جواد بلا فارس ٥
جواد بلا فارس ٥
************************************
وقفت “آيات” فى شرفة غرفتها .. أخذت نفساً عميقاً تنعش به رئتيها .. نظرت الى دوران القمر واكتماله .. ثم التفتت تنظر الى البحر أمامها .. تأملته الى أن شعرت بوخز الدموع تحرق عينها .. خرجت من تاملها لتحاول السيطرة على تلك الرغبة القوية فى البكاء التى اجتاحتها .. سألت نفسها : ما هذه الغصة التى تشعرين بها فى حلقك يا “آيات” .. انها بالتأكيد لفقدك والدكِ الحبيب .. و”حلمية” الطيبة المخلصة .. ارحمهما يا الهى واغفر لهما وتجاوز عنهما .. تألمت كثيراً لفقدهما لكنها حكمتك .. هكذا أردت .. وهكذا حكمت .. تنهدت بقوة ودخلت من الشرفة .. مرت على “أسماء” النائمة فى فراشها المجاور .. ثم خرجت من الغرفة .. نظرت الى غرفة “إيمان” وتوجهت اليها .. وجدتها واقفة تصلى ماسكة مصحفها .. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل .. شعرت براحة وسكينة وهى تراها تصلى قيام لله عز وجل .. أنهت “إيمان” صلاتها فى تلك اللحظة لتفاجئ بـ “آيات” الواقفة على باب الغرفة .. تقدمت منها “آيات” وقالت :
– ما شاء الله “إيمان” انتى بتصلى قيام على طول ؟
قالت “إيمان” مبتسمه :
– لا بصراحة مش على طول .. فى أيام مبصليش فيها قيام .. نفسى أواظب أوى
قالت “آيات” وهى تنر اليها بإعجاب :
– ما شاء الله عليكي .. تعرفى أنا مصلتش قيام خالص .. مصلتوش غير مرتين تلاته بس
قالت “إيمان” بحماس :
– ليه يا “آيات” .. على فكرة هتحسى براحة عجيبة وانت بتصلى قيام .. كفاية انك تعرفى ان ربنا سبحانه وتعالى بيتنزل الى السماء الدنيا فى التلت الأخير من الليل وبيقبل الدعاء فى الوقت ده
استشعرت “آيات” تلك الكلمات بقلبها فأكملت “إيمان” بنفس الحماس :
– ربنا سبحانه وتعالى بيقول “أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً , وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ” .. وكمان بيقول “أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ” .. وكمان بيقول ” إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْ..فًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ” .. وفى آيات كتير أوى بتحث على قيام الليل .. كان النبي صلى الله عليه وسلم بيصلى قيام الليل لحد ما رجله تتورم .. فسألوا النبي ليه بيصلى كده رغم انه ربا غفرله ما تقدم وما تأخر من ذنبه فرد وقال: “أفلا أكون عبدا شكورا” .. تعرفى كمان ان أمنا عائشه رضى الله عنها قالت عن النبي صلى الله عليه وسلم ” لا يدع قيام الليل ، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدا ” .. تخيلى ده النبي اللى ربنا غفرله كل ذنوبه .. ما بالك احنا بأه بذنوبنا دى وبأعمالنا دى مش احنا برده أحوج لقيام الليل من النبي صلى الله عيه وسلم ؟
قالت “آيات” بتأثر :
– أكيد .. ده احنا عندنا بلاوى مش ذنوب .. على الأقل بتكلم عن نفسى
قالت “إيمان” :
– تعرفى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال “من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه , وهي كل ليلة ” .. يعني كل ليلة فى ساعة لو دعيتي فيها ربنا يستجيب لدعائك .. تخيلى باه واحنا بنام ونسيب الساعة دى تضيع مننا
عقد “آيات” ما بين حاجبيها وقالت :
– يااه ده احنا مقصرين أوى
نظرت اليها “إيمان” قائله :
– أنا كنت زيك كده يا “آيات” وأمر منك كمان .. بس “على” أخويا ربنا يكرمه كان بيفضل يزن عليا ويتكلم معايا لحد مرة ورا مرة حسيت انى بدأت أتغير من جوايا
نظرت اليها “آيات” وقالت بحماس مبتسمة :
– أنا كمان ان شاء الله هصلى قيام من بكرة
– من بكرة ليه متخليش الشيطان يعطلك .. اتوضى وصلى دلوقتى لسه شوية على الفجر
توجهت “آيات” على الفور الى الحمام وتوضأت .. فرشت سجادة الصلاة فى غرفتها وأمسكت مصحفها .. شعرت بسكينة وراحة وفرحة لا تدرى سببها وهى تبدأ فى صلاتها .. وقفت تقرأ طويلاً الى أن بدأت تشعر بتعب فى قدميها .. مر على خاطرها كلام “إيمان” عن تورم قدم النبي صلى الله عليه وسلم الشريفتين .. فشعرت بسعادة فى قلبها .. شعرت بلذة هذا الألم .. وخشع قلبها أكثر .. قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: “أصل الخشوع لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته،فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء،لأنها تابعة له ” .. انتهت من القيام لتخر ساجدة .. دعت الله كثيراً فى سجودها .. شعرت ولأول مرة بلذة الطاعة .. صلت طوال عمرها .. لكنها لم تشعر من قبل بأن للصلاة لذة لا يشعر بها الا من خشع قلبه وتعاظم اسم الله فى داخله .. لا يشعر بها الا من فصل مشاعره وحواسه عن العالم من حوله .. ودخل الصلاة مستشعراً كل حركة .. وأنه الآن واقف بين يدى الله .. ينظر اليه .. ويسمعه .. بل ويشاركه صلاته ! .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا صليتم فلا تتلفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في الصلاة ما لم يلتفت” .. وقال صلى الله عليه وسلم : ” قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجّدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ”
انتهت من صلاتها بعدما تنامى الى مسامعها آذان الفجر فقد سرقها الوقت ولم تشعر بدنوه .. جلست “آيات” فى مكانها تردد الآذان خلف المؤذن .. كانت تشعر براحة كبيرة فى نفسها وكأنها أمضت معاهدة سلام مع نفسها ومع العالم أجمع .. عاهدت نفسه ألا تترك القيام قط .. وأن تواظب عليه كل ليلة