كوبيًا من التبغ الفاخر، تفحصه قليلًا ثم اردف: - ماشاء الله، انا شايف ان عضلاتك زادوا واتنحتوا اكتر من الأول، شكلك مهتم اوي بمشوار الجيم ولعب الرياضة بانتظام. نزل بعيناه نحو مايقصده والده ورد : - الحمد لله، انا فعلًا بقيت منتظم . اومأ برأسه عامر يغمغم بعدم رضا: - طبعًا امال ايه، مش بتوفر الوقت اللي بتفضاه من شغلك للرياضة وبس، شئ طبيعي ان دي تبقى النتيجة. ضيق عيناه سائلًا بتفسير: - تقصد ايه مش فاهم . تنهد عامر يجيبه وهو يقرب رأسه منه: - قصدي انت فاهمه كويس ياجاسر، بلاش تلف وتدور معايا. اشاح بوجهه عنه يخفي امتعاضه وقد وصل اليه ما يرمي اليه والده ، تابع عامر. - بتبعد بوشك عني ليه؟ يابني اتكلم معايا، انا مش حد غريب، هو انت لدرجادي السكك بقت مسدودة بينك وبين ميرهان؟ عاد بوجهه اليه رافعًا احدي حاجبيه سائلًا : - حضرتك بتسألني على أساس انك متعرفش يعني؟ قلب عيناه الرجل الكبير وقال متأفافاً: - لا ياسيدي عارف، اتجوزتها عشان ترضي والدتك، وترضيني انا بمشاركة والدها بسلطته ونفوذه عشان نكبر المجموعة، بس كمان احنا كنا فاكرين انكم هاتتفاهموا زي اي اتنين متجوزين، خصوصًا وانت يعني حسب ما اعرف، شوفت قبلها ومشيت مع كتير فشئ طبيعي انك تهدى وتعقل بالجواز وهي...... - هي ايه؟ سأل والده من تحت أسنانه، جاوبه عامر وكلماته خرجت بتعلثم وتفكير: - هي.... مش وحشة على فكرة، اينعم هي متحررة في لبسها وطريقة حياتها، بس دا بقى شئ منتشر كتير في طبقتنا، ولو عايز ممكن اذكرلك اسماء لناس كتير في عائلات اعرفهم ... - مش عايز اعرف. قاطعه بحدة وأكمل : - انا لا عايز اعرف عنها ولا منها، انا مبقتش طايقها من الأساس، هي بتتجاهلني وتعمل اللي هي عايزاه وانا مش مبعبرها اساسًا، تتفلق. رجع عامر بظهره للمقعد وارتفع حاجبيه يستوعب البساطة التي يتكلم بها ابنه عن شئ كهذا، وقال اَخيرًا: - هو انت ليه محسسني انك بتتكلم عن واحدة غريبة، يابني دي مراتك، يعني لازم يبقى في مودة مابينكم، أمال بقى لو حصل وخلفتوا عيل هايعيش مابينكم ازاي بس؟ - عايزني انا اخلف من ميرا؟! قال واطلق ضحكة ساخرة اثارت استهجان والده الذي هتف بحزم ليوقفه: - بطل ضحكك المستفز ده وماتحرقش دمي، هو فيه ايه بالظبط؟ رد جاسر بحدة : - في ان جوازي الفعلي من ميرا منتهي من فترة طويلة ، انا عن نفسي مش متذكرها، يعني مابقربلهاش نهائي يبقى هاخلف منها ازاي بقى؟ تعقد لسان عامر عن الرد بعدما اصابته الصدمة من كلمات ابنه الذي تابع: - ايه ياباشا؟ اسف لو كنت صدمتك بكلامي، بس بصراحة انا كان عندي ظن انك فاهم لوحدك. - افهم ايه؟ وهي الحاجات اللي مابين الراجل ومراته الناس هاتعرف ولا تفهمها ازاي بس، طب بالنسبالها هي ساكتة ازاي عن حاجة زي دي؟ وانت نفسك عايز تفهمني انك قاعد كدة راهب من غير ست ؟ولا يكونش في حد في حياتك ياولد؟ تسائل عامر بهذه المجموعة من الأسئلة والتي تلاقها جاسر يجيب عنهم بالترتيب : - اولاً انها ساكتة ازي دي حاجة تخصها هي، لأني كذا مرة عرضت عليها الطلاق لكن هي بقى متبتة زي اللزقة، وحكاية اني قاعد من غير ست، فدي انا كنت بتصرف فيها الأول مع اي واحدة تعجبني، قبل مانفسي تقفل من الصنف خالص واتفرغ لشغلي وبس، اما بخصوص وجود ست في حياتي، فاديك فهمت لوحدك. نهى جملته الاَخيرة لوالده الذي شحب وجهه وتسمر كالتمثال او كأن اصابه الشلل المؤقت يحدق صامتًا نحو جاسر الذي التهى عن حالته وقد طاف بعقله اللون الوردي ورائحة الزهور .................................. كالطفل الصغير الفرح بلعبته الجديدة، كانت رقية تنظر على اللون الأحمر القاني على اظافر يدها الصغيرة، - هههي ياحلاوة ياولاد، والله وحطيتي منكير يابت رقية، فاضل بقى اروح الكوافير واعمل شعري كمان هههيييي. قبلتها زهرة على رأسها كاتمة ضحكتها وهاتفها على اذنها في انتظار الرد من الجهة الأخرى، فاأتى الجواب بعد قليل: - الوو.. ايوة يازهرة. - الوو... ايوة ياخالي، عامل ايه ياحبيبي؟ - ياقلب خالك انتِ، الحمد لله يابنت الغالية، اديني بقاوح مع المعايش وربنا المعين، - امين يارب، يعينك ويقدرك، طب والعيشة عندك ياخالي ، دا انا بشوف شكل البلد اللي انت قاعد فيها في التليفزيون، دي تهبل ياخالي. - انا في الصحرا ياحبيبة خالك، البلد اللي بتتكلمي عليها دي انا مابشوفهاش نهائي، الصحرا هنا صعبة والشغل اللي فيها يحد الحيل. صمتت زهرة متأثرة بالمرارة التي تقطر من صوت خالها العابر عبر الاثير، اردف يسألها: - عامل ايه ابوكي معاكي؟ بيجي يطل عليكم زي انا ماوصيته ولا لسه على وضعه؟ صمتت رافعه حاجبيها تلوي ثغرها دون رد ، فقال خالد : - مدام سكتي يبقى لسة على وضعه، كان قلبي حاسس والله. ردت زهرة مغيرة مجرى الحديث: - سيبك منه ياخالي وخلينا فيك، المهم بقى ، امتى كدة هتنزل اجازة عشان تحدد ميعاد مع الأستاذة نوال حبيبة القلب. وصلها صوت خالها الذي تالق بالفرح رغم انكاره: - بس يابت انا مافيش في قلبي غيرك، والأستاذة نوال دي مجرد واحدة انا خطبتها ويعالم الجواز هايكمل بقى ولا لأ. هتفت عليه بجزع: - ماتفولش ياخالي وقول ان شاء الله لا حسن وربنا هازعل بجد. ردد يراضيها بابتسامة: - حاضر ياستي هاقول ان شاء الله، المهم بقى اديني رقية دي وحشتني اوي. - مش اكتر مني ياخالد يابن قلبي. هتفت بها رقية وهي تتناول الهاتف، فاتاها صوته الضاحك: - ايه يارقية لحقتي تمسكي الفون وتردي بالسرعة دي؟ - ياواد سمعتك عشان زهرة معلية السماعة، وحشتني يامضروب، - وانت كمان ياامي، وحشتيني قوي ووحشني كلامك وضر....بك على راسي لما احطها على رجلك. - يخربيتك هو ده اللي وحشك مني، ينيلك يابعيد براسك الكبيرة دي. - هههههههه . انطلقت منه مجلجلة في الهاتف جعل الاثنتان تضحكان على ضحكته، قبل أن تتذكر زهرة لشئ ما فتناولت الهاتف تردف سريعًا: - أسفة ياخالي سامحني لو ها قطع ضحكتك، بس انا بصراحة خايفة لانسى ، وماهر بركات مشدد عليا اقولك - عايز ايه سمسار الزفت.؟ سأل بغضب واجابت زهرة: - بيقولك اننا بالشهر اللي احنا فيه ده، يبقى هانكمل ٥ شهور على قسط الشقة المتأخر، وانه يعني مش هايقدر يصبر اكتر من كدة. - يعني ممكن ياخد الشقة؟ تمتم حانقًا يستغفر ربه قبل ان يردف لزهرة: - كلها شهر بالكتير واكون باعتلك عالبنك كام قسط كدة، انا الشهور اللي فاتت دي كلها كنت بسد ديني عند الراجل اللي طلعني السفرية،بس هانت - معلش ياخالي ربنا يقدرك ويقويك، بقولك ايه خد بقى رقية خليها تروقك! بعد أن أنتهاء المكالمة مع خالد نهضت زهرة كي ترتب فراش جدتها بالغرفة وتغير الملائة القماشية لها، ولكنها توقفت على طرقة على باب منزلهم مصاحبًا لصيحة رجولية معروفة لديها. - افتحي يازهرة الباب. - مين يابت؟ سألت رقية وهي توقفها قبل الخروج من الغرفة، وردت زهرة: - دا ابويا ياستي، ثواني هاروح افتحه ورجعالك تاني هنا. تمتمت رقية بقلق وهي تنظر في أثر حفيدتها التي خرجت لتفتح باب المنزل لوالدها: - ياترى ايه اللي جايبك في الوقت ده يامحروس؟ حكم انا عارفاك متطلعش عندي الا في المصلحة. ................................ - أبوكي! ودا ايه اللي جابوا عندك؟ - معرفش والله ياماما، اديلوا شوية وهو قاعد جوا في اؤضة ستي رقية بيتكلم معاها ومع زهرة بصوت واطي، انا مش سامعة منه كلمة كانت اجابة صفية على سؤال والدتها في الهاتف وهي واقفة به على اطار غرفة زهرة تشرئب بأنظارها وتراقب مايحدث بغرفة رقية في الناحية الأخرى، وتابعت: - تفتكري ياماما ها يكون عايز منهم ايه؟ اصلي بصراحة يعني انا عمري ماشوفته جاي يطمن وخلاص. - والله يابنتي ماعارفة، بس ابوكي من امبارح وانا حاسة دماغه فيها حاجة، ربنا يستر بقى، اتصلي بيا بعد مايمشي وطمنيني. ................................. شاحبة الوجه مزبهلة تنظر نحو والدها بعدم تصديق وهو يردف بكلماته امامها وهي لا تستوعب جديته، انتبهت تستفيق من صدمتها على سؤال رقية. - فهمي دا يبقى ابن مين ؟ - فهمي دا يبقى صاحبه ياستي. رددت زهرة تجيب جدتها بحدة اثارت غضب والدها الذي تشدق قائلًا : - مش قد سني يابت، دا يدوبك مقفل ال ٣٦ في يونيه اللي فات، يعني في عز شبابه. سألته رقية متخصرة : - وابو ٣٦ تلاتين دا بقى ياعنيا، اسمه ايه بالكامل عشان اعرفه؟ اجاب محروس: - اسمه بالكامل فهمي متولي الشبراوي. شهقت رقية ضاربة بكفها على صدرها: - ابن متولي الشبراوي يعني امه شوقية، نهار اسود يامحروس، بقى عايز تجوز بنتك للواد الاهبل دا اللي كان بيمشي في الحارة بالبربور على وشه والعيال تحطله التلج في قفاه!! الفصل السادس مع ارتفاع الاصوات وازدياد وتيرة حدتها، اقتربت صفية اكثر من الغرفة الصاخبة بشجارهم، حتى أصبحت تقف ملتصقة بإطار باب الغرفة، تشاهد مايحدث صامتة، في ظل انشغال الجميع عنها. - هي دي بقى تربيتك يارقية اللي فرحانة بيها، البت بتهب في وش أبوها من غير خيشا ولا حيا. هتف بها محروس غاضبًا بأعين حمراء لم تهابها زهرة التي كانت تقف مقابله بالند، بشراسة نادرًا ماتصدر منها، حينما يصل غضبها لأشده وهي الاَن تشعر بأنه قد فاض بها من هذا الرجل المدعو أباها ومن أفعاله، هتفت جدتها ترد عليه: - ومالها بقى ياخويا تربية رقية؟ عشان البت ماهي رافضة الواد ابو بربور بتاعك؛ تبقى مش متربية وبتهب فيك؟ - ابو بربور ابو بربور في ايه ياولية ؟ هو انت مخك وقف على شكل الواد وهو صغير، ماتعرفيش انه كبر وبقى راجل وملو هدوموا دلوقتي. صاح بها محروس على رقية، فجاء الرد من زهرة بتكملة : - وبياع برشام واخلاقه زفت ومتجوز قبلي تلاتة كمان . - وماله لما يبقى متجوز ومطلق ، نقص منه حتة يعني ولا نقص منه حتة، ثم حكاية بيع البرشام دي اشاعات والناس بتطلعها عليه عشان ماهو راجل كسيب وجيبه دايمًا عمران . رد محروس بتشدق ، فقربت منه زهرة رأسها تنظر داخل عيناه بحدة غير مبالية بالحمم المشتعلة بها - بزمتك ياشيخ انت مصدق كلامك ده؟ ولا انت فاكرني هبلة ونايمة على وداني عشان معرفش فهمي واللي بيعمله، سمعة فهمي مسمعة زي الطبل في الحارة ياوالدي، بالظبط زي سمعتك انت ما مسمعة في الدنيا كلها..ااه صرخت بها مجفلة حينما حطت كفه على وجنتها بلطمة قوية دوى صوتها في محيط الغرفة تتبعه صرختها وصرخة صفية من الناحية الأخرى، فخرج صوت رقية بخشونة بعيدة تمامًا من رقتها وحديثها اللطيف دائمًا : - اطلع برة يامحروس بكرامتك احسن، بدل ماافرج عليك الحارة كلها، وان كنت فاكر ان بسفر خالد ابني زهرة هاتبقى لقمة سهلة في ايدك ، يبقى انت لسة معرفتناش وعايز تعيد معانا القديم من تاني . هتف جازًا على أسنانه: - زهرة بنتي يارقية وان كنت سيبتهالكوا زمان فدا مش هايلغي انها بنتي وليا حق عليها . - حق مين ياابو حق؟ حاول بس تقرب منها وانت تشوف مين يقفلك، ابني قبل مايمشي كان عامل حسابه، حاول بس تلمس شعرة من زهرة ولا تقرب لها ، وانا اكون فاتحة القديم والجديد ومودياك في ستين داهية . - انا خارج دلوقتي وراجع لكوا تاني، ماهو انا مش كروديا ها مش كروديا، اوعي يابت . صاح بها يدفع صفية بعيدًا عنه ليتخطاها ويخرج مغادرُا ، مغمغًا بالكلمات النابية، اقتربت صفية من شقيقتها التي مازالت واضعة كفها على مكان اللطمة، متسمرة محلها، يبدوا انها مازالت لم تستفيق بعد من الصدمة، فقالت مهونة عليها تربت على يداها: - معلش يازهرة، ما انتِ عارفة بابا. اومأت لها بمرارة وأعين غائمة تأبى البكاء : - عارفاه، وعارفاه قوي لما يحط حاجة في دماغه . رددت خلفها رقية بتحدي: - يحط ولا مايحطش بابت، انت هايهمك في إيه؟ اعلى مافخيله يركبه! ............................... بفستان اسود التصق بجلدها كجلد ثانى، طوله لم يصل حتى الى الركبة، ليظهر طول سيقانها ونحافتها ، كانت عائدة من حفلة حضرتها مع اصدقائها، تتلاعب بمفاتيحها وتدندن بالغناء غير مبالية لأي شئ، غافلة عن اربع عيون كانت تراقبها من وقت ان دلفت للمنزل، وقبل أن تصل للدرج كي تصعد للطابق الذي غرفتها به؛ أجفلت على صيحة قوية من الخلف - ميرهان . استدارت ترد على صاحب الصوت وقد علمت هويته: - نعم ياانكل عايز حاجة؟ ظل صامتًا على هيئته المتحفزة ولم يرد، نزلت عيناها نحو الجالسة بجواره وجدت خالتها تنظر لها بجمود هي الأخرى فقالت مرتبكة : - اا مساء الخير اولًا هو في حاجة؟ ............................ واضعة رأسها على اقدام جدتها مستكينة هادئة؛ تتلقى حنان المرأة العجوز وهي تلمس بكفها على شعرها، تلقي على أسماعها الكلمات اللطيفة والمشجعة: - عجبتيني أوي النهاردة لما وقفتي وفي وشه ترفضي الجوازة الزفت دي يازهرة، أيوة كدة ياعين ستك، خليكي قوية زي مابيقولك خالك دايمًا. - بس ابويا مش هايسكت ياستي . قالت زهرة بنبرة هادئة، سألتها رقية باستفهام: - يعني هايعمل ايه يعني؟ خليه يوريني شطارته ويشوف بقى ساعتها رد فعلي هايبقى إيه؟ - انا عارفاه ياستي، مش هايعدي الرفض كدة بالساهل، اكيد فهمي اغراه بالكيف بتاعه، ماهو الحماس ده مايجيش من شوية. صمتت زهرة قليلًا تننهد بثقل، ثم تابعت: - يعني مش كفاية عليه أنه منع عني بسمعته المهببة كل الفرص الكويسة، مش كفاية عليه انه حرم عليا الحلم الطبيعي لأي بنت في الجواز والفرحة؛ وانا عارفة ومتاكدة اني مش هلاقي اللي هايجهزني ولا يرفع راسي قدام اي راجل يتقدملي. - وخالك بقى راح فين يامقصوفة الرقبة؟ قالت رقية منفعلة وهي تلكزها بقبضتها على كتفها، تأوهت زهرة قليلًا ثم تابعت بجدية: - اه، خالي خالد ربنا يخليهولي ياستي، ضهري وسندي دايمًا، لكن بقى اللي مايشوفش من الغربال يبقى اعمى، هو ضيع جزء كبير اوي من شبابه في تربيتي والصرف عليا، اَن الأوان بقى انه يشوف مصلحتوا ويحوش قرشين يتجوز بيهم الست اللي بيحبها، هو انا يعني هافضل كاتمة على نفسه كدة على طول، دا حتى يبقى حرام. - قومي يابت من على حجري قوي . قالت وهي تدفعها بكف يدها بعنف، مما جعل زهرة ترفع عنها رأسها وتعتدل بجذعها لتقابل الغضب العاصف على ملامح جدتها ، والتي وجهت اليها كلماتها بحدة: - إياكي اسمعك تاني بتقولي الكلام ده فاهمة، اوعي تفتكري يابت ان خالك سافر عشان يحوش لجوازتوا هو وبس، لا ياحبيبتي؛ خالك حلفلي انه مش راجع من سفره، الا ومعاه تمن جهازك من الألف للياء. - كمان ياستي، يعني يعول همي حتى في دي؛ مش كفاية عليه الهم اللي هو فيه. هتفت رقية عليه بحدة: - وانت مالك ياستي، هو على قلبه زي العسل. صمتت قليلة تخفف حدة حديثها: - ياحبيبتي دا خالك كان بيتقطع من جوا لما كان بيأجل في جوازك مع كل عريس بيتقدملك؛ لو كان بإيده لكان جوزك لأول واحد اتقدملك من وقت ماخلصتي المعهد، لكن بقى كل حاجة نصيب وان شاء الجاي احسن من اللي فات، ولا ايه؟ مش برضك بيقولوا كدة يابت في التليفزيون؟ اومأت لها بابتسامة : - بيقولوا ياستي. - طب اتخمدي بقى خليني اللعبلك في شعرك مدام فكرتيني بالواد خالد وحركاته معايا. استسلمت زهرة لمزاح جدتها وهي تجذبها من شعرها لتعود برأسها مرة أخرى بحجر رقية التي هتفت بعد ذلك . - يالا يابت محروس اللي اقرع انتِ. ........................... - انت بتقولي انا الكلام دا ياانكل ؟ سألت بأعين متسعة اظهرت جمال عدساتتها اللاصقة ذات اللون الرمادي على أعيُنها. صاح عليها عامر بقوة: - ايوة انتِ يا مريهان، انا بنصحك انتِ عشان عليكي الدور الأكبر في الموضوع، يابنتي ماينفعش النظام اللي انتوا عايشين بيه ده، دا ماسموش جواز دا حاجة تانية خالص ملهاش اي تفسير. - طيب وانا ذنبي ايه؟ هتفت بها تخاطب الاثنان وتابعت: - ابنك هو بِعد عني ياخالتوا، ابنك هو اللي كان بينتقدني ليل ونهار في لبسي وطريقة حياتي من غير تفاهم ياأنكل، وانا كرد فعل عادي بردولوا، امال يعني افضل ساكتالوا لحد مايلغي شخصيته وابقى تابعة ليه. تدخلت خالتها وتدعى لمياء - يابنتي ماحدش قالك ابقى تابعة ليه، احنا بس بنقولك بطلي تتحديه وخففي نبرة التعالي عليه، جاسر الريان مش قليل عشان يتقبل معاملتك دي، ابني مابيجيش بالعند يامريهان. مطت شفتيها قائلة باستعلاء: - وانا كمان مش أي حد عشان اتقبل وارضى بأسلوبه ده معايا، وكفاية اوي اني جاية على نفسي وقابلة بعيشتي مع واحد مش معتبرني مراته اساسًا . - ااه، جينا بقى في المفيد واللي عايز افهمه انا بالظبط. اردف بها عامر وتابع : - هو انتوا من امتى بالظبط عايشين مع بعض بالنظام ده؟ وانتِ ازاي متقبلة كدة ومابتحاوليش معاه. فغرت فاهها بملامح ممتعضة تستنكر: - نعم ، انت عايزني انا احاول؟ وهو بقى دوروا ايه عشان افهم؟ ابنك ياانكل بقالوا سنتين مقربليش، سنتين من تلت سنين جواز، عايشين في بيت واحد، مابنشوفش بعض غير بالصدفة، انا كان ممكن اوافقه في اول مرة طلب مني اننا نتطلق، بس انا بقى عملت بأصلي وموافقتش على طلبه، عشان مقدرة كويس حجم الكوارث اللي هاتترتب في انفاصلنا على المجموعة واندماج العيلتين، وفضلت ساكتة ومابتكلمش. تنهد عامر بتعب قائلًا: - طب وبعدين ياميري ؟ يابنتي احنا جاين مخصوص نقضي اليومين الفاضلين معاكم قبل ما نسافر، نقوم نكتشف الكوارث دي كلها. اكملت على قوله لمياء: - لا واحنا اللي كنا عاملين حسابنا قبل مانيجي عشان نعرف ايه السبب في تأخير الخلفة؟ هه. اعتدلت في جلستها لتضع قدمًا فوق الأخرى، وتتكلم بعنجهية: - على العموم ياأنكل ، ابنكوا عندكم، كلموه وشوفوا هايقولكم ايه، وانا عن نفسي كبادرة طيبة مني مستعدة اخف الخروجات واتساهل شوية في اللبس عشانه، المهم بقى انه يفهم اني مراته. تبادل الرجل وزوجته النظراتٍ بينهم والتي تحمل في طياتها الأمل، غافلين عنها وقد التمعت عيناها بالشوق والرغبة لمجرد الفكرة ............................ في اليوم التالي في الشركة، وعلى طاولة مستديرة امتلأ سطحها بالملفات والمستندات كان يبحث ويعمل مع مدير اعماله كارم على مجموع الأعمال التي تم انشاؤها والتي مازالت في طور التنفيذ، ومعدل الجدول الزمني المحدد للإنتهاء من لكل واحدة منهم، عاد جاسر بظهره لخلف المقعد، يفرد ذراعيه عاليا وقد تمكن منه الإرهاق: - انا تعبت ياكارم هو احنا لسة قدامنا كتير؟ قال جاسر، واجابه الشاب الثلاثيني بجدية كعادته وهو يبحث في الملفات: - للأسف ياباشا لسة فيه كتير، تحب نأجل شوية ولا نكمل عادي . - لا نكمل ايه ؟ انا فصلت . هتف بها ونهض على الفور ليخطوا نحو الإريكة الجلدية الكبيرة الموجودة في ركن المكتب ليفرد عليها جسده ويستريح قليلًا، تبعه كارم وهو يلملم في الملفات قائلًا: - تمام ياباشا، تحب اطلبلك حاجة تشربها ولا تأمر بأي حاجة تاني؟ لوح بكفه اليه بعد ان استلقى يغمض عيناه، - لا انصرف انت دلوقتي، بس نص ساعة كدة وتخلي كاميليا تدخلي بأوراق المناقصة الجديدة، ماتنساس - أمرك ياباشا. اردف بها كارم وانصرف يغلق باب المكتب بهدوء. خرج الى كاميليا التي انتبهت اليه بفطنتها وتجاهلت حديث غادة الجالسة أمامها على المكتب في الناحية الأخرى، اقترب من مكتبها بعملية يضع الملف على سطحه: - نص ساعة ياكاميليا وتدخلي الاوراق للباشا جوا. اومأت برأسها وهي تتفحصهم جيدًا : - تمام تحرك قليلًا ثم استدار ممازحًا بابتسامة : - بس اوعي تنسي الله يخليكي، احنا مش قد عواصف غضبه. نفت تهز برأسها ضاحكة : - لا اطمن ياسيدي، مش هانسى أكيد . تدخلت غادة التي كانت مزبهلة نحو الرجل بانبهار قائلة بمزاح هي الأخرى: - ايوة صح دا ممكن يعلق الكل هنا ههههه لم يستجيب كارم لمزاحها وتحرك مغادرًا وكأنه لم يسمع شئ، اما كاميليا فاتجهت لحاسوبها تعمل عليه هي الأخرى. - يالهوي ياما عالرجالة اللي تهبل ياكاميليا، بتعرفي تجاري الناس دي ازاي ؟ التفتت اليه تسألها بانتباه: - اجاريهم في ايه بالظبط مش فاهمة؟ ردت غادة بلهفة: - قصدي يعني بتعرفي تتكلمي وتهزري معاهم، من غير ماتتلبخي ولا تتلغبطي معاهم. - واتلبخ ولا اتلغبط ليه؟ هتفت بها كاميليا وهي تلتلفت لها بجذعها تخاطبها بجدية - انا مابهزرش مع حد منهم يا غادة عشان دا يحصل، انا كل معاملاتي معاهم في حدود العمل وبس، لو زودت معاهم ولا لغيت بيني ومابينهم الحدود، يبقى استاهل بقى اللي يطولني منهم! نظراتها الحادة وكلماتها القوية لم يخفى مضمونها عن غادة التي تظاهرت بعدم الفهم وغيرت دفة حديثهم: - الا صحيح شوفتي البت زهرة، الكمبيوتر بتاعها باظ تاني وبتقول عليه شغل مهم اوي الخايبة دي. ردت كاميليا وهي تلتف عائدة للحاسوب مرة اخرى لتعمل عليه: - اه ما انا قولتلها تشوف حد يصلحه بسرعة، اكيد عماد هايعرف دي شغلته اساسًا. - عماااد! هه تفوهت بها غادة عاوجة زاوية فمها بسخرية واكملت : - دا ماهيصدق يلاقيها فرصة، عيل لازقة صحيح زفرت كاميليا بيأس من طريقتها وفضلت عدم التجادل معها. ............................ وبالداخل وهو مستلقي على أريكته، بتعب كان مغمض العينان علٌه يحظى ببعض الراحة قبل أن يعود لأعماله التي لا تنتهي أبدًا، يريد السكينة ولو قليلًا لهذه الماكينات الدائرة بعقله في التفكير المستمر، لاشئ جديد يحدث عن اليوم الذي يسبقه، لا شئ اصبح يفرحه او يعطيه الطاقة في الاستمرار، وما أشبه اليوم بالبارحة، روتين يومي ومعدل من النتائج لابد من الركض والسعي الدائم للوصول اليها، كالثور المعصوبة عيناه يدور في ساقية ولا يشعر بلذة النتائج، يفتقد الفرحة من القلب،، يفتقد السعادة التي لا يشعر بها ابدًا، يفتقد الشغف لشئ جميل يخطف لب قلبه فيعيد اليه الحياة بلمسه او القرب منه يفتقد الشعور بمعنى الالوان المفرحة يفتقد الرائحة.... رائحة الزهور انتفض فجاة يعتدل بجذعه وعقله يتذكرها الاَن بإلحاح ، يومان مروا عليه من وقت ان شاكسها بالمصعد وضحك من قلبه على خجلها والرعب الذي اجتاح قلبها منه، مر يومان ودائمًا ماتداعب خياله باللون الوردي و الرائحة الطيبة، مر يومان....ولم يرها! نهض فجأة بدون تفكير وقدماه تقوده لخارج المكتب، انتفضت كاميليا برؤيته خارجًا امامها ومعها غادة التي تفاجأت برؤيته ايضًا . - عايز حاجة ياجاسر بيه؟ هتفت عليه كاميليا تسأله، أومأ لها بكفه دون رد وأكمل سيره للخارج، - ايه ده؟ هو ماشي ولا ايه؟ سألتها غادة بفضول ، فجاوبتها كاميليا بحيرة وعيناها تتبع اثره: - لا طبعًا هايمشي ازاي انتِ كمان كدة بالقميص الأبيض والبنطلون من غير الجاكت؟ بس ده هايكون رايح فين بس؟ غمغمت كاميليا بصوت خفيض لنفسها . ......... .................. وفي الناحية الأخرى بجوار مكتبها الصغير كانت تقف في انتظار اصلاح الحاسوب الذي كاد يفقدها ان عقلها حينما توقف وقت عملها لإحدى الملفات المهمة التي امرها مديرها بسرعة تجهيزها ، سألت بقلق: - ها في أمل انه يتصلح دلوقتي ولا هايعك في الوقت؟ رفع راسه اليها عماد بابتسامة واسعة : - انت عايزاه يخلص امتى؟ لو عايزاه دلوقتي، فاانا شغال عليه، ولو عندك صبر ، ممكن اخدوا معايا واجيبه بكرة زي الفل. ردت سريعًا بلهفة: - لا طبعًا دلوقتي ياعماد، انت عايز الأستاذ مرتضى يبهدلني ولا ايه؟ بابتسامة ازدادت اتساعًا قال: - بعد الشر عليكي من البهدلة يازهرة، تصدقي اول مرة اعرف ان اسمي حلو كدة . كالعادة ازدادت خجلًا وتورت وجنتيها تخفض عيناها عنه دون رد ، جعلته يردف بقلبٍ يرفرف بالسعادة : - اقسم بالله نفسي اشكر الكمبيوتر ياشيخة . - وعايز تشكر ايه تاني كمان؟ أجفل الاثنان على الصوت الخشن الذي دوى بالقرب، على باب الغرفة الواسعة، انتفضت زهرة حينما رأته بهيئته المتجهمة دائمًا يتقدم نحوهم وحاجبيه المقلوبان ازداد تعقدهم بشر. - ايه اللي بيحصل هنا ده ؟ سأل بجمود ، أجابه عماد الواقف امامه باحترام : - أبدًا يافندم ، دي الاَنسة زهرة الكمبيوتر بتاعها حصل فيه عطل وانا جيت اصلحه. - اَنسة زهرة! غمغم بها بحنق وتابع يسأله: - وانت شغلتك إيه بقى عشان تصلح الكمبيوتر للاَنسة؟ أجابه عماد : - يافندم دي شغلتي هنا في الشركة . - امممم اردف بها ينتقل بعيناه نحو زهرة التي جف حلقها من افعال هذا الرجل الغريبة معها ، وعماد الذي كان يقف بعدم فهم لما يحدث ، - والكمبيوتر اتصلح ولا لأ؟ سأله جاسر من تحت أسنانه: نفى عماد يهز برأسه : - لا يافندم انا لسة بحاول فيه . - طلب اخلص اخرج بيه على مكتبك صلحه عندك . لوح له بإبهامه للخلف اَمرًا ، تسمر عماد محله قليلًا بعدم استيعاب فعاد اليه بنبرة اقوى : - بقولك اخلص ياللا خد الكمبيوتر وصلحه عندك. اذعن مضطرًا عماد يتناول الحاسب وحقيبته ليخرج ، خرج صوت زهرة الضعيف بصعوبة من فرط ارتباكها: - ططب انا عايزة الكمبيوتر بسرعة يااعماد عشان الملف اللي قولتلك عليه . - هايخلصه تصليح ويجيبه . هدر به بحدة جعلتها تبتلع الباقي من كلماتها : - مش هاتأخر عليكي يازهرة، هاصلحه واجيبه هتف بها عماد قبل ان يخرج من الغرفة مغادرًا، فالتفت رأس جاسر بسرعة نحوه ينظر في اثره بملامح متوحشة، حتى عاد اليها بنفس الملامح المخيفة وتقدم بخطواته البطيئة والمريبة نحوها، فجعلها ترتد للخلف حتى التصقت بالحائط خلفها ، تتمنى لو يعود اليها عماد او ان تخرج مغادرة هي الأخري، قبل ان يتوقف قلبها من الخوف ، سئلها فجأة: - صفته ايه دا عندك؟ قطبت جبهتها ترد باستفسار : - نعم . هدر بصوت أعلى مائلًا بوجهه نحوها : - بسألك تجاوبي، صفته ايه اللي اسمه عماد دا عندك ؟ الفصل السابع اهتز جسدها بصيحته دون ارادتها، كما ازداد جزعها وهي تنظر اليه بعدم فهم، تردد وكأنها تتحدث إلى رجل فاقدًا لعقله . - مممالهوش صفة والله، دا دا زميلي وبس ، يعني مش خطيبي ولا جوزي عشان يبقالوا صفة ضيق عيناه متحدثًا بنبرة منخفضة مثيرة للشك: - ولما هو مش جوزك ولا خطيبك ولا ليه أي صفة غير انه زميلك وبس، بيتكلم ويهزر معاكي ليه؟ وانتِ تتقبلي هزاره وتتجاوبي معاه ليه؟ توسعت عيناها تنظر اليه بصدمة لما وصل الى ذهنها من فحوى كلماته اليها فردت بأعين غائمة تأبى السكوت عن اتهامه : - حضرتك انا كنت واقفة باحترامي مستنية الكمبيوتر بتاعي يصلحه زميلي في العمل ، وان كان على ابتسامة ولا حتى ضحكة صدرت مني فدا شئ عادئ بيحصل بين الزملة ، وعماد شخص في منتهى الاحترام ....... قاطعها بحدة هادرًا : - وايه كمان ياأستاذة؟ ماتقولي فيه شعر احسن. انعقد لسانها عن الرد تمامًا، وهي تجزم بداخلها ان هذا الرجل فاقدًا لعقله حقًا وليس تخمين ، فما فائدة الجدال مع رجلٍ كهذا؛ لا تجد لأفعاله معها تفسير، حل الصمت بينهم وهو ينظر اليها بأعين مشتعلة وملامح وجهه المعقدة بغموض، تونبئُها بحجم تطرفه وهي تبادله النظر بخوف على أمل ان يتزحزح من أمامها ويتركها تُدخل نفسًا طبيعيًا داخل صدرها وقد شعرت بانسحاب الهواء من حولها في قلب الغرفة بحضوره، ولم يضل سوى الرائحة الطاغية لعطره فيها. - في حاجة ياجاسر بيه؟ دوت قريبًا من ناحية باب الغرفة الخاصة بمديرها الذي استمعت لسؤاله وكأنه النجدة التي أتت اليها من السماء، التف جاسر يبعد انظاره عنها ويستدير ببطء نحو الرجل ليجيبه وكأن شيئًا لم يحدث منذ قليل واضعًا يديه بجيبي بنطاله بهدوء: - كنت عايز حسابات الشركة عن السنة اللي فاتت كلها يامرتضى. قطب الرجل قليلًا بدهشة قبل ان يرد مرحبًا به رغم غرابة الموقف يشير اليه بيديه: - انت تؤمر يافندم، تعالى جوا شرف مكتبي المتواضع وانا اجهزهم حالًا قدامك. - لا انا مش داخل، انا جاي ابلغك وبس . اردف بها وانسحب مغادرًا على الفور دون استئذان جعل الرجل ينظر في اثره لفترة مندهشًا قبل ان يعود بنظره الى زهرة التي تسمرت محلها بوجهٍ مخطوف وأعين جاحظة، وهي مازالت لا تستوعب ماحدث ............................... - بيضطهدني وحياة النعمة الشريفة بيضطهدني،. تمتمت بها زهرة وقد تمالكت نفسها اَخيرًا وهي واقفة بجوارر كاميليا في الطرقة المؤدية الى حمام النساء، في انتظار غادة التي كالعادة تعيد الإهتمام بزينتها قبل ان تغادر معهن الشركة ، رددت كاميليا مستنكرة رغم تعجبها هي الأخرى : - اضطهاد وكلام فارغ ايه بس اللي بتقوليه ده يازهرة ؟ هو احنا في عهد العبودية يابنتي؟ رفعت اليها عيناها قائلة بغضب: - لا ماهو جاسر الريان هايرجعه تاني ياكاميليا ماتقلقيش، الراجل مش طايقلي كلمة، وكل مايشوفني يطلعلي بتهمة شكل، طب تقدري تفسريلي كدة اللي قولتهولك انا من شوية دا معناه ايه؟ كاميليا وقد انتابها الشك هي الأخرى ولكنها حاولت ان تصرف هذه الأفكار عن رأسها والعودة لتحليل الأحداث بمنطقية كعادتها - بصراحة انا معرفش تفسيره ايه؟ بس هو اكيد اتعصب يعني من عماد وافتكره بيهزر في شغله، ودا واحد دايمًا وقته زي السيف وما يقتنعش بهزار ولا ضحك اثناء العمل . - طب وانا ايه دخلي يابنتي ؟ بيشخط فيا ويوقف قلبي ليه؟ دا بني غريب، كتر خير اهله عليه في البيت ويكون في عون الست اللي هاتتجوزا دا هايطلع عليها عقده ويكرهها في نفسها تبسمت كاميليا قائلة: - لا من النحيادي اطمني، اصله متجوز بنت خالته اللي ابوها يبقى الوزير ، وعلى فكرة هي عايشة حياتها بالطول والعرض. - حقها تعيش وتضر...بها بالجزمة كمان، ودا راجل يتعاشر ده، بقولك ايه ياكاميليا البت غادة جاية علينا اهي، اوعي تبلغيها والنبي بالكلام اللي بقولهولك ده ، دي بت خفيفة وانا مضمنش أي رد فعل منها. قالت زهرة وهي تومئ بعيناها بذكاء نحو غادة التي خرجت اليهم تتمختر بخطواتها، تمتمت كاميليا بصوتٍ خفيض قبل ان تصل اليهم. - مش محتاحة وصاية يازهرة، انا اكتر واحدة عارفة غادة والظن اللي هاتظنه في الكلام ده. - هاي اتأخرت عليكم . قالت غادة بزهو فور ان وصلت اليهم ، ردت زهرة ترمقها بدهشة: - انتٍ عيدتي على وشك بالمكياج من تاني وغرقتي نفسك بالريحة على مشوار المواصلات؟ مطت غادة بشفتيها قائلة : - ولو خارجة من باب البيت عالشارع بس، لازم برضوا اتمكيج والبس نضيف، دا اسمه اهتمام بالنفس ياماما؛ انت أكيد متعرفهوش. أومأت لها زهرة تتجاهل سخريتها بعدم الرد ، اما كاميليا فقالت لها بيأس : - ماشي ياست البرنسيسة انتِ ، ممكن بقى نمشي في يومنا ده ولا لساكي هاتعيدي تاني على ميكاجك ولبسك . - لا ياقلبي انا كدة فل خالص، بينا يابنات . قالت غادة وتقدمت تسبقهم في الخطوات، تبادلت زهرة وكاميليا النظر فيما بينهم بيأس كالعادة ثم لحقنها بالسير. ............................ وفي مكانٍ اخر بداخل دكان محروس الذي عاد العمل فيه مرة اخرى بشكل جدي، بعد ان توفرت المتطلبات الأساسية لإنجاز الأعمال المتراكمة من مواد خام وغيرها من الأشياء. - نننعم! سمعني تاني كدة يامحروس بتقول ايه؟ تفوه بها فهمي بحدة اربكت محروس فجعلته يردف بتلعثم : - اايه دا مش كلامي انا يافهمي، دا كلام البت وستها، إنما لو عليا انا اجوزهالك من الليلة، ما انت عارف معزتك عندي. رد فهمي رافعًا حاجبه المقطوع بنصفه: - وانا مالي بمعزتي عندك ولا حتى موافقتك، مدام انت راجل ملكش كلمة على بنتك . هتف محروس غاضبًا وقد اصابته الكلمات السامة في كرامته، - ماتقولش الكلام دا يافهمي انا مش راجل هفية عشان اقبل بيه . أكمل فهمي في بخ سمه: - لا هفية، مدام جاي بالفم المليان كدة تقولي ان البنت هي اللي رافضة وانت ملكش حكم عليها. استشاط محروس غاضبًا فقال بأعين تقدح شررًا : - انا مش عايز اغلط فيك يافهمي عشان انت هنا في منطقتي وفي دكاني، انما والنعمة الشريفة لو كررتها تاني لاكون شاقق بطنك نصين وملكش عندي دية، طب ماهي البت مكدبتش لما قالت عليك بتاع نسوان وبتبيع برشام، دا غير انك اكبر منها ب١١ سنة على الاقل، في ايه يابا انت هتعيش عليا. ضغط فهمي بأسنانه على شفته يكبح خروج الكلمات النابية من فمه، بعد ان شعر فقد سيطرته على محروس . صمت يخرج سيجارة من جيبه ويشعلها لينفخ منها قليلًا امام محروس الذي ينتظر رده بتحفز ، اجفله فهمي بعطيه السيجاره التي في يده، واخرج هو واحدة اخرى لنفسه، ثم قال بهدوء : - انا مقدر ان كلامي وجعك يامحروس بس انا مش عايز اخسرك . ساله باستفسار : - يعني ايه مش فاهم؟ اومأ له فهمي بصوت خبيث : - قصدي ان هابلع تهديدك ولخبطتك في الكلام كأني ماسمعتش الحوار كله من بدايته، يعني عشان ماتتعبش نفسك في التفكير، تعمل قرد وتجوزني البت يامحروس ، يااما من غير حلفان هاتشوف مني الوش الوحش اللي انت اكيد عارفه، عشان انا ماهسكتش عن حقي في الفلوس اللي شغلت بيها الدكان ولا الكيف اللي بتبلبع فيه بقالك سبوع ببلاش . .................................... بعد قليل وحينما عادت زهرة وهي تحمل اكياس الخضروات والفاكهة التي ابتاعتها في طريق عودتها للمنزل ، تسمرت واقفة فور دلوفها لمدخل البناية التي تقطنها حينما وجدت من يقف أمامها في وسطه، تبسم بسماجة يلقي اليها التحية: - حمد الله السلامة، اَخيرًا وصلتي ياعروسة. تنهدت قانطة تستغفر ربها قبل ان تهم لتجهله وتخطيه ولكنه تصدر امامها يمنع تقدمها : - طب حتى ردي السلام، ولا انتِ مكسوفة مني. دفعته بيدها الحرة على صدره قائلة بعنف: - ابعد عن طريقي ياجدع انت، لاحسن وديني الم عليك اهل الحارة وافضحك هنا في العمارة . رد بتشدق: - تفضحيني ليه بقى؟ واحد وجاي يقابل عروسته فيها حاجة دي ؟ رفعت شفتها قائلة بازدراء : - عروسة مين يا برشامجي ياخرفان انت؟ في ايه يافهمي ؟ هو انت فاكرني بقيت لقمة سهلة بعد خالي ماسافر، لأ فوق لنفسك يابابا، خالي اللي سففك التراب زمان لما حاولت تتعرضلي، اقدر في دقيقة اخليه يرجعلك من تاني . انشق ثغره بابتسامة مردفًا بمكر: - طبعًا فاكر العلقة يازهرة، بس فاكر اللي قبلها اكتر ، انتِ بقى فاكرة؟ ارتدت اقدامها للخلف بفزع وهو يتقدم نحوها يلوح لها بأبشع ذكرياتها ، فتابع يشير بأبهامه : - فاكرة يازهرة هنا تحت بير السلم ، لما كنتي جاية من الدرس بلبس المدرسة اللي كان هاياكل منك حتة وانت لسة خراط البنات خارطك جديد ، بشعرك اللي كان مغطي ضهرك وجسم.... - انت راجل مش محترم قاطعته صارخة تتخطاه صاعدة الدرج بسرعة، غير قادرة على تحمل سماع الباقي ولكنه لم ييأس ، جذبها من مرفقها لتلتف بجذعها اليه ، فاردف متابعًا بفحيح: - بتجري ليه مش انتِ اللي فكرتيني بالعلقة؟ شكلك انت كمان لسة مانستيش. الحضن ولا الب........ - اوعي سيبني ياحيوان صرخت تنتزع ذراعها منه وتصعد بسرعة من أمامه وكأنها تهرب من المو..ت، حتى اذا وصلت اخيرًا لشقتهم، فتحت الباب بخفة ثم وضعت أكياس الخضروات والفاكهة على الأرض بحذر حتى لا تشعر بها جدتها الجالسة في الصالة تشاهد التلفاز ومعها صفية، تحركت زهرة على أطراف أصابعها حتى دلفت لغرفتها، تغلق الباب عليها جيدًا قبل أن ترتمي على التخت وتشهق اخيرًا باكية، ترتجف وقد أعاد اليها هذا الرجل الكريه الذكرة التي خلفت بداخلها ندبة مازالت تؤلمها حتى اليوم، حينما كان عمرها لا يتعدى الخامسة عشر وكان هذا الرجل صديقًا جديدًا لأباها، في كل مرة رأته فيها لم تريحها أبدًا نظراته المريبة لها، ولكن صغر سنها لم يمكنها من تفهمها، حتى جاء هذا اليوم حينما كانت عائدة من دراستها التي استمرت لبعد صلاة العشاء بفضل مجموعات التقوية التي حضرتها أيضًا، رأته بالصدفة على الدرج أمامها كان هو نازلًا وهي صاعدة : ""- ازيك يازهرة عاملة ايه؟ خاطبها وهو متصدر بجسده أمامها ، اضطرت لرد التحية له على مضض، حتى تتخطاه وتصعد لجدتها وخالها. - اهلًا ياعمي، انا كويسة والحمد لله قال مداعبًا : - ايه يازهرة؟ هو انتِ شايفاني قد ابوكي عشان تندهيلي بعمي، بصيلي كويس كدا انا لسة في بداية شبابي دا انا مجيش قد خالك حتى. رفعت عيناها اليه مندهشة من كلماته، فتقابلت بعيناه وهذا الوميض الغريب بها ، أومأت له برأسها دون اقتناع . - حاضر تمام، عن اذنك بقى. تخطته لتصعد ولكنها تفاجاءت بصرخته فور ان أعطته ظهرها، استدارت اليه فوجدته ملقى على الأرض ممسكًا بقدمه: - اااه ، اللحقيني يازهرة، انا رجلي باينها اتكسرت من سلمكم المكسور رددت بخوف : - طب انا هاعملك ايه؟ هاروح اندهلك خالي . صرخ بصوت أعلى : - قبل ماتندهي خالك تعالي بس ساعديني اقوم بجسمي من عليها الأول، بدل الكسر مايتضاعف معايا، اااه، بسرعة يازهرة . همت لتتجاهله وتصعد ولكن مع ازداياد انينه وتألمه اضطرت لتنزل اليه وقبل ان تقترب هتفت : - طب اروح لندهلك حد من الشارع صرخ ضاربًا بقبضته على عتبة الدرج: - انت لسة هاتدوري وتندهي، يازهرة بقولك عايز ازيح تقل جسمي بس ، مش طالب منك حاجة تاني أذعنت تقترب منه على حذر وهو يقبض على ذراعها بقوة حتى نهض متصنعًا الألم يتأوه: - ااه يارجلي ااه. تململت لتنزع قبضته من ذراعها : - طب ثواني كدة وانا هاروح اندهلك خالي . رفع رأسه اليها بنظرة لن تنساها ابدًا، وفاجأها بوقوفه على القدم السليمة والتي ظنت انها مصابة أيضًا ، وقبل ان يخرج السؤال من فمها وجدته يحط بذراعها على خصرها والأخرى كممت فاهها فسحبها بسرعة البرق في الزواية المظلمة اسفل الدرج ، صرخت بصوت مكتوم وقاومت بكل قوتها الجسد الضخم ، فما كان منه الا ان زاد بضغطه يمرر شفتيه على وجنتيها ويتلمسها بوقاحة، حينها ظهر خالها من العدم ، وفلته عنها بلكمة اطارت سن من مقدمة فمه، ممطره بوابل من الشتائم والالفاظ النابية وهو يسحبه كالبهيمة في وسط الشارع يوسعه ضر....بًا حتى كاد ان يزهق روحه لن تنسى ابدًا رائحته الكريهة ، انفاسه الساخنة التى كانت تحرق بشرتها، قوة كفه التي كانت تقبض على فمها حتى كادت ان تشعر بانسحاب روحها، في بضع لحظات لا تتعدى الدقائق القليلة، لكنها كانت كافية لتضع الخوف بقلب زهرة مهما مر من السنوات ومهما تطورت بحياتها . .................................... في المساء وبعد أن استرخي قليًلا في حمام من الماء الدافئ ليصفي ذهنه ويزيح عن جسده قليلًا من ارهاق اليوم ، خرج من حمامه بالسروال التحتي فقط يجفف شعر رأسه بالمنشفة الصغيرة، ولكنه انتبه يرفع رأسه على صوتِ صفير من الخلف، فتفاجأ بانعكاس صورتها أمامه في المراَة، جالسة بميل على طرف تخته مرددة بإعجاب : - واوو جسم رياضي فعلًا زي ماقال الكتاب . التف اليها برأسه ورمقها من تحت اجفانه قبل ان يعود ليصفف شعره قائلًا من تحت أسنانه : - هي بقت عادة ولا ايه ؟ انا مش منبه عليكي، الأوضة دي ماتعتبيهاش تاني . استقامت تنهض عن جلستها فوق التخت لتُظهر طول منامتها القصيرة وفتحاتها التي كشفت عن معظم جسدها، تتمايل بخطواتها امام نظراته الثاقبة في المراَة، حتى اقتربت لتجفله بوضع كفيها على عضلات ظهره من الخلف تتلمسها ببطء وهي تردف بصوتٍ ناعم: - ممكن تسيبني اللمسهم؟ اصلي بصراحة عندي رغبة غير طبيعية اني اشوف قوتهم . تركها تفعل دون ان يرفض، فاعتبرته استجابة لتكمل بكفيها حتى ذراعه ثم استقرت على العضلات الأمامية بتركيز ، خرج عن سكوته يسألها باقتضاب وعيناه نحو انعكاسها في المراَة: - عجبوكي؟ همست بأعين تملؤها الرغبة: - أوي، اصل اَخر مرة لمستهم فيها مكانوش بالقوة دي. ضيق عيناه ليلتف نحوها يسألها بتفكير: - هي إمتى كانت اَخر مرة بالظبط ؟ اجابته بصوت يحمل في طياته العتاب: - من كتير، كتير أوي يا جاسر، تقريبًا يجي أكتر من سنة. - اممم زام بفمه الذي اطبقه واخفض عيناه عنها بتأثر شجعها لتردف سائلة: - طول الفترة اللي عدت دي كلها ياجاسر ، ماوحشتكش فيها ولا يوم ؟ ارتفعت عيناه اليها ، تتحرك شفتاه وكأنه يبحث عن اجابته ثم مالبث ان يجيبها بكل بساطة: - لأ وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسها وافاقها من غفوتها، رددت بعدم تصديق : - انت بتقول ايه؟ - بقولك لأ اردف بها مرة أخرى واستدار ليكمل تصفيف شعره بكل برود ليجعل نيران الغضب تشتعل داخلها ، فقالت بشراسة: - هو انت فاكر نفسك ايه؟ لتكون فاكرني دايبة في دلال حضرتك وهاتعيش الدور عليا ، لأ فوق ياجاسر ، انا ميرا . قالت وهي تلوح له بسبابتها جعلته يعود اليها مردفًا بابتسامة اعتلت فمه: - ايوة بقى يابرنسيس ميرا، طب انا برفض كل محاولاتك معايا من يجي أكتر من سنة ، باقية ليه انتِ عليا ورافضة الطلاق ؟ قالت جازة على أسنانها : - عشان انا عاقلة كويس قوي، ومقدرة حجم الكوارث اللي هاتوقع فوق راسك وراس والدك لو انفصلت المجموعة. رد غامزًا بعيناه: - انا متقبل وراضي بالكوارث، بس انتِ وافقي ومايهمكيش . زفرت تخرج من أنفها انفاسًا حارة كالدخان وهي تنظر اليه تود لو إحراقه حيًا، ثم مالبثت أن تذهب ضاربة الأرض بقدميها من الغيظ، التف هو ينظر للمرأة يكمل مايفعله بلا اكتراث . .................................... في اليوم التالي بداخل الشركة وفي وقت استراحة الموظفين التقت زهرة في طريق ذهابها الى الكافتيريا الخاصة بالشركة ، بعماد الذي كان عائدًا منها ممسكًا بيده فنجانان من القهوة الساخنة، قال بابتسامته المعهودة: - صباح الورد ورائحة الزهورة، رايحة فين؟ بادلته ابتسامته قائلة: - صباح الفل ياسيدي، انا رايحة الكافتيريا اشربلي حاجة سخنة. - والحاجة السخنة دي بقى، تبقى قهوة باللبن . قال وهو يناولها احدى الفناجين التي بيده، تناولته منه ضاحكة : - ايوة بس كدة اللي كان طالبه منك هايزعل لما يلاقيك راجع من غير طلبه. - وانتِ مين قالك اني جايبه لحد غيرك؟ انا جايبهولك انتِ أساسًا . رد ببساطة اثارت دهشتها، فسألته غير مصدقة: - ايوة ازاي يعني ؟ ارتشف من فنجانه قليلًا ثم أجابها بابتسامة: - اصل انا بقى عارف كويس اوي ان دا طلبك في كل مرة بتدخلي فيها الكافتيريا، فقولت في نفسي بقى اوفر عليكي المشوار وبالمرة ابقى خدت الثواب. بابتسامة واسعة انارت وجهها بادلته مزاحه: - لا بصراحة كتر خيرك يااستاذ عماد، حضرتك وفرت عليا مشوار كنت هاتعب فيه قوي. اكمل بمزاحه : - لا داعي للشكر يازهرة، الحاجات البسيطة احنا بنعملها عشان ربنا يبارك في صحتنا. - كمان ! اردفت بها وضحكت من قلبها معه . ........................ وعند كاميليا التي كانت مندمجة في عملها بتركيز كالعادة، شعرت بظل طويل بالقرب منها، رفعت رأسها فوجدت امامها رجل وسيم بابتسامة الأنيقة خاطبها : - صباح الخير، جاسر موجود جوا . خلعت نظارتها تعتدل في جلستها وردت بعملية - صباح الفل يافندم ، جاسر باشا موجود فعلًا بس حضرتك يعني بتسأل في ميعاد مسبق ؟ نفى بتحريك رأسه قائلًا بابتسامة: - لا بصراحة مافيش، بس انا هاقابله برضوا خبتئت ابتسامتها من رده الغريب فتابع قائلًا : - ايه يا اَنسة اتخضيتي كدة ليه؟ اتصلي وبلغيه باسمي وريحي نفسك . ردت بغيظ وهي تتناول هاتف المكتب تسأله : - تمام يافندم، اسم حضرتك ايه بقى عشان ابلغه بحضورك . رد متسليًا لرد فعلها: - قوليلوا طارق ، طارق وبس. اردفت من تحت أسنانها - وبس ! ردد خلفها بابتسامة مرحة - وبس! ....................... وفي الداخل وامام الشاشة الكبيرة التي تأتي بصور الكاميرات لمعظم أنحاء الشركة، تركزت انظاره نحو الصورة التي اتت بصورتها وهي تبتسم بمرح مع الشخص الواقف امامها، وقد علمه هو من وقفته، كان مستندًا بوجنته على اطراف أصابعه متابعًا بتركيز ، والكف الأخرة تطرق بالقلم الذهبي على سطح المكتب، حينها اتاه اتصال كاميليا بحضور صديقه ، امرها بإدخاله على الفور. - جاسر باشا. اردف بها صديقه وهو يفتح باب المكتب على مصراعيه، نهض جاسر يستقبله بحفاوة: - طارق الوكيل، اتفضل ياعم انت محتاج عزومة. دلف صديقه مهللًا : - مش حكاية عزومة ياكبير، بس انت راجل مهم والواحد لازم يستأذن قبل مايدخل عندك . تصافح الاثنان بحرارة قبل ان يُجلسه امامه. واردف طارق مازحًا : - دي مديرة مكتبك كان هاين عليها تاكلني أكل عشان بس نطقت جاسر حاف من غير باشا. رد جاسر بدعابة : - تاكلك ايه بس ياعم بحجمك ده ؟ هو انت مش شايف نفسك اطلق طارق ضحكة مجلجلة بمرح : - هههههه يخرب عقلك ياجاسر ، لما تفك شوية كدة بيطلع منك درر . حينما هدأت ضحكات طارق سأله جاسر بجدية: - وايه اخبار المشروع الجديد بقى معاك؟ كويس كدة ولا لسة فيه عقبات بتواجهك. - لا ياسيدي الحمد لله المشروع تمام، بس بقى مهلك جدًا، دا انا بالعافية فضيت نفسي النهاردة عشان بس ازورك بعد مازهقت. رد جاسر وهو مستند بمرفقيه على سطح المكتب يفرك بالقلم بين كفية بتفكير وعيناه تتنقل كل ثانية نحو الشاشة : - الله يكون في عونك وانت فعلًا مش متعود على الشغل الكتير والمسؤلية، تحب اجيبلك حد يساعدك ؟ ............................. - انا يافندم معقول الكلام ده ؟ تفوهت بها كاميليا بفرحة لا تصدق ماسمعته ، اردف لها بتأكيد وهو يمضي على بعض الأوراق - ايوة انتِ ياكاميليا، مش مصدقة ليه؟ انتِ مجتهدة وتستاهلي كل خير. - ايوة يافندم بس انت بتمسكني مسؤلية كبيرة قوي. رفع رأسه اليها مردفًا بعملية - يابنتي صدقي بقى انت قدها، انا خلاص مضيت القرار . - بالسرعة دى كمان مضيت القرار ؟ طب احنا هنلاقي امتى حد ياخد مكاني في الشغل هنا دلوقتي؟ اعتدل في كرسيه يجيبها بهدوء: - لا ماانا مش هاجيب مديرة للمكتب، انا عندي كارم المدير بتاع المجموعة بيسد معايا في كل حاجة، انا بس هحتاج لسكرتيرة . ردت كاميليا بلهفة: - كويس اوي يافندم ، انا مستعدة اعمل مسابقة وحضرتك تختار بقى السكرتيرة اللي تعجبك وتريحك قبل انا ما اسيب مكاني . أجفلها برده الهادئ وهو يهتز بكرسيه : - لا ماانا مش هاعمل مسابقة لسة واوجع دماغي، انا سألت رؤساء الاقسام هنا ورسيت على اسم سكرتيرة لواحد فيهم، وخلاص بقى اصدرت قراري الاداري . لوح بالورقة الكبيرة امامها على سطح المكتب فتناولتها بسرعة ولهفة قائلة: - يارب اكون اعرفها......... قطعت جملتها حينما صعقت من رؤية الأسم، زاغت عيناها في النظر نحو الورقة ونحوه بصدمة بعدم تصديق، شفتيها تتحرك باضطراب، وهو ينظر اليها بتحدي ، حتى غمغمت مع نفسها : - يانهار اسود ، دي كان عندها حق بقى الفصل الثامن على الكرسي الخشبي القديم الخاص بجدتها كانت جالسة بالشرفة الإسمنتية ومرفقها مستند على السور، تتأمل بزوغ اشراق الصباح، وزحف الأشعة الذهبية للشمس نحو الأرض والأبنية، ثم سرب الحمام الخاص بجارهم العم سعيد مصطف بخط مستقيم على طول سور المبني المجاور أمامها، تتنهد بسأم وقد عادت مرة أخرى لروتينها اليومي الممل من وقت أن تركت الدراسة، وكأن الثلاثة أشهر التي قضتهم في العمل الجديد بمرح ونشاط هو حلم وكان لابد من انتهائه، طموحها الذي بنته في خيالها للتقدم والتدرج الوظيفي، سعادتها بقبض الراتب في أول الشهر والتسكع مع الفتيات لتبتاع ماتحتاجه وتمنته .كله حلم وانتهى بفضل هذا الرجل الكريه، زفرت من انفها بغيظ تعيد بذهنها هذه اللحظة التي اخبرها فيها رئيسها بالخبر المشئوم " - نعم ! حضرتك يافندم بتقول ايه معلش؟ اردفت بها بوجه شاحب اللون انسحبت منه الدماء على الفور، تحدق بالرجل الذي تبسم لها ظنًا منه ان ذلك من فرط فرحها. حركت رأسها بعدم الإستيعاب او الفهم ، مازالت حتى الاَن لا تصدق ماسمعته من الرجل أو على الأصح هي تكذب أذنها. - مرتضى بيه، ممكن والنبي تقول من تاني ، اصل انا بايني سمعت غلط. ازداد اتساع ابتسامة الرجل قائلًا بتفكه: - وانتِ من امتى بس كانت ودانك تقيلة يازهرة ؟ يابنتي بقولك اترقيتي وبقيتي سكرتيرة جاسر بيه، يعني اكبر راس في الشركة ، دا انتِ حظك من السما. اومأت بسبابتها نحوها بصدمة وهي شاعرة بأن الأرض بدأت تميد بها وقد تأكدت من الخبر المشئوم : - انا حظي من السما؟! - طبعًا يابنتي حظك من السما ، انتِ يدوبك متعينة هنا من كام شهر قليلين وحتى كمان ملحقتيش تثبتي رجلك كويس، قوم كدة الحظ يضر...ب معاكي وتبقي سكرتيرة جاسر بيه مرة واحدة، ماشاء الله يعني عشان ماحسدكيش، بس انتِ أكيد امك دعيالك صح؟ تبسمت بزواية فمها ابتسامة ساخرة، تومئ برأسها دون رد فتابع هو : - شوفي رغم زعلي انك هاتسبيني بعد ماعرفتي نظامي وريحتيني في الشغل، لكن انا برضوا اتمنالك الخير. ابتعلت الغصة بحلقها وخرج صوتها برجاء: - لكن انا عايزة افضل هنا، بصراحة لقيت راحتي في المكان ده . تبسم الرجل لها بمودة قائلًا : - يابنتي ماانا بقولك فراقك على عيني ، بس اعمل ايه بقى، دا ألأمر الإداري صدر خلاص ،لكن الصراحة بقى، انت لازم تشكري اللي دلوا عليكي فاقت من صدمتها تسأله بحدة: - ومين اللي دله عليا بقى ؟ اجاب رئيسها يحرك كتفاه : - بصراحة معرفش، بس هو لما طلبك مني ، قالي ان في ناس شكرتلوا فيكي وفي شطارتك، ياللا شدي حيلك بقى عشان تبقي زي كاميليا ، ماهي اترقت هي كمان، امال انتِ هاتبقي مكانها ازاي ؟ عادت زهرة لواقعها تعض على شفتيها بغيظ، نحو من تسبب في قطع عيشها واثار الفتنة بينها وبين صديقتها التي تشاجرت معها ، تصب عليها جام غضبها وكأنها المتسببة فيما حدث، تمتمت زهرة تستغفر ربها، ثم عادت برأسها للخلف تتسائل مع نفسها: - هلاقي فين شغل تاني بس ياربي؟ دا انا مصدقت! صدح صوت جرس المنزل وبعده اتى صوت رقية التي هتفت عليها من داخل غرفتها : - شوفي مين اللي عالباب يازهرة . نهضت زهرة على مضض لتتحرك نحو باب المنزل ، فتفاجأت بها أمامها : - صباح الخير يازهرة، ممكن ادخل . تفوهت كاميليا بابتسامة جميلة مثلها ، بادلتها زهرة بابتسامة شاحبة. - صباح النور ياكاميليا، طبعًا تدخلي ، دا البيت بيتك . دلفت كاميليا خلفها لداخل المنزل تغلق الباب وهي تخاطبها : - افردي وشك شوية، وقدري اني قاطعة المسافة البعيدة دي كلها وصاحية بدري كمان عن ميعادي رغم خناقتك الهبلة وهلفتك بالكلام معايا يامجنونة. اشارت اليها زهرة لتجلس على احد المقاعد قائلة بحرج : - ماانا كان لازم احط غلبي في حد بقى وقتها ولقيتك في وشي، معلش سمحيني . جلست كاميليا على مضص مردفة لها : - يابنتي والله مسمحاكي، وعارفة ان حالتك وقتها مكنتش طبيعية، بس دلوقتي بقا خلينا في المهم، واللي حصل ده نستغله لمصلحتنا مش نخاف ونقعد في البيت . اتسعت عيناها وانفغر فاهاها تستوعب الكلمات فهتفت حانقة : - نهار اسود؛ لتكوني جاية تكلمني في موضوع الشغل تاني ياكاميليا ؟ اومأت لها برأسها بتأكيد: - ايوة يازهرة جاية اكلمك في الشغل تاني، عشان ارجعك لعقلك ياماما، لهو انتِ فعلًا ناوية تسبيه؟ - وماسيبهوش ليه بقى؟ اشحال ان ما كنت حكايالك قبل كدة وقايلالك على عمايل الراجل ده معايا، وانا متأكدة انه عايزني سكرتيرته عشان يكرهني في عيشتي ويخليني اطفش بخاطري من الشغل ، وعلى ايه بقى؟ اخدها انا من قاصرها احسن . ردت كاميليا تحادثها بالمنطق: - زهرة ياحبيبتي، خدي الأمور كدة بعقل وبلاش العصبية دي، انت حكيالي وانا مبكدبكيش على فكرة، بس احنا ليه نسبق الأحداث، انتِ لما تمسكي هاتتحسبي سكرتيرة لرئيس الشركة ودي في حد ذاتها حلوة اوي في ال cv بتاعك، يعني لو حط عليكي وطفشك زي مابتقولي، يبقى ليكي فرصة ان شاء الله في شركة غيرها ، لكن قطع رزقك كدة من الباب للطاق ماينفعش ياماما. صمتت زهرة وعلى وجهها ارتسمت الحيرة فتابعت كاميليا : - قومي يازهرة البسي هدومك واستهدي بالله تعالي معايا بلاش دلع . - ياكاميليا والله مادلع، الراجل ده بخاف منه فعلًا؛ يبقى ازاي بقى اشتغل معاه واتحمل اوامره ليا وزعيقه فيا لو حصل وغلطت مثلًا ، دي حاجة صعبة اوي والنعمة. تفوهت بها زهرة من خوف حقيقي نبع بقلبها، تبسمت لها كاميليا قائلة بتحفيز : - وايه في الدنيا مش صعب، كل حاجة في حياتنا دي صعبة وخصوصًا في لقمة العيش، انتِ مجربتيش المرمطة ولا البهدلة يازهرة عشان خالك ربنا يحفظه كان دايمًا محاوط عليكِ من النسمة الطايرة، ودي تعتبر اول فرصة تثبتي فيها نفسك لوحدك ، زيحي من دماغك حكاية الخوف دي وجربي ولو مارتحتيش يبقى خلاص بقى . - مش هاقدر همست بها وهي تحرك رأسها تردد - حقيقي بجد مش هاقدر ياكاميليا همت لتتكلم كاميليا ولكنها توقفت على نداء رقية من الداخل وصوت جرس المنزل من الناحية الأخرى . - قاعدة مع مين يابت بقالك ساعة وسيباني لوحدي؟ مخبية على ستك ايه يا مقصوفة الرقبة ؟ انشق ثغر كاميليا بضحكة مرحة تردف لزهرة: - روحي انتِ شوفي مين، وانا هادخل لرقية جوا اسلم عليها . فعلت زهرة وفتحت الباب لغادة التي هتفت حانقة : - وبعدين بقى، تاني برضوا بلبس البيت واحنا متأخرين اساسًا، في ايه ياما؟ ليكونش ناوية تغيبي النهاردة كمان ؟ ردت زهرة وهي تدلف معها للداخل : - عادي يعني لما اغيب تاني كمان، اصلي لسة حاسة بتعب . - والنبي! لتكونيش فاكرة انها شركة ابونا ياست زهرة ؟ - من غير قلة ادب، انا بقولك تعبانة يبقى تقدري بقى، على العموم اهي كاميليا قاعدة جوا عشان تلاقي حد تمشي معاه . اردفت بها زهرة وهي تسبق للداخل، غمغمت غادة خلفها: - ودي ايه اللي جابها عالصبح عندك ؟ ................................ في الداخل عند رقية والتي كانت تغازل في كاميليا الجالسة بجوارها على كنبتها تتلمس شعرها وثيابها : - ياختي عليكِ وعلى حلاوتك يابت ياكاميليا، دا انت بقيتي ولا الهوانم يامضروبة الدم، ايشي اللبس الحلو ولا الشعر الملولو، لحقتي امتي تلولويه كدة يابت ؟ ضحكت كاميليا تردد لرقية : - عجبك ياستي اعملك انتِ شعرك ؟ برقت عيناها رقية والتمعت بالحماس وقبل ان ترد سبقتها غادة وهي تدلف اليهم : - طب اعمليلنا احنا شعرنا الأول وبعدها فكري في الست الكبيرة . - كبيرة في عينك قطع لسانك قليلة الحياة هتفت بها رقية مسرعة وتابعت مخاطبة كاميليا التي لم تتوقف عن الضحك. - عايزاكي يابت تفضي في يوم كدة وتيجي تعمليلي شعري - حاضر ياستي. أومأت لها كاميليا مقهقهة وهمت لتقف مغادرة ولكن رقية جذبتها من ملابسها تسألها : - الاقوليلي يابت، ماتجوزتيش ليه لحد دلوقتي؟ هي الرجالة عميت؟ اجابتها كاميليا بمسكنة : - النصيب ياستي، اعمل ايه بقى وانا ملقتش نصيبي ؟ لوحت لها رقية بكفها امام نظرات غادة المحتقنة : - هتلاقيه ياختي وهايبقى لازقلك كدة ليل نهار زي ضلك، هو في حد برضوا يبقى معاه الحلاوة دي ويسيبها، دا يبقى مفغل ! ............................ في وقتٍ لاحق خرجت زهرة لتبتاع بعض الخضر والبقالة من السوق لسد احتياجات المنزل، وعلى إحدى درجات السلم في الطابق أسفلهم توقفت ، حينما اصطدمت عيناها برؤية أبيها وهو خارج من باب شقتهم، في ميعاد ذهابه الى عمله الى ورشته، ترددت قليلًا قبل أن تحسم أمرها لتلقي التحية عليه ثم تكمل طريقها في المغادرة: - صباح الخير . انتبه محروس يرفع انظاره اليها ثم انطلقت ضحكة مستخفة منه نحوها يردد: - ياصباح الهنا والسرور على الحلوة اللي سابت شغلها ورجعت تبلط من تاني في البيت.. رمقته زهرة مصدومة من شماتته وهمت لتخطيه وتجاهله ولكنه تصدر يقف أمامها متابعًا : - ايه يادلوعة خالك، كدة بسرعة صرفوكي واستغنوا عنك لدرجادي انتِ خايبة، طب كنتِ قلدي غادة بنت اختى، اهي بت زي الوحش وتسد في أي موضوع؛ مش خايبة وهبلة زيك . خرجت عن صمتها هاتفة بوجهه: - وانت مين قالك اني سيبت الشغل أساسًا؟ عشان توقفني وتضحك من قلبك كدة على خيبتي زي مابتقول، دا بدل ما توقف جمبي وتقويني لو كان حصل فعلًا : رفع شفته قائلًا لها: - واقف جمبك ليه بقى؟ عشان تتنقعري وتشوفي نفسك عليا بزيادة، ما انتِ لو كان قلبك على ابوكي وبتسمعي كلامي مكانش ربنا جزاكي بعملك . هبت صارخة متناسية وقفتها على الدرج بعد ان فقدت السيطرة على غضبها : - انا عملتلك ايه ياعم عشان ربنا يجازيني؟ أذيتك في أيه انا عشان تطلع السواد اللي قلبك دا كله من ناحيتي. - زهرة ياحبيبتي، هدي اعصابك شوية كدة الجيران هاتتلم على خناقكم واحنا مش ناقصين فضايح . صدرت من سمية زوجة ابيها برجاء بعد أن أتت من داخل المنزل على أصوات شجارهم . سمعت قولها زهرة وهمت للذهاب وترك اباها والشجار معه ولكنه اوقفها يقبض على رسغ يدها يقول: - اسمعي يازهرة، انا بقالي يومين سايبك تفكري براحتك، واهي جات من عند ربنا اهي عشان تعرفي بقى مصلحتك، فهمي راجل كسيب ومشتريكي ، دا بيقولي لو طلبت نجوم السما هاجيبهالها، واديكي شوفتي بنفسك، دلع خالك ليكي خلاكي خبتي في كله، بلاش كمان تخيبي وتضيعي منك فرصة هاتخليكي هانم على حق. - هانم مين ياعم اوعى سيب . هدرت بها وهي تنزع رسغها من قبضته بعنف، ثم ركضت للعودة للمنزل وتركه . وفي الأعلى وبعد أن صعدت زهرة لمنزلها مرة أخرى، تلقي حقيبة الخضروات الفارغة بعنف وغضب مما حدث . - ايه اللي رجعك من تاني يازهرة ؟ وشك مقلوب كدة ليه يابت . هتفت بها رقية بجزع وهي تنظر لحفيدتها التي اصطبغ وجهها باللون الأحمر القاني من الغضب وانفاسها تتلاحق بصدرها الذي يصعد ويهبط بسرعة وكأنها على وشك الإنفجار، لم ترد زهرة على جدتها بل بادلتها النظر فقط حتى التفتت رأسها بحدة على فتح باب المنزل ودلوف سمية وخلفها شقيقتها صفية؛ التي هتفت صارخة عليها زهرة بحدة : - انت برضوا اللي تعمليها ياصفية؛ وتروحي تبلغيه اني سيبت الشغل عشان يفرح فيا. دافعت صفية تنفي بقوة: - والله ماانا، والله ما قولتله حاجة، انا معرفش هو عرف منين أساسًا . - ياسلااام ، يعني انتِ اللي بتسألي كمان؟ على اساس اني مسمعة حد تاني غيرك انتِ وستي، اللي مابتخرجش من البيت ولا بتشوفه أساسًا . جاء الرد من سمية على اتهام زهرة وشكها : - والله ما صفية يابنتي، دا البت منى اختها الصغيرة، كانت جاية تاخد من عندكم شوية بهارات للأكل وسمعتك بالصدفة وانتِ بتقولي لستك، فنزلت بلغتنا واكنه خبر الموسم واحنا بناكل ، ما انتِ عارفاها لسانها فالت ومابتبلش في بقها فولة . سمعت منها زهرة وانتقلت عيناها التي اغشتها الدموع نحو شقيقتها التي اطرقت رأسها بحزن، ثم خطت لتسقط على الكنبة الخشبية بجوار جدتها تبكي بحرقة ، جذبتها جدتها من قماش بلوزتها لتضمها اليها داخل أحضانها تسألهم : - هو في ايه بالظبط؟ وماله محروس دا كمان بزهرة ؟ جلست سمية هي الأخرى بجوارهم تربت بكفها على ظهر زهرة: - معلش يابنتي سامحينا ، بس دا ابوكِ بقى وانتِ عارفاه. هتفت رقية بنفاذ صبر ونشيج بكاء حفيدتها يصل بحرقة لأسمعاها : - ماله الزفت ابوها ماتقلولي عمل ايه معاها بالظبط؟ عشان يجبلي البت مقطعة نفسها كدة من البكا أجابتها صفية بتأثر هي الأخرى: - عايرها بقعدتها من الشغل وزن عليها تاني في موضوع جوازها من فهمي . - عايرها بإيه؟ صرخت بها رقية وتابعت بلهجة قوية : - هو ليه عين دا كمان يعاير ويستعبط عالبت؟ ليه هو مش حاسس بنفسه ولا بالخيبة اللي هو فيها؟ ونعمة ربنا يا سمية جوزك لو ما لم نفسه عن البت ليشوف مني الوش التاني هو عارفه كويس وجربه ، إلا زهرة ياسمية، فاهمة، إلا زهرة . ردت سمية بقلة حيلة : - وانا ايه اللي في إيدي بس ياخالتي ؟ ما انت عارفاه البرشام لحس عقله، والزفت فهمي اليومين دول بقى مغرقه بيه، دا غير الفلوس الكتير اللي بقيت اشوفها معاه ، وانا متأكدة انها برضوا منه... هدرت رقية مقاطعة : - ماليش فيه الكلام دا انا ياسمية، انتِ تنبهي عليه وخلاص . - حاضر ياخالتي، حاضر هاقول. اومأت لها سمية بطاعة، وظلت بجوارها هي وصفية ثم استأذنوا للمغادرة، وحينما هدأ بكاء زهرة قليلًا نزعتها جدتها من أحضانها تنهرها بقوة: - فوقي يابت كدة واصحي، انتِ مش ضعيفة ولا قليلة عشان تنهاري من كلمة خايبة قالها ابوكي، ابوكي دا بالذات لازم تبقي قوية قصاده عشان مايحطش ولا يجي عليكِ ويستغلك فاهمة ولا لأ. رفعت اليها زهرة انظارها تسألها برجاء : - ستي، هو ابويا ممكن يعملها ويغصبني على جوازي من فهمي، والنعمة دا كنت امو؟؟؟ت نفسي لو حصل . - وتمو....تي نفسك ليه يابت ال......... ردت رقية بسبة بذيئة اخجلت زهرة وهي تتابع خطابها لها بغضب: - لا ابوكي ولا أي حد في الدنيا يقدر يغصبك على حاجة، خليكي قوية وماتخا؟؟؟فيش من حد، الدنيا دي ياما هاتشوفي منها، ان ماكنتيش تواجهي وتدافعي عن حقك، هاتتفعصي بالرجلين ومش هاتحققي اي حاجة نفسك فيها، فاهماني . اومأت لها زهرة برأسها وكلمات المرأة مازالت تترد بداخل عقلها بصخب، تستوعب معانيها وتعيها جيدًا . أجفلت من شرودها على صوت هاتفها بمكالمة برقم دولي، امسكت به سريعًا ترد بلهفة ولهجة باكية - الوو ايوة ياخالي... ازيك ياحبيبي وحشتني اوي رد خالها من جهته بصوت رجلِ انتابه القلق . - الوو يازهرة.....مالك ياحبيبتي؟ انتِ تعبانة ولا إيه؟ تدراكت نفسها فقالت نافية بالكذب: - لا ياخالي مافيش حاجة، دا بس عشان انت وحشتني . وصلها لهجته الحازمة : - بلاش تكدبي عليا يابت، انت عارفاني، قوليلي ايه اللي مزعلك وخلاكي مفلوقة كدة من العياط؟ تلعثمت تنفي مرة أخرى وخالد من جهته يهتف بحزم وصوت جهوري يصل لجدتها التي جذبت الهاتف من يدها تختطفه منها قائلة بملل : - اقولك انا ياخالد، بنت اختك معيطة عشان ابوها بيزن وعايز يجوزها من فهمي البرشامجي، عرفت بقى هي معيطة ليه؟ - فهمي تاني برضوا ، طب وحياة امي لاربيه قالها بصرخة عبر الاَثير افزعت زهرة التي اختطفت الهاتف من جدتها تسأله بخوف: - هاتعمل ايه ياخالي وانت في الغربة دلوقتي؟ انا مش عايزاك تأذي نفسك. رد بلهجة هادئة نسبيًا مطمئنة : - لا مش هأذي نفسي ياعين خالك، انا هاوقفه عند حده هنا من مكاني، دا ديته سهلة أساسًا! ........................ في صباح اليوم التالي . حسمت امرها زهرة بعد ليلة طويلة من السهر والتفكير فيما حدث ومافعله اباها معها مما جعل نوعًا جديدًا من التحدي لمواجهة الخوف ينبت بداخلها لخوض التجربة، وذهبت لتستلم مكانها الجديد في شركة الريان، بعد أن حفظته لها كاميليا مدعية غياب زهرة لسبب قهري ، خلف المكتب وأمام الحاسب الاَلي ، وقفت بجوارها كاميليا تشرح طريقة العمل وملفات العمل المطلوبة والمؤجلة، وهي مندمجة معها بكل تركيز؛ حتى شعرت بخطوات سريعة تقتحم الغرفة الواسعة؛ توقفت فجأة أمامها . هتفت كاميليا لتقف على الفور وجذبتها هي من مرفقها معها تردد بتحيته: - صباح الخير يافندم . وصل لأسماعها صوته برد التحية على كاميليا وهي ترفع عيناها الخجلة اليه بتردد، فاصطدمت بعيناه المتصيدة ، بابتسامة جانبية يردف لها بصوته الأجش: - ياهلًا بالسكرتيرة الجديدة . همست مرددة : - ياأهلًا يافندم، حضرتك تؤمر بحاجة؟ - علي صوتك . اردف بها فرفعت عيناها اليه باستفسار على جملته المقتضبة ، أكمل هو : - اتعلمي ترفعي صوتك شوية وانتِ بتكلميني . اومأت برأسها فتابع وهو يخطو نحو مكتبه : - شوية كدة وخليها تدخلي بالملفات ياكاميليا بعد ماتفهميها النظام . فور أن اختفى داخل مكتبه شهقت تدخل بعض الأكسجين لصدرها: - ياساتر يارب، هكمل ازاي انا معه ده؟ قالت مخاطبة كاميليا التي تسمرت محلها في التفكير لحظات قبل ان تردد لزهرة: - طب ماهو كويس يابنتي أهو، مش وحش معاكي يعني للدرجة اللي انتِ بتوصفيها. - والنبي ايه؟ ماخدتيش بالك انتِ بقى لما قرص على كلامه وهو بيقولي علي صوتك وانتِ بتكلميني - بس ابتسم ، ودي حاجة نادرة اوي لجاسر الريان على فكرة. انتبهت زهرة على جملة صديقتها ببعض الحيرة قبل أن تنتفض على صيحة انثوية بالقرب منهم . - هي دي بقى الترقية الجديدة ياأبلوات ؟ - يخرب بيتك وبيت صوتك ياشيخة. اردفت بها كاميليا وهي تقترب سريعًا من غادة التي كان جسدها يهتز من فرط غضبها وعيناها وكأنها بداخلها براكينِ مشتعلة. - بقى بتخبوا عليا، ياخاينة انتِ وهي ياقلالاة الأصل . صمتت زهرة عن الرد، فهي ليست بحاجة لزيادة التوتر والخوف بداخلها ، أومأت لها كاميليا نحو عدد الملفات الموجودة بركنٍ وحدهم على سطح المكتب وهي تضع كفها على فم غادة : - خودي انتِ الملفات ودخليهم لجاسر بيه وانا هاتفاهم مع البت دي . اذعنت زهرة لطلب كاميليا متجاهلة غضب غادة وهي تزوم نحوها ببعض الكلمات القاسية، وتحركت ببطء تمارس تمارين التنفس في إخراج الشهيق والزفير، قبل أن تطرق بخفة على باب مكتبه ، فوصلها صوته الأجش: - ادخل. فتحت لتدلف متحاشية النظر نحوه رغم شعورها بنظراته التي تخترقها وهو يهتز بكرسيه بغير عمل، اقتربت لتضع الملفات امامه : - اتفضل يافندم، دي مستندات مطلوب فيها امضتك . - قولتلك علي صوتك . اردف بها وهو بنفس جلسته على كرسيه، تنهدت بداخلها تناجي من ربها الصبر وهي تكرر ماقالته سابقُا بنبرة أعلى، رد هو متجاهلًا ما قالته : - غيبتي وماجتيش ليه من اول يوم ؟ اجفلها بسؤاله فرددت الحجة التي ذكرتها لها كاميليا سابقًا : - ستي كانت تعبانة اوي، وانا ماقدرتش اسيبها لوحدها. - اممم زام متنهدًا يتناول قلمه الذهبي من فوق سطح المكتب، فخاطبته هي تستأذن : - طب اخرج انا يافندم ولو عوزت حاجة تندهلي . استدارت تنوي المغادرة سريعاً، ولكنه اوقفها هاتفًا من خلفها. - زهرة ضغطت تعض شفتيها بغيظ قبل ان تستدير عائدة اليه قائلة بأدب ولطف . - نعم يافندم تؤمر بإيه ؟ عاد بظهره للخلف مستندًا بأريحيه على كرسيه قائلًا بتسلي : - عايز اشرب .. احتدت عيناها سريعًا قبل ان تتدارك نفسها ، تتمنى داخلها لو اطلقت نحوه السباب وافراغ غضبها المكبوت منه، فقالت بزوق عكس مايدور بعقلها : - تحب اجيبلك حاجة معينة تشربها يافندم ؟ هز رأسه قليلًا قبل أن يشير اليها بسبابته على احدى اركان المكتب . - التلاجة اللي هناك دي، جبيلي منها علبة عصير. تحركت على مضض نحو المذكورة، وقبل ان تخرج له واحدة من المجموعة المكدسة أمامها سمعته يهتف: - عصير مانجة..يازهرة . هذه المرة استغلت بعد المسافة وغمغمت بسبة عليه قبل ان تلتف اليه عائدة متصنعة الإبتسام . - اتفضل يافندم . قبض الزجاجة بكفه التي ما ان لمست كفها نزعتها بسرعة انتبه لها ، فوجدته يتكلم بحزم ارعبها : - تاني مرة مافيش غياب غير بإذن مني انا شخصيًا ولا أي حد يجي وبهزر معاكي طول مدة العمل ، حتى لو في البريك اردفت بعدم تصديق . - نعم !