نعيمى وجحميها 6
نعيمى وجحميها 6
بعد قليل
وبعد أن شرحت غادة السبب الرئيسي الذي دفعها للشراء اليوم وحكت لوالدتها عما تفعله مرفت معها وتلميحلتها المستمرة لها، سألتها بفرحة ممتزجة بالأمل:.
– ها ياست الكل، فهمتِ بقى ولا تحبي افهمك من تاني؟
قلبت عينيها إحسان، قبل أن ترد بسأم:
– فهمت إيه؟ ما انتِ بقالك ساعة عمالة تحكي وتعيدي وتزيدي، وبرضوا مقتنعتش؟
– ليه بقى ياست ماما؟ هو انا بتكلم أجنبي مثلًا؟ دا حتى كل كلامي واضح وباين زي عين الشمس.
هتفت بها غادة لوالدتها التي ردت هي الأخرى بحدة:
– هو ايه اللي واضح وزي عين الشمس؟ الولية دي كل كلامها معاكِ عايم وع المتغطي، مافيش حاجة مباشرة عشان اطمن وافرح فرحتك دي واباركلك على المرتب اللي ضيعتيه في يوم واحد .
زفرت غادة لترد بضيق:
– قولي بقى كدة ياست ماما، انتِ اللي صعبان عليكِ الفلوس ومش هامك صورة بنتك ولا لبسها لما يحصل المراد ويتم اللي بتحلم بيه من زمان .
زفرت إحسان هي الأخرى وهي تضر.ب كفيها ببعض وترمقها بنظراتٍ ممتعضة، وردت:
– يعني انتِ عايزاني اعوم على عومك واصقفلك كمان، طب مش لما اشوف أمارة الأول يابت الخايبة، الكلام الطياري دا مايكلش معايا، مش يمكن تكون الست دي ليها غرض تأني معاكِ؟
صاحت غادة بعدم سيطرة:
– غرض تأني ايه بس ياما؟ دي خلتني اكلم اخوها من التليفون وعرفتني عليه بقصد، دا غير انها ست مش هينة في الشركة ولا حتى موظفة عادية عشان اشك فيها، دي عضو مجلس إدارة وشريكة كمان في مجموعة جاسر الريان، هاتعوز مني انا ايه بس؟
لوت إحسان فمها على زواية بشك ثم قالت بعدم استسلام لألحاح ابنتها:
– برضوا ياغادة تحرصي وتاخدي بالك، لما نعرف ميتها ايه الأول، ونعرف بقى، إن كان غرضها دا بجد ولا وراه حاجة تانية احنا مش فاهمينها.
اشاحت بوجهها عنها حانقة غادة ولم ترد، فهي لم تقتنع بوجهة نظر والدتها، بل هي تكاد تكون متأكدة من صدق نوايا مرفت نحوها.
…………………………..
عاد متأخرًا إلى المنزل، بعد قضاء سهرته في مناقشات ولقاءات مع بعض الشركاء الأجانب، للتباحث على إحدى الصفقات الهامة، يجر أقدامه جرًا وقد بلغ منه الأرهاق والتعب الجسدي مبلغه، كان على وشك الصعود الى الطابق الثاني، ولكنه توقف حينما لمح إضاءة إحدى الغرف القريبة من الردهة، تراجع ليتسحب بخطواتٍ خفيفة نحوها وقد خمن وجودها بالداخل، وصدق تخمينه حينما راَها، فقد كانت متكئة بجسدها على الاَريكة الاَثيرة وتتحدث في الهاتف باندماج مع أحدهم، توقف محله يرسم تفاصيلها الرائعة وهي ترتدي إحدى منامتها القصيرة كاشفة عن ساقيها بسخاء وتتلاعب بخصلة طويلة من شعرها، غافلة عن عيناه المتربصة،
بالطبع تبين صفة المتحدث من الجهة الأخرى في تباسطها وضحكاتها الصاخبة دون تحفظ معه، زفر بضيق من هذا الذي يشاركه اهتماماتها ويستمع لضحكاتها مثله، يعلم أنها انانية منه ولكن وليكن كذلك؛ فهو يعشقها ويريد الإستئثار بها وبكل مايخصها، تدفعه رغبة قوية الى اخذ الهاتف واغلاق المكالمة على الفور ولكن يعز عليه حزنها او غضبها، سخر من حالته وضعفه الاَن أمام هذه الصغيرة وقد كان سابقًا حاد الطباع وخشن المعاملة مع جميع النساء مهما بلغت درجة جمال الواحدة منهن، قطع شروده حينما وجدها تنهي المكالمة، وتهُم لتعتدل بجلستها ، اقترب سريعًا بخطواته الخفيفة، ليجفلها فور أن التفت رأسها، فصرخت زهرة بارتياع قبل أن تبتلع كلماتها في سترته وقد طوقتها ذراعيه ليضمها اليه سريعًا بقوة ليهدهدها ويطمئنها وسقط جالسًا بها على الأرض .
– بس بس اهدي مافيش حاجة، انتِ في حض,ن حبيبك، ايه يابنتي هو انا لدرجادي خضيتك؟
كان جميع جسدها يرتجف حرفيا بين يديه، حتى شعر بانتفاضتها تحولت لبكاء مكتوم على صدره، دب الخوف في قلبه من حالتها التي استمرت للحظات قبل يخرجها من ح,ضنه عنوة لينظر الى وجهها الذي أصبح كتلة حمراء، مغرقة بالدموع، حاوط بكفيه على صدغيها لتقابل عيناها عيناه، فقال مدعي الحزم رغم الجزع الذي اصبح يعبث بداخله:
– ليه دا كله بقى ها؟ ممكن أفهم،
خرج صوتها بارتعاش:
– أسفة ياجاسر لو خضيتك مني، بس انا بجد بخاف اوي والله، يمكن تستغربني وتستغرب حالتي، لكن اعمل ايه بقى في جبني؟
ضيق عيناه يسألها بتركيز:
– يعني حركة خفيفة زي دي ترعبك بالشكل ده! دا غير خوفك الغير مبرر من الضلمة، هو في ايه بالظبط يازهرة؟
ارتشعت شفتيها بعجز أمامه قبل أن تقول اَخيرًا:
– دي عقدة عندي ممن وانا صغيرة، يعني عشان حادثة حصلتلي زمان ممم بلاش والنبي تفكرني انا مش عايزة افتكر دلوقتِ.
قالت الأخيرة لتنزع وجهها من بين يديه وترتمي داخل أحضانه، شدد بذراعيه ليحتويها ويحتوي خوفها، فقالت هي بصوت مكتوم:
– عارفة ان شكلي غبي ويضحك، بس دي طبيعتي ياجاسر وخالي وستي رقية عارفين عني الحكاية دي .
انتبه على عبارتها فسألها بريبة:
– وخالك ورقية كانوا بيعملوا ايه لما يحصل معاكي كدة؟
ردت بعفويتها :
– ستي كانت بتقرالي قراَن وخالي كان بيضمني ويطبط عليا لحد ما اهدى .
عض على شفتيه يحاول السيطرة على النيران التي اشتعلت داخله ليقول مستنكرًا:
– دا بدل ما ياخدوكي لدكتور يشوف حالتك، ويلاقي علاج مناسب ليكي.
رفعت رأسها من على صدره لترد بلهجة لائمة:
– انا مش مجنونة ياجاسر ولا عندي حالة نفسية، دا مجرد خوف أو جبن عندي في نفسيتي، وخالي وستي عارفين كدة، وكانوا دايمًا بيعرفوا يهدوني بحنانهم.
استفزته جملتها الأخيرة، فرد وهو يشدها من ذراعها ليُعيدها لأحضانه مرة ثانية مشددًا:
– انا حنين أكتر منهم على فكرة، وهاعرف احتويكي يازهرة وانسيكي الخوف دا خالص، سامعاني، وبرضوا هاعرف سبب الحقيقي اللي ورا الموضوع ده.
……………………