جواد بلا فارس ٥

جواد بلا فارس ٥

ما كاد يصل “زياد” الى سيارته حتى هتف :
– أوبس نسيت آخد رقم “كريم”
نظر الى “آدم” قائلاً وهو ينصرف :
– ثوانى يا “آدم” هاخد منه الرقم بسرعة وأجيلك

أومأ “آدم” برأسها ووقف واضعاً يديه فى جيب بنطاله يتطلع الى المكان حوله منتظراً عودة “زياد” .. دخل “زياد” القاعة فكاد أن يصطدم بـ آيات” التى كانت تهم بالخروج .. رجع خطوة للخلف قائلاً :
– اتفضلى
خرجت “آيات” وهى تحاول بالمناديل مسح بقع العصير التى ترسبت فوق ملابسها .. كانت عينا “آدم” تدور فى المكان .. ثم التفت ينظر الى باب القاعة منتظراً خروج “زياد” .. توقف الزمن .. بل توقف كل شئ .. توقف قلبه عن مهمته فى ضخ الدماء الى جسده .. وتوقفت رئتيه عن امداد قلبه بالأكسجين .. .. وتوقف عقله عن التفكير .. لم تعمل سوى عيناه التى تعلقت بتلك الفتاة الخارجة من القاعة .. اتسعت عيناه وهو يراها تمر أمامه .. لم يتمكن من رؤية وجهها الا للحظة لكنها كانت كافيه ليتعرف عليها .. عادت أجهزته للعمل ولكن بسرعة جنونيه .. لم يشعر بنفسه الا وهو يسرع الخطا ليلحق بها .. هتف بلوعة وبصوت مرتجف وكأنه قادم من مكان سحيق :
– “آيات” !
توقفت .. لم يقل الا كلمة واحدة لكنها عرفت صوته .. وكيف تستطيع نسيان ذلك الصوت التى كانت تستمتع اليه فى محاضراته بالساعات .. حبست أنفاسها .. كرر ندائه .. الذى لم يكن نداءاً بقدر ما كان استفهاماً ملهوفاً ممزوج بالتعجب :
– “آيات” !
اضطرب تنفسها وتسارعت نبضات قلبها .. بلعت ريقها بعصوبة وأخذت نفساً عميقاً لتلتفت ببطء وتقف فى مواجهته .. غارت عينا “آدم” فى محجريهما وتحركتا بسرعة على وجهها بتفاصيله وكأنهما لا تصدقان ما تراه أمامها .. هربت الدماء من وجهه وكأنه يرى شبحاص أمامه .. اضطرب تنفسه بشدة وبدا كمن يجاهد ليبقى قلبه الذى يخفق بجنون حبيس صدره .. اقترب منها أكثر وقال بذهول ولهفة وجزع :
– آيات
بلعت “آيات” ريقها بصعوبة وهى تنظر اليه .. حاولت أن تفهم مشاعرها فى تلك اللحظة فلم تستطع .. بدا وكأن قلبها وعقلها يتحدثان معها بلغة لا تفهمها .. ثم .. استدارت لتغادر .. اندفع “آدم” بسرعة جاذباً اياها من ذراعها .. التفتت تنظر اليه بدهشة واستنكار .. فأمسك بيده الأخرى ذراعها الآخر وأدارها لمواجهته .. نظرت اليه بحدة وصاحت :
– سيبنى
لمعت الدموع فى عينيه وعلى شفتيه ابتسامة حائرة متردده وهو يقول بصوت مضطرب :
– “آيات” .. انا مش مصدق
تحولت دهشتها وسكونها الى غضب .. حاولت جذب نفسها من بين يديه الممسكة بذراعيها وهى تصيح :
– بقولك سيبنى
لكن “آدم” تشبث بها بقوة لم يترك لها فرصة للإفلات من بين يديه ..قربها منه أكثر واتسعت ابتسامته وهو يقول بصوت باكى وهو يتأملها بلهفة :
– حبيبتى .. مش مصدق .. “آيات” أنا مش مصدق
جذبت نفسها للخلف وقد بدأت تشعر بالخو…ف منه .. صاحت قائله بحزم :
– سيبنى لو سمحت
جذبت ذراعيها من يديه بعنف .. لم يتركها إلا ليمسك وجهها بين كفيه يتحسسه كما لو كان يتأكد من أنها حقيقيه .. قرب منها بوجهه قائلاً بحيرة ولهفة :
– ازاى .. انتى مكنتش معاها .. افتكرت معاها
تساقطت عبراته فوق وجنتيه وهو يقول بصوت باكى وهو يتذكر البناء المنهار والحريق والجثة المتفحمة التى دفنها ظناً منه أنها “آيات” :
– افتكرتك كنتى معاها .. “آيات”
صاحت بغضب وهى تحاول الابتعاد عن مرمى يديه :
– انت اتجننت .. سيبنى بقولك يا إما هنادى الأمن
بدا وكأنه لا يسمعها .. كل ما كانت ترسله حواسه الى عقله المضطرب هو أن “آيات” على قيد الحياة وأنها واقفة أمامه الآن .. نظرت “آيات” اليه وقد تزايد خو…فها فضلاً ضيقها الشديد من اقترابه منها بهذا الشكل .. حاولت ابعاده عنها بعنف شديد .. فنبهه عنفها الى حالة الخو…ف التى اعترتها .. نظر اليها بدهشة وقال وهو ممسك ذراعها يأبى أن يتركها :
– “آيات” براحه متخفيش
فى تلك اللحظة خرج “زياد” يبحث عن “آدم” .. صُدم عندما وجده واقفاً على بعد عدة خطوات ممسكاً بفتاة تحاول افلات نفسها من بين يديه .. لمحته “آيات” فصرخت له قائله وهى تستنجد به بلهفة :
– لو سمحت تعالى .. خليه يسيبنى
اقترب “زياد” فى دهشة وأمسك “آدم” يبعده عنها وهو يقول بإستغراب مما يفعل صديقه :
– “آدم” سيبها يا “آدم”
صرخت “آيات” بحده وقد تقطعت أنفاسها بعدما نجحت فى افلات ذراعها من يده :
– انت معندكش دم ولا ذوق .. اياك تقرب منى تانى .. سامع
نظر اليها “آدم” مصدوماً وكأن عقله لا يستوعب كل ما يحدث وقال بإضطراب :
– مكنش قصدى أخو…فك .. بس انتى متعرفيش أنا .. أنا كنت هناك فى القاهرة عند بيت ……..
لم تتوقف “آيات” لتستمع الى حديثه بل أولته ظهرها وانطلقت فى طريقها .. انطلق خلفها وجذبها مرة أخرى من ذراعها يوقفها فصرخت وهى تعنفه قائله :
– والله لو مسبتنى لهنادى الأمن أخليهم يرموك بره
لحق به “زياد” وجذبه الى الخلف وهو يصيح به :
– “آدم” .. مالك يا “آدم” .. سيبها بأه متعملناش مشاكل .. “آدم” فوق
جذب “زياد” ذراعها من قبضة “آدم” المتشبثة بها بقوة .. وجذبه فى اتجاه السيارة .. سار “آدم” للخلف وعيناه معلقتان بها وهى تجرى مسرعة فى اتجاه شقتها .. نزع “آدم” نفسه من “زياد” وود أن يلحق بها مرة أخرى .. فأوقفه “زياد” وصرخ به :
– “آدم” انت اتهبلت .. انت فيه ايه
نظر اليه “آدم” ومازالت الدماء هاربة من وجهه وقال بأعين دامعة وابتسامة مرتجفة :
– “آيات” يا “زياد” .. دى “آيات”
تجمد “زياد” فى مكانه للحظات ثم صاح :
– ازاى يعني
قال “آدم” وقد اتسعت ابتسامته وقال بلهفة :
– بقولك هى .. مما..تتش يا “زياد” .. “آيات” عايشة ممتتش
التفت “زياد” ينظر الى الاتجاه الذى ذهبت منه “آيات” ثم جذب صديقه فى اتجاه السيارة .. توقف “آدم” قائلاً بحده :
– واخدنى على فين مش همشى .. أنا هروحلها .. مش هسيبها
صاح به “زياد” بعنف :
– تروحلها فين البنت مرعوبة منك لو طلبتلك الأمن هتبقى مشكلة .. تعالى نرجع الشالية وتهدى كدة وبعدين تفكر
بدا وكأن “آدم” لم يستمع اليه ..صاح مرة أخرة بسعادة :
– “آيات” عايشة يا “زياد” .. عايشة
ابتسم “زياد” وربت على كتفه وجذبه الى سيارته وسأله بقلق وهو يرى تعبيرات وجهة الغريبة وتنفسه المضطرب :
– هتعرف تسوق ؟
أومأ “آدم” برأسه وعيناه متعلقة فى الاتجاه الذى غادرت منه .. انطـ,ـلق فى طريقه وقد اتسعت ابتسامته ودمعت عيناه بفرحة .. وخفق قلبه بجنون .. وهو يتمتم بشفين مرتجفتين :
– “آيات” !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *