نعيمى وجحميها 6
نعيمى وجحميها 6
وفي الجهة الأخرى
كانت تنظر في شاشة الهاتف وتقرأ المنشور المكرر على عدة صفحات والمرافق بالصور المؤكدة صحة الخبر، واضعة كفها على فمها بجزع، هذا ما كان ينقصها، الايكفي تحقيق جاسر الريان معها ونظراته المرعبة التي كان يلقيها نحوها بالأمس وكأنها المتسببة فيما حدث، حتى أصبحت تغمغم محدثة نفسها:
– يالهوي عليا، طب وانا مالي خايفة اوي كدة ليه؟ هو انا اللي كنت صورتهم ولا نشرت الصورة حتى؟…. كانت خروجة مهببة، كانت خروجة زف,ت عليا وعلى سنيني.
– مالك يابت انت بتكلمي نفسك؟
هتفت بها إحسان وهي تلج لداخل الغرفة، رفعت غادة رأسها ترد بهلع:
– ما انا لازم اكلم نفسي يامّا، لازم اكلم نفسي، وشكل اللي جاي مش خير أبدًا يامّا، ربنا يستر ربنا يستر
نهرتها إحسان غاضبة:
– بطلي تندبي زي غراب البين كدة وفهميني فيه ايه؟
ناولتها غادة الهاتف بصمت لتنظر فيه وتفهم وحدها، قرأت قليلًا في الخبر قبل أن تسألها باستغراب غير مبالية بالخبر نفسه:
– وانت إيه دخلك بقى بالهليلة دي كلها؟ عشان تندبي وتعمليها مناحة؟
تلعثمت قليلًا قبل أن تجيبها بقلق
– ممما انا كنت معاها امبارح في المطعم لما أغمى عليها، وانا اللي اتصلت بيه عشان يتصرف، يعني لو ماكنتش اتصلت بيه انا مكنش حصل دا كله .
ضيقت عيناها بتفكير إحسان قبل أن تقبض على رسغها هادرة بتهديد:
– انتِ كنتِ قاصدة يابت؟
صاحت صارخة:
– والله يامّا ماكنت اقصد، انا اتصرفت كدة من خوفي، لما شوفتها مسخسخة قدامي، هو بقى اللي مقدرش على تعب الغندورة وجه يشيلها بنفسه، انا مالي انا ؟ ماكان بعت السواق أو حد يجي ياخدها بداله.
زادت إحسان من ضغط كفها الغليظة على يد غادة لتؤلمها أكثر وهو تعاود السؤال:
– ولما انتِ واثفة في نفسك كدة؟ بتكشي في هدومك ليه منه؟
صرخت غادة بألم وهي تجيبها:
– بكش في هدومي، عشان نظرته ليا امبارح مكنتش مطمناني، الراجل كان بيزغورلي بعيونه، ونشف ريقي بأسئلته الكتيرة.
دفعتها إحسان للخلف ترد بضيق:
– ومدام متأكدة وواثقة في نفسك خايفة ليه؟ دا انت تروحي الشغل وتروحيلها بيتها عنده كمان، اللي على راسه بطحة هو اللي يحسس عليها ياعنيا.
……………………….
خرج من حمامه ليجدها أمامه ارتدت ملابسها وتنهي حجابها أمام المرأة، خاطبت انعكاس وجهه أمامها:
– اتأخرت ليه في حمامك مش عوايدك؟
رد عليها مبتسمًا بشحوب:
– وانتِ كمان مش عوايدك تخلصي لبس بسرعة كدة؟
استدارت إليه بابتسامتها الرائعة لترد بمرح:
– واديني عملتها ياسيدي، عشان تعرف ان مراتك مابتحبش الرقاد ولا العيا، وعشان كمان عندي ملفات عايزة اجهزها بسرعة لمديري الراجل الصعب اللي قولتلك عليه قبل كدة .
اتسعت ابتسامته قليلًا يجاريها في مزحتها وقد تأكد من ظنه ، زهرة لم تدري بعد بما نشر وما يتناقل على الهواتف عن خبر زواجهم وما حدث أمس حتى أصبح ترند على وسائل التواصل الإجتماعي عنها وعن أبيها ونسبه بهم، فكيف له أن يخبرها ويُطفى شمس ابتسامتها المشرقة، فهذا كثير وفوق قدرة تحملها وتحمله، قطع شروده صوت الهاتف والذي أشارت إليه زهرة بضيق:
– ماتشوف تليفونك دا ياعم اللي ما بطلش رن من الصبح وفلق دماغي.
– طب استنيني عشان نمشي مع بعض.
قالها وتوجه ليتناول الهاتف من فوق الكمود، غافلًا عن غمغمتها من خلفه:
– لتاني مرة بيقولي نمشي مع بعض، هو ناسي ان كل واحد ليه عربيته ولا إيه؟
قالتها وذهبت لتتناول شطيرة صغيرة لفطارها وترتشف فنجانها اليومي القهوة باللبن كما تحب،
في الوقت الذي كان هو يرد فيه على المتصلين من شركاءه في المجموعة ليطمئنهم بردود مقتضبة حتى لا تفهم هي ما يرمي إليه، وعيناه تتنقل حولها كل دقيقة حتى أتاه الإتصال المنتظر، رمقها بنظرة خاطفة يقول سريعًا قبل أن يتوجه نحو الشرفة:
– هاخلص اتصالي وراجعلك.
تطلعت في أثره مندهشة من تكرار جملته لها، حاولت الأنتظار قليلًا ولكن حينما تأخر في جداله بالشرفة، ومع نظرة لساعتها شهقت قائلة:
– بالهوي دا انا اتأخرت جدًا على ميعادي، لا بقى خلص مع نفسك، انا يدوبك اللحق الشغل المتأخر عليا.
غمغمت بعبارتها الاخيرة سريعًا وهي تتناول حقيبتها لتغادر دون أن تنتظره لتتخذ السيارة المخصصة لها بسائقها وتذهب لعملها، أما هو فكان على صفيح ساخن وهو يخاطب محدثه في الهاتف :
– انا فتحت المكالمة على أن المتصل والدك ، مش انتِ يامدام.
وصله صوتها بصراخ:
– طبعًا مش عايز ترد عليا، وانت ليك عين تحطها في عيني أساسًا بعد ما بقيت ترند انت واللمامة بنت تاجر المخد*رات.
ضم قبضته بقوة ليرد عليها جازًا على أسنانه، يحاول كبح جماح شياطينه مع هذه المستفزة:
– كلمة تاني عنها ياميري، وهاتشوفي وش عمرك ماشوفتيه.
– انت كمان بتدافع عنها…….
قطع صرختها والدها الذي تناول منها الهاتف ليحدثه قائلًا:
– جاسر يا ريان .
– نعم ياسيادة الوزير.
هتف بها بنفس القوة، ليأتيه رد الرجل الحاسم:
– عايزك تيجي الفيلا حالًا وتقابلني، ولاحضرتك متردد ما تيجي؟
استفزته كلمات الرجل فقال حازمًا:
– مش انا سيادتك اللي اتردد في أي موضوع يخصني، وانت عارف كدة كويس ياسيادة الوزير فهمي حيدر.
– تمام يبقى تيجي حالًا في ظرف ربع ساعة، عشان انت عارف مشاغلي
قالها فهمي واغلق المكالمة على الفور، زفر جاسر بعن.ف قبل أن يعاود الرجوع لجناحه، ليفاجأ بذهابها دون انتظاره، رفع رأسه للسماء يتنهد بيأس، يرجوا أن تكون على قدر ما يحدث.
……………………….
خرجت من سيارتها لتعدو بخطواتها بنشاط وحيوية نحو الدلوف الى الشركة، لتفاجأ بنظرات الجميع المصوبة نحوها بشكل ملاحظ، شعرت ببعض الأرتباك وهي تتسائل ان كان هناك شئ ما يعيب ملبسها وما ترتديه، ولكنها نفضت الفكرة لتكمل طريقها وهي تظن انها تتوهم، ولكن شكها بدأ يتزايد وهي تسمع الهمهات خلفها من بعض الموظفات والموظفين وهي واقفة في انتظار المصعد العمومي للشركة:
– ودي ليها عين تيجي النهاردة بعد اللي اتعرف ؟ لا وواقفة تنتظر الاَنساسير مع الموظفين الغلابة، تمثيل يابنتي، كهينة أوي وعاملة فيها بريئة، امو,ت واعرف هي عرفت توقعه ازاي؟ دي وقعة سودة وهاتنزل بيه لسابع أرض، دا كفاية سيرة ابوها اللي مشرف في السجن بتهمة المخد*رات.
هنا وضحت الصورة كاملة، وتأكدت مما ظنته في البداية تخمين، تسحبت بخطواتها مطرقة رأسها بخزي، متجهة نحو الدرج لتصعده على أقدامها بديلا للمصعد، تريد الإختباء، تريد العودة لمنزلها الاَمن مع جدتها وخالها، تريد الأختفاء عن أعين الجميع وعن سماع مايؤذيها منهم، تريد أن تتلاشى نهائيًا.
………………………………..