نعيمى وجحميها1

نعيمى وجحميها1

في اليوم التالي
على مكتبها الصغير كانت مُنكفأة على الحاسوب أمامها تعمل عليه بتركيز داخل الحجرة الكبيرة الخالية الا منها، بعد ان صعد مديرها وكل طاقم المكتب إلى الطابق الرابع، للمشاركة في الإحتفال الصغير بتولي جاسر الريان مسؤلية قيادة الشركة الأم لمجموعة الريان خلفًا لأبيه، الذي صرف لجميع موظفي الشركة مكافأة وأعطى لهم أجازة نصف يوم. احتفاءًا، ولكي يتعرفوا على القائد الجديد للشركة.
انتبهت على صوت هاتفها الذي كان يصدح بورود مكالمة من غادة التي فتحت ترد عليها بتأفف:
– ايوة ياغادة عايزة ايه تاني؟ ماقولتلك يابنتي مش طالعة .
وصلها صوت غادة المتحمس:
– ليه بس يامنيلة؟ دي الدنيا هنا بتشغي بالموظفين، وبيوزعوا جاتوه وحاجات حلوة كدة وغريبة، في حياتك ماشوفتيها ولا هاتشوفيها يافقر.
– ماانتِ قولتي فقر،
همست بها وتابعت بحزن:
– والنبي بس حاولي ماتتاخريش عشان نمشي بدري.
– ونمشي بدري ليه من الأساس دا انت….
وصلت الى أسماعها من غادة هاتفة بحنق، قبل ان تنقطع كلماتها وتتولى كاميليا الباقي .
– ايوة يازهرة، اطلعي يابنتي وبلاش اللي في دماغك ده، هو انت مزهقتيش من الشغل ولا نفسك تفكي شوية .
جاوبت،وعيناها تدور في أركان المكتب الخالي:
– هو مش زهق قد ماهو خوف، اصل المكتب فاضي خالص من الموظفين، كلهم سابوني ياكاميليا وطلعوا عندك.
– يخرب عقلك ياشيخة، اخلصي وتعالي ياللا زهرة، وبلاش شغل العيال بتاعك ده، هو عفريت يابنتي هاياكلك.

بعد قليل
صعدت زهرة مضطرة تحت إصرار الفتيات، لتنضم الى جمع العمال والموظفين المحتمعين للإحتفاء بالرئيس الجديد لشركتهم، ارتخت أعصابها المشتدة قليلًا، حينما اختلطت في الزحام، في الردهة الواسعة للشركة والتي تضم العدد الأكبر لمكاتب الموظفين، كانت ممتلئة عن اَخرها بالمهنئين، بعد ان قدٌم الرجل الكبير خليفته في الرئاسة ووزعت الحلوة والمشروبات الغازية.
شعرت زهرة بالخوف حينما راته بجوار ابيه ومجموعة من رؤساء الاقسام ومعهم مديرها، يتحدثون ببعض التباسط لظرف المناسبة.سرعت بخطواتها حتى وجدت كاميليا مع إحدى الزميلات تضحك وتتسامر معها، رأتها هي الأخرى فاستاذنت من الفتاة وتقدمت اليها بابتسامة واسعة وانيقة مثلها:
– اَخيرًا جيتي يابنتي دا انا خوفت لا ترجعي في رأيك وبرضوا ماتجيش .
قالت زهرة بتردد:
– انتِ بتقولي فيها؟ والنبي دا انا على اَخر لحظة قبل مااطلع الاَنساسير كنت هاغير رأيي وامشي عالشارع .
– ياجبانة!! طب والله تعمليها .
شاكستها كاميليا ضاحكة، اومأت زهرة برأسها موافقة بابتسامة قبل أن تسألها :
– هي البت غادة فين صح؟ مش شايفاها يعني.
أشارت لها بعيناها نحو زاوية قريبة من جاسر الريان ومجموعته، كانت تقف بها غادة هناك، وقد عدلت من هيئتها وزادت من مساحيق وجهها كي تلفت اليها الأنظار وتشارك مع الفتيات في توزيع الحلوي والمشروبات، فغرت زهرة فاهاها وعادت لكاميليا هامسة بدهشة :
– هي عاملة كدة ليه؟
اجابتها كاميليا بابتسامة ماكرة:
– باينها فاكراه فرح بلدي وعايزة تظهر في الكاميرا لما تقرب من الكوشة والعرسان
استجابت زهرة لمزحة كاميليا ضاحكة، وهي تغطي بكفها على فمها باستحياء.
لتندمج بعد ذلك في الحديث المرح معها وتنسى ماكان يخيفها، وما كان يقلقها في الصعود .
وفي الناحية الأخرى كان يتحدث ويتلقى التحية على مضض بداخله، بعد أن فاجأه ابيه بهذه الفعلة، بحجة زرع المودة بينه وبين الموظفين، يبتسم بتكلف ومجاملة، مراعاةً لشعور ابيه، فكم هي ثقيلة عليه المناسبات الإجتماعية وتملق الناس اليه ، كان يحتسب الثواني والدقائق حتى يصرفهم وينتهي من هذه المهزلة، حتى وقعت عيناه عليها بالصدفة، واقفة في اَخر الردهة تتحدث وتتسامر مع كاميليا، بفستان واسع كالأمس، ولكن هذه المرة بالوانِ مفرحة وجميلة وليس باهت كالأمس، حجابها الطويل بلونه الوردي انعكس على صفاء بشرتها الرباني مع ابتسامتها الساحرة التى فاجأته بروعتها، أسرت عيناه نحوها، حتى اصبح يومئ برأسه لمن يتحدث اليه دون انتباه، لا يعلم سر هذه الهالة الغريبة التي تحاوط هذه الفتاة وتجذبه اليها، وبلفتة نادرًا ماتصدر عنه، وجده نفسه دون أن يدري يشملها بنظرة رجولية خالصة؛ أنبأته بما قد يخفى عن الجميع إلا عنه؛ كرجلٍ اختبر ورأى من اصناف النساء الكثير، طالت نظرته حتى شرد بها، وتذكر لقاءه بالأمس معها، حياءها الشديد وحشمتها النادر ما يجدها في فتيات هذا العصر، نسي الزمان والظرف وكل ما حوله، فاحتلت جميع تفكيره في هذه اللحظة، فخرج اسمها من بين شفتيه وكأنه يخاطب نفسه:
– زهرة!!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *