نعيمى وجحميها1
نعيمى وجحميها1
وفي مكانٍ اَخر
تحت اليافطة المدون بها بخطوطٍ باهتة قديمة( المعلم محروس الشربتلي للتنجيد) والتي اعتلت الدكان المتواضع في الحارة الضيقة، كان جالسًا على كنبته الصغيرة يرتشف من كوب الشاي الذي بيده والسيجارة في فمه، قطع القطن واكياس الوسادات القديمة البالية تحت اقدامه، وعدته التي يعمل بها مرمية على الارض بإهمال، انتبه على صوت الصبي الذي يعمل بركن وحده في الداخل وهو يهتف عليه:
– انا خلصت الحتة اللي في آيدي ياعم محروس هاتيجي تشوفها بقى وتقولي رايك.
– اترزع ياد مكانك وشوفلك حاجة تانية اشتغل فيها عبال ما اجيلك اطل عليك.
ردد الفتى بتردد:
– اشتغل ازاي بس يامعلمي ؟ وشوية القطن اللي في الشوال الجديد مايكفوش مخدة حتى.
– طب نجدلك في حتة قديمة ياخويا وماسمعش نفسك تاني، فاهم .
غمغم الفتى من الداخل بحنق على اهمال معلمه وعدم مراعاته لصنعة قد ياكل منها الشهد كما يتصور الفتى، لو انتبه لها محروس وحرص على الأنتهاء من الأعمال المتراكمة بداخل الدكان من وسادات ومراتب جديدة أو بالية وبحاجة لتجديد، ولكن كيف؟ وقد سيطرت المكفيات على عقله، وألهته عن صنعته وعن العالم اجمع، دوى الصوت القبيح في الخارج:
– محروس باشا، قاعد عالكنبة ومسلطن ياعم؛ طب مش تندهلي عشان اَخد مكاني جمبك.
تمتم الفتى بغيظ:
– وادي كمان صاحب السوء وأوس البلاوي كلها وصل، كملت!
وعند محروس الذي رد بتأفف:
– عايز ايه يافهمي؟ ومالك بقى ان كنت اقعد متسلطن ولا اقعد على دماغي حتى، مش خلاص فاضيناها احنا وخلصنا.
اقترب فهمي يجلس بجواره على الكنبة قائلًا بسماجة:
– ومين بس اللي قال ان احنا خلصنا ياعم محروس؟ دا انت حبيبي والنعمة.
نفض محروس كف فهمي التي استندت على ركبته يبعده عنه بتأفف:
– انت اللي قولت يافهمي، لما مشتني امبارح من عندك وقفايا يقمر عيش، من غير ماتبل ريقي بحتة صغيرة حتى ولا انت نسيت .
بضحكة متوسعة اظهرت أسنانه الصفراء، اخرج فهمي من جيبه قطعة ملفوفة صغيرة يضعها بكف محروس الذي تلاقاها بلهفة:
– طب كدة بقى احنا بقينا متصالحين ياعم.
قبض على القطعة محروس داخل كفه يردف بعدم تصديق:
– بس انت مرديتش تديني أمبارح عشان الفلوس اللي معايا مكنتش مقضية، وخلتني ابات ليلتي اخبط في الحيطان من الصداع اللي مسك راسي يافهمي، هونت عليك وانت عارفني، دا انا مش بقصر معاك غير في الشديد القوي.
اتعوج فهمي بجلستة يضع قدمًا فوق قدم بميل وهو يردف بسيطرة:
– عارف ياعم محروس عارف، بس انا عايزك تنسي الليلة دي خالص، عشان من هنا ورايح، انا مش هاخليك تحتاج لأي حاجة ولا تتعب، كل طلباتك من الصنف هاتوصلك من قبل ماتشاور .
– بتتكلم جد يافهمي ولا انت جاي تتضحك عليا؟
سأل محروس بتشكك وارتياب، اخرج فهمي من جيبه علبة السجائر وقداحته ، يتحدث بتمهل:
– لا صدق ياعم محروس، انا مش بضحك عليك ولا بثبتك، مانت عارفني بعزك قد ايه، هي بس حاجة صغيرة اوي اللي طالبها منك .
حرك رأسه محروس يسأله بتفسير:
– هي إيه الحاجة دي؟ قول.
وضع فهمي السيجارة بفمه وهم لإشعالها ولكنها سقطت من فمه بعد أن تدلى فكه فور رؤيتها وهي تقطع الشارع امامهم، دون ان توجه نظرة نحوه او حتى تلقي السلام لوالدها، تنهد قائلًا لمحروس:
– هاقولك على طلبي وعلى الله بقى ماتنفذهوش
…………………………….