نعيمى وجحميها 6
نعيمى وجحميها 6
أوقف السيارة فجأة ليخرجها من شردها الذي لازمها من وقت أن تركوا الشركة، تطلعت حولها لتقع عيناها على الواجهة المضيئة لإحدى المحلات، التفت برأسها إليه تسأله بدهشة:
– وقفت هنا ليه؟ دا انا افتكرت اننا وصلنا.
التف بجذعه إليها قائلًا:
– لا ياستي ماوصلناش، بس انا بصراحة بقى طقت في دماغي انعنش نفسي بأيس كريم من المحل اللي قدامنا ده، اوعي تقوليلي انك مابتحبهوش؟
ابتسمت بيأس تقول:
– مافيش فايدة فيك، يعني في البداية قولتلي نتعشى مع بعض ولما رفضت، فقولت تحطني قدام الأمر الواقع، وانت عارف ومتاكد ان دي عزومة ماتترفضش خصوصًا من محل مشهور زي ده .
– حلو أوي
قالها وهو يهلل أمامها بسعادة طفل صغير قبل أن يترجل من السيارة متجهًا نحوها ليساعدها على السير.
وبداخل المحل
كان يتطلع بها هائمًا وهي تتناول بملعقتها الصغيرة وتتلذذ بالطعم المدهش حتى قالت له ممتنة:
– يجنن، حلو أوي ياطارق، انا بقالي فترة طويلة ما دوقت حاجة بالطعامة دي .
رد بسعادة لسعادتها:
– بالهنا والشفا.
صمت قليلًا قبل أن يلح عليه فضوله ليقول بتردد:
– انا لاحظت يعني ان الأخ كارم قعد معاكي فترة طويلة اثناء انشغالي في الإجتماع مع جاسر،
رفعت إليه أنظارها لتفاجأه بسؤالها:
– هو انت ليه ماقولتلوش على إصابتي لما سألك؟
احتدت عيناه ليأسر أنظارها لحظات مترقبة لرده، قبل أن يجيبها بتحدي:
– ومش هاقول ياكاميليا، أي سؤال يسألوا عنك مش هاجاوب عليه، عشان يخلي عنده دم ويميز بقى.
ابتسمت من قلبها قبل أن تضيف بمكر انثوي امتزج بحزنها:
– يميز ليه؟ مش يمكن يكون رايد الحلال وعايز يدخل البيت من بابه؟
– كدة خبط لزق!
قالها بغضب وقد اشتعلت عيناه ببريق خطر وهو يسألها:
– ولو هو حصل وطلبك فعلًا؟
مطت بشفتيها تجيبه بالحقيقة:
– هاكدب عليك لو أنكرت، بس هو فعلًا لمح بكدة .
دفع الملعقة من يده بع.نف حتى سقطت على الأرض الرخامية أسفلهم فأصدر صوتها دويًا لفت نظر بعض الأفراد حولهم، حتى أتى النادل يتناولها ويبدلها بملعقة أخرى، ليأخذ وقته قليلًا في تمالك نفسه قبل أن يستطرد بضيق:
— اشمعنى هو؟ ليه دايمًا تحسسيني ان الباب اللي مقفول في وشي انا دايمًا مفتوح على آخره لصاحبنا ده؟
صمتت تشيح بوجهها عنه قبل أن تجيبه بنزق وتوتر :
– وافرض يعني زي ما بتقول كدة، دي مافيهاش زعل كل حاجة نصيب، وكارم أساسًا راجل دوغري ومالوش في اللف والدوران،
صمت يخترقهاً بعيناه المتفحصة ليزيد من ارتباكها ثم اقترب بجذعه يسألها بتذكر:
– ولما هو دوغري وانا راجل مش تمام في نظرك، صاحبنا ده اللي مسجلاه على تليفونك ب هي ، محله ايه في الإعراب عندك.
اَلمتها كلماته وتصور نظرتها إليه بهذا السوء، لتبتلع الغصة المؤلمة في حلقها وتجيبها دون تفكير:
– هي مش راجل، دي تبقى أمي .
أجفلته إجابتها المباغتة لتأتي الاَن في إجابة عن السؤال المُلح بداخله من فترة، فسألها بتوجس:
– طيب هو انا ممكن أسألك؟ واقولك ليه؟
بابتسامة لم تصل لعيناها، ردت تمازجه بمرارة:
– ليه إيه؟ عشان مسجلاها بضمير الغائب زي ما قولت عليها انت قبل كدة؟ ولا عشان استكرت عليها أعظم صفة تنولها الست، لما تبقى أم؟
تنهد بعمق يجيبها:
– كله يا كاميليا كله.
صمتت أمامه قليلًا بتفكر قبل أن ترد بحسم:
– انا هاجاوبك على كل أسئلتك ياطارق، بس دا لما تسمع الحكاية كلها عشان انا عايزاك تعرف.
قالتها كاميليا لتسرد أمامه:
“حكاية نبيلة عبد الواحد، الفتاة الريفية التي تزوجت من ابن بلدتها صابر المنسي على عمر السابعة عشر، لينتقل بها من بلدتهم الصغيرة الى المدينة الكبيرة المزدحمة، نبيلة لم تكن فتاة جميلة وحسب، بل كانت فاتنة جاذبة للأنظار لها أينما تكون، في بداية زواجهم كانت الحياة على أسعد ما يكون، مرتب الوظيفة الحكومية كان اكثر من كافي للزوج الذي كان يصرف على زوجته الجميلة الصغيرة ببزخ كي يدللها بكل ما تشتهي به نفسها، متنعمًا بالسعادة معها فقد كان يعشقها بكل جوارحه، وهي أيضًا كانت ترى فيه مثال للرجل الحقيقي وزوج تحلم به كل الفتيات، ولكن مع الوقت لا شئ يدوم، والمال الذي كان أكثر من كافي في البداية اصبح بالكاد يكفي مع انجاب الأولاد ومصروفاتهم المستمرة وغلاء المعيشة، زادت الهموم وزادت الشكوى المستمرة لقلة المال وضيق الحال ومع مرور السنوات رويدًا رويدًا أصبحت الحياة لا تحتمل،
لم يدخر صابر جهدًا في المحاولة على قدر أمكانياته القليلة بالعمل بوظيفة أخرى بجوار وظيفته، لكسب رضاء الزوجة الساخطة دومًا، ومع ذلك لم يفلح، وكانت الض,ربة القاسمة حينما حملت خطأ كما تسميه بطفلها الاَخير ، الذي رفضته حانقة في البداية ولكن مع صبر الزوج عليها ووعد ابنتها الكبرى كاميليا والتي كانت في هذا الوقت تدرس في الجامعة لمساعدتها في تربيته، تقبلته على مضض، ليزداد بمجيئه الاعباء والمصروفات، ويزداد سخطها لأضعاف، حتى جاء هذا اليوم حينما حضرت فرح لإحدى قريباتها في بلدتهم، والتقت بابن عمها المغترب منذ سنوات في آحدى دول الخليج والذي كان حلمها وهي فتاة صغيرة بوسامته ورجولته ، ليعود جامعًا ثروة لا بأس بها من المال، انبهر بجمالها وشبابها ، ف نبيلة ف هذا الوقت كانت بالكاد تخطت الثامنة والثلاثون ، وضعها برأسه الرجل ليسوق عليها افراد من عائلتها لإقناعها بالزواج به، وترك الزوج الفقير وأولاده ، في البداية كان الرفض قاطعًا ولكن مع الإغراءات المستمرة وضيق حالها مع زوجها، استسلمت في النهاية، لتتختار المال والزوج الوسيم وتتخلى عن عائلتها الصغيرة حتى طفلها ذو العام الواحد”
– سابت ميدو على سنة واحدة؟ طب ازاي والدك قبل يطقله أصلًا؟
سألها طارق مذهولا بوجه متأثر ، وردت هي بجمود متحاشية شعور الخزي الذي يكتنفها مع ذكر القصة:
– الست لما تقرر تنفصل عن زوجها بتعرف كويس ازاي تخرجه عن شعوره وينطق بكلمة النهاية، وقصة الراجل ده عرفناها لما اتجوزت تاني يوم بعد انتهاء عدتها.
ظل على صمته يعطيها الفرصة لتتابع باسترسالها:
– على فكرة انا روحتلها بيتها بعد ما اتجوزت، كنت عيلة صغيرة بقى وفهمي على قدي، وشوفت جوزها، الراجل كان أكبر من ابويا بعشر سنين ومع ذلك كان شكله أصغر بكتير، في الأول عذرت والدتي لما شوفت الفرق الهائل في عيشتها برفاهية في فيلا كبيرة وراجل وسيم وعذرت ضعفها، لكن لما كررت الزيارة اكتشفت اخلاقه الزف,ت وانه بيخونها مع أي واحدة حتى لو خدامة، ولما قولتها، وواجهتها باللي سمعته وشوفته بعيني، سدت ودانها وزعقتلي.
– هو دا اللي خلاكي تقاطعيها بعد كدة؟
اومأت برأسها وهي تخبره نصف الحقيقة، ف السبب الحقيقي كان هو تحر,ش الرجل بها هي نفسها، حينما رأها اول مرة بمنزله صدفة، واعجب بها لدرجة اظهرت الرغبة في عيناه، ف كاميليا كانت صورة مصغرة من والدتها، تختلف عنها فقط في لون العيون، ف الوالدة تتميز عيناها بلونها شديد الخضرة.
– الله يخرب بيت غبائي، اختار الأم من قبل ما اشوف بنتها؟ اقسم بالله كنت هاغير رأيي،
قالها بفجر اثار اشمئزازها وهو يقيمها من رأسها لأخمص أقدمها، ثم سلامه الغير مريح ليُبغاتها بقبلة مقرفة على وجنتها مدعي انه في مقام والدها، حتى شعرت بيداها التي امتدت تلامس لاجزاء من جسدها، فركضت شاكية نحو والدتها التي كانت في المطبخ في هذا الوقت ، والتي نهرتها غاضبة لتتهمها باختلاق القصة.
– اخلاق الجواري .
تفوهت بها دون تفكير لتجده يسألها قاطبًا حاجبيه:
– بتقول ايه ياكاميليا؟
رددت تجيبه بالشرح:
– بقولك ان والدتي فضلت تبقى جارية لراجل غني بفلوسه رغم أخلاقه الز,فت، على انها تبقى ملكة في بيتها الفقير مع عيلتها اللي بتحبها
ظل على صمته وهو يتطلع إليها بشعور امتزج بين الإشفاق على فتاة تلقت اكبر صدماتها في هذا العمر الصغير والأعجاب الشديد بشجاعتها وتقبلها حمل المسؤلية برعاية اسرتها وشقيقها الطفل الصغير .
…………………………..