لمن القرار 13
لمن القرار 13
الفصل الثامن والخمسون(1)
**********
احتضنت الكتاب خاصتها ببعض الخجل، تُقاوم تقدم قدميها نحو غرفة مكتبه تخشى أن تجد الإهانة منه والتقليل ولكن هو من أخبرها هذا الصباح بعد أن اخبرته عن صعوبة دورة اللغة الإنجليزية بالنسبة لها،
فهي تجد صعوبة في نطق الكلمات وحل القواعد منذ الدراسه ولم تكن تنجح بها إلا بالكاد لولا هذه المادة لكانت حصلت على مجموع أعلى.
اكتشفت إنها سريعة الفهم في دورة الحاسوب، لكن أمر اللغة كان صعب عليها.
طرقت غرفة مكتبه، فخرج صوته سامحًا لها بالدلوف.
ظنها السيدة سعاد، ولكن فور أن علقت عيناه بها ابتسم إليها وهو يُطالع ما تحمله وقد تذكر عرضه الصباحي لها وقد أعجبه إصرارها في التعلم وتطوير ذاتها
– أنا قولت إنك هتكابري كعادتك
هتف مازحًا يُريد مداعبتها بالحديث ، فهي منذ أن ربطتهم وثيقة الزواج وهي خلقت لحالها عالماً بعيداً عنه، تأكل جواره صامته إلا إذا حدثها تُحادثه،
إذا أرادت شئ منه تُبلغ السيدة سعاد أولاً
اطرقت رأسها بحرج وهي تتقدم منه تتلاشى أي تواصل بصري بينهم
– مش عايزه اتعب حد معايا، ميادة على قد ما بتقدر بتوجهني وملك رغم كل اللي فيها بتشجعني وأنت كمان بتساعدني بفلوسك
طالعها بنظرة كان يخص بها ملك وحدها، إنه بات يقدرها بشدة عزة نفسها التي لم يراها في الكثير من الناس حتى تحديها لظروفها، إنه بالفعل فخور بها، فهي دفعت حالها نحو ما لا يختاره إلا القليل,
اختارت أن تثبت حالها في عالم رفض وجودها كغيرها مما لا ذنب لهم
– تعالي يا بسمة وخليني أشوف إيه اللي مش قادرة تفهمي وبلاش كل شوية تقولي فلوسك، متنسيش إنك قدمتي ليا قبل كده مساعدة في الحملة الإعلانية ولولا دورك فيها مكنش بقى عندنا هدف من حملتنا الترويجية
طالعته وهي ترسم فوق شفتيها ابتسامة لم تنفرج معها شفتيها إلا قليلاً ثم وضعت أمامه الكتاب
– أنا محتاجاك تنطق قدامي الكلمات، لأن مهما بحاول اسمع واصحح لنفسي لساني بيخوني وبحس بحرج قدام زمايلي
خرج حديثها ببعض الحزن ولكن سرعان ما تذكرت مديح المحاضر الذي يُدرس لها دورة الحاسوب
– لكن أنا شاطرة في الكمبيوتر وبتعلم بسرعه أوي حتى إني عايزة اتعلم التصميم على الفوتوشوب
كانت سعيدة وهي تخبره إنها تُحب هذا المجال، رغم إنه سيكون بعيداً عن مجال دراستها
– هيكون بعيد عن مجال دراستك يا بسمه، لكن مش مهم أهم حاجة تحبي اللي بتعملي
وضاقت عيناه يُفكر في شيئًا ما، ينظر إليها مبتسمًا
– أتمنى إنك تحترفي المجال ده، ووظيفتك عندي
تهللت أساريرها تنظر إليه غير مصدقة إنها تسمع منه هذا العرض، ولكن سرعان ما أخذ يتلاشى حماسها تتذكر ذلك اليوم عندما أخبرها أنها لا تصلح للعمل معه
– مالك يا بسمه شايفك كنت متحمسه، أنتِ مش عايزه تشتغلي معايا
تسأل وهو يقترب منها يستعجب تحولها السريع.
حاولت نفض أفكارها تتحاشا النظر إليه ملتقطة أشيائها، متجهة نحو الأريكة بعدما رأتها أكثر ملائمة لجلوسهم
– إحنا بنتكلم عن حاجة قبل أوانها يا جسار بيه
وسرعان ما اردفت وهي تتخذ مكان جلوسها ومعها أشيائها
– أنا شايفه إن المكان هنا أفضل
حاول تجاهل تلك الطريقة الرسمية التي تُحادثه بها، هو يعلم إنها تضع الحدود بينهم ملتزمة بأتفاقهم وهو أكثر من يرغب بذلك ولكن الأمر بات بالنسبة له رتيبًا.
جلس جوارها يتخذ دور المعلم وسرعان ما وجدها تبتعد عنه قليلاً حتى تضع مسافة بينهم، فضاقت عيناه وقد استفزته فعلتها ولكنه تعمد أن لا يظهر غضبه من فعلتها التي لا تدل إلا على شيئاً واحداً
هو لن ينظر لها بتلك النظرة التي يخص بها الرجال النساء حينا يُريدهن.
أراد الضحك ولكنه خشى على مشاعرها، وبمزاح تمتم حتى يزيل عنهم هذا التوتر ويُركزوا فيما أتت من أجله
– مش عارف هعرف أفيدك ولا لاء بس نحاول
بدأت الحصة كما سمتها هي وضحك هو على الأمر بقوة
– نسميها الحصة الأولى يا ستي، لكن اكيد هيكون في مقابل
– وأنا موافقة
بتحدي أجابت وهي تبتسم متحمسة، تراه يُشير إليها أن تنطق ليُصحح.
لن تنكر أنها رأت شخصية أخرى من جسار، كان صبوراً مشجعًا لا يحرجها كعادته،
على ما يبدو أن هذا الرجل لديه نسخة أخرى منه، نفضت رأسها من أي تفكير يقودها لما لا ينتهي بالنفع وصبت كل تركيزها على أن تسمعه
– أنا شايف إن كده كفاية يا بسمه، متحاوليش تضغطي على نفسك، طبيعي متتحسنيش في اللغة من مجرد شهر
– لكن أنا عايزة أكون شاطرة زي زمايلي في المعهد
ضحك وهو يرى حاله يستمع لطفلة تغير من زملائها
– اكيد هما في الأول كانوا زيك ومع الممارسة بقى في تحسن، إيه رأيك نسمع سوا كل يوم أغنية أجنبية ، وهنا تقدري تحسني حتى الاستماع عندك
طالع حماسها وسعادتها بفكرته وكأنه أخبرها أنه سيأخذها لجولة ترفيهية
– مش عارفة أشكرك إزاي، اكيد مش هنسى في يوم إنك ساعدتني
غادرت غرفته بعدما جمعت اشيائها متحمسة، تُخبره إنها يوماً لن تنكر معروفه حينا تصبح ذات شأن
– معقول يا بسمة ده بس حلمك في وجودك معايا
هكذا تسأل لا يستوعب إنها لا تُريد منه امتيازات أخرى ولا تسعى نحوه كما سعت جيهان طامعة في ماله.
…..
تسير مُطرقة الرأس، تخشى أن يراها أحداً ويعرفها، ترتدي نظارة سوداء تُغطي بها عيناها؛ هكذا هي اختارت أن تعيش في عالمه، أمرأة متخفية وكأنها عشيقة له.
طرقت الباب طرقة خافته ولم تتبعها طرقة أخرى لأنه كان يعلم هوية الطارق وينتظره بشوق.
علقت عيناه بها يسحبها للداخل يسحقها بين ذراعيه، لا يُصدق إنها أتت اليوم واتبعت قلبها بعد تلك الليلة التي أعادتهم لبعضهما وخسرت لأول مرة بحياتها أمام رجلًا، رجلًا يصغرها ب خمسة عشرة عاماً
ابتلعت مرارة ما تشعر في جوفها كما ابتلع هو تلك الآه التي خرجت منها وهو يُعانق شفتيها بشفتيه
– كنت خايف متجيش يا خديجة، كنت عايز أشوفك قبل سفرية الصين
– حاولت مجيش لكن معرفتش
ابتسم مرغمًا، فزوجته صريحة لأبعد حد، يا لها من أمرأة جبارة لا تجعله يتلذذ بذلك الشعور الذي اختصته له وحده
– ومعرفتيش تقاومي تمرد عقلك، يا حببتي خلاص أنا بقيت مالك كل ذرة في كيانك
ابتعد عنها يُحررها من قوة تلاحمهما، بأنفاس مسلوبة هادرة علقت عيناها به؛ فتعالت فوق شفتيه ابتسامة عابثة
– زي ما أنتِ بقيتي تملكي كل ذرة في كياني
وعاد لجذبها إليه يسحقها مجدداً بين ذراعيه، يُخبرها بأنفاس هادرة إنه عاشق لها.
مجرد كلماتً منه تجعلها تُلقي بكل مخاوفها وصراعاتها خلف ظهرها
– مبقتش عارفه أتخلص من حبك يا أمير
وهو كان لا يُريد منها إلا سماع تلك العبارات، عبارات تُزيد من لوعة عشقه لهذه المرأة، عبارات تثبت له أن ما يعيشه معها ليست نزوة عابرة سيفيق منها يوماً بل إنها طوفان يغرقهما معًا.
استجاب جسدها لكل لمسة منه ومع التقاط انفاسهم، ضمها إليه بقوة يُحذرها من المغادرة قبل أن يغفو في سبات عميق وهي بين ذراعيه.
استدارت نحوه تسمح لعينيها حرية النظر إليه، إنها حقاً عالقة في حب هذا الرجل.
ارتخت اهدابها بعدما ارهقها التفكير..،فكما هو لديه رحلة غد هي أيضاً مثله تستعد لرحلتها عائدة للوطن لمدة لا تعرف كم سيكون عددها ولكنها بحاجة لتعيش وسط عائلة.
…..
توقف بسيارته في نفس المكان الذي اعتادوا على اللقاء فيه، مكانًا خصصوه لهروبهم والبوح فيه عن أحزانهم.
خرج من سيارته تلفحه برودة الهواء يتمنى لو استطاعت الوصول واخترقت قلبه لتبرد تلك النيران المشتعلة داخله.
وقف ساكن الحركة يُطالع ظلمة الليل، لقد اختار أشد الايام قتامة من أيام الشهر وقرر المجئ هنا، إنه بحاجة لهذه العتمة ليرتاح عقله من ذكرى ليلة أخرى انضافت لتلك الليالي التي ظنها قد رحلت
– للأسف المدام فقدت الجنين
خبر أخر كان يسقط على كاهله، فقد طفله الذي ذاق معه معاني لم يعرفها من قبل ، وها هو يفقد ذلك الجنين الذي تمناه طويلاً من المرأة التي أحبها.
ملك فقدت الطفل الذي لم يعلموا عن وجوده إلا هذه الليلة
أهتز جسده من صعقة المشاعر التي يشعر بها، إنه يريد البكاء والصراخ لكنه يتماسك، يتماسك في صمت من أجلها واجل من حوله
الطبيب يُغادر غرفة والدته وقد أسرعت شقيقته ملهوفة كحال والده نحو الطبيب
– للأسف الجلطة أثرت على النطق
خرجت شهقة مؤلمة من شفتي ميادة التي استندت بجسدها نحو الجدار لا تستوعب صدمة أخرى تسقط فوق رؤوسهم هذه الليلة فلم يعد لديها قدرة لتتحمل
– يعني هترجع تاني تتكلم يا دكتور
والطبيب يمسح فوق وجهه من شدة إرهاقه هذه الليله، فالوقت اقترب من الرابعة فجراً وعليه المغادرة فقد انتهى دوامه منذ ساعات
– دكتور رسلان يا سيادة الوزير اكيد فاهم أن الموضوع متوقف على الحالة النفسية اللي بتمر بيها المريضة
فاق من شروده على تلك الإضاءة التي باتت قريبة منه ولم تكن إلا سيارة سليم، اغمض عيناه للحظات مسترخياً يزفر أنفاسه لعله يطرد تلك اللحظات المريرة.
– عارف إني اتأخرت عليك ، كان عندي عشاء عمل مهم ومعرفتش انسحب غير بصعوبة
اتكأوا سوياً على مقدمة السيارة وقد اتخذوا لحظات من الصمت كل منهم سابحًا في أفكاره
– كاميليا هانم محتاجه وجودك جانبها يا رسلان
– بحاول أعمل اللي عليا يا سليم وازورها يومياً لكن أعيش هنا تاني مبقاش ينفع، أنا مرتاح في مكاني الجديد
– أنت عجبك حالك كده، أنت بتسافر يوميا أربع ساعات
– ده اريح ليا وليهم يا سليم، شكل عزالدين باشا وصاك إنك تكلمني
تنهد سليم زافراً أنفاسه يمدّ يده نحو سترته حتى يُخرج سيجارته نافثًا هذه المرة أنفاسه المعبئة بالدخان
– البعد مش حل يا رسلان، هما محتاجينك زي ما أنت محتاجهم أنا عارف إن كاميليا هانم غلطتها متتنسيش لكن الزمن بيداوي
اخترقته الكلمات ينظر إليه بنظرة مُستخفة، فمن الذي يُحادثه اليوم ,هل سليم الذي لا يغفر لأحداً بسهولة
– أنت لحد دلوقتي مش قادر تسامح أهلك يا سليم، بتطلب مني أنا اسامح
تصلبت ملامح سليم يطبق فوق سيجارته بين شفتيه يُحدق ب رسلان الذي لم يحيد عيناه عن مطالعة ما أمامه من عتمة
– سكت ليه يا سليم، عرفت بقى إن الأشعارات اللي حفظِنها وكلام العقل والواجب في أوقات مبنقدرش نتقـ,ـبلهم رغم إننا عارفين إن هو الصح
سحق سليم سيجارته أسفل قدمه ، يخرج سيجارة أخرى يدسها بين شفتيه
– متقارنش أهلي مع أهلك يا رسلان لان المقارنة مش عادلة صدقني، هما آه غلطوا زي أي أهل ممكن يغطوا لكن في المقابل قدموا كتير من التضحيات، مستعدين يتخلوا عن عمرهم عشان يشوفوا سعادة ولادهم ويعتذروا منهم إنهم اختارولهم تعاستهم بدل سعادتهم لكن أهلي أنا مكنوش عارفين يعني إيه تضحية، أنا رباني جدي والخدم يا رسلان
وبتهكم مرير أردف
– و أتربيت في بيتكم شويه وسط أهلك ومع اخواتك
طالعه رسلان بندم، فهو اكثر من عاش مع سليم طفولته ومراهقته قبل أن تفرقهم السنوات ويبحث كل منهم عن أحلامه
– أنا بتكلم معاك النهاردة عن السماح وأنا عارف إنك محتاج وقت عشان تقدر تنسى، وده اللي بلغت بي عزالدين بيه
– سليم معقول هتكون أخدت على كلامي
اسرع رسلان في جذب ذراعه ينظر إليه أسفًا على ما قاله
– تفتكر أنا ممكن أزعل منك يا دكتور، خلينا نمشي لأني واعد فتون أرجع البيت بدري, وأه عدينا منتصف الليل غير أنت لسا قدام طريق طويل
– خد ملك واعملوا عمره يا رسلان اكيد هتلاقوا الراحه هناك، لسا عندكم فرصه في نعمة تانية متضيعهاش من ايدك من قنوطك.. أنا اللي هقولك ده يا رسلان
منذ مدة لم تخونه شفتيه ويبتسم هكذا، رغم المرارة التي يتجرعها كلما وقعت عيناه على صغيره وعليها
– الزمن بيغيرك للأحسن يا سليم، لكن أنا للأسف عمال أتغير لنسخة مني أنا معرفهاش
ابتسم سليم على ذلك المديح الذي خرج في إستهزاء من صديقه
– طول عمرك شايفني صديق سوء، بس مافيش مره عرفت اخدك لطريق السوء لحد ما توبت
وسرعان ما كانت تطرء ذاكرته تلك الفتاة التي تخلص منها بصعوبة في ذلك العشاء، وعلى ما يبدو أن مديرها مُشدد الوصايا عليها بأن تقترب منه وتغويه ولكنها للأسف تلاعبت مع الشخص الخطا شخص يفهم النساء من نظرة واحدة
– الشركة اللي داخله معايا في المشروع الجديد عندهم سكرتيرة مش عارف احدد أنهى دوله اللي عملت خلط مع دولتنا وجابت الإنتاج ده، ما الإنتاج ده مش معقول هيكون إنتاج مصري
اتسعت عينين رسلان ذهولاً، فمنذ لحظات كان يمتدحه
– وطبعا أنت بتحب الجمال وبتضعف قدامه يا ابن النجار
تعالت ضحكات سليم بعدما أستمع لتلك العبارة التي لم يقولها له رسلان منذ زمن
– بحب الجمال اه وبقدره، لكن مبضعفش غير قدام فتون
صعد كل منهم سيارته يلوح له سليم بيده قبل أن يتحرك
– خليك شجاع النهاردة واحكي لفتون عن خارقة الجمال يا ابن النجار
تعالت ضحكات سليم مجدداً بعدما استمع لعبارة رسلان وانطلق بسيارته يُسابقه
بتحدي أسرع سليم بالقيادة حتى أصبحت السيارتين تسير كل منها جوار الأخرى
– تفتكر إني هخاف أحكيلها
ضحك رسلان أخيراً وقد تبدل مزاجه هذه الليلة وأصبح الطريق أمامهم ك ساحة سباق
– هستنا أعرف نتيجة الإعتراف
…….
دلف للمنزل ومازال عقله يشغله برؤيته لخديجة النجار، حتى هذه اللحظة لا يُصدق أن العلاقة بينها وبين شقيقه وصلت لهذا الأمر،
لقد ظن شقيقه هو من يسعى إليها لأنه يعلم تمامًا نزواته مع النساء وبالتأكيد هذا القرب كان مُخطط له من قبل، إنه ابن منال وجودة النعماني فماذا سينتظر منه
شعر بأن عقله سيتوقف من شدة التفكير، فلو شقيقه عابث بجدارة فخديجة النجار لم يرى بحياته أمرأة قوية مثلها، لقد لهث الكثير خلفها منتظرين منها نظرة رضى
– حاسس إن عقلي هيقف، ياريتني كنت طلعت وراها وشوفت بنفسي، لا لا كده احسن.. لازم أواجه الاستاذ لوحده، أنا دلوقتي فهمت سبب تعطيل الشغل
مسح فوق وجهه لعله يُفكر في كيفية إنهاء تلك العلاقة قبل أن ينفضح الأمر وتعلم به الصحافة
– كاظم
خرج من شروده على صوت جنات الناعس، وقد علقت عيناها بذلك الكيس الذي به ما تشتهيه
– أنت جبتلي البرقوق
واسرعت في التقاط الكيس، تلتهم أول حبة دون أن تهتم بغسله
– أنتِ بتعملي إيه، استني اغسله ليكي مش معقول صاحيه لحد دلوقتي مستنيه البرقوق لا و أول حاجة جريتي عليها
تمتم عبارته الأخيرة حانقاً واردف
– بدل ما تسألي عن سبب تأخيري
كان يهتف عباراته متذمراً وهو يغسل لها حبات البرقوق وقد التقطت الطبق منه فور أن أنهى غسله
طالعها مدهوشًا من هيئتها وهي تلتهم واحدة وراء الأخرى متلذذه بالطعم
– أنت بتبصلي كده ليه
ارتفع حاجبي كاظم في دهشة، فهل تسأله لماذا ينظر إليها هكذا؟
– بصراحة مصدوم
– بيتهيألي إن الكلمه ديه فيها إهانة ليا
– إهانه ! أنا شايف إننا تجاوزنا الموضوع ده يا حببتي، الأفضل إني اسيبك مع طبق البرقوق اللي بسببه بقالي أربع ساعات بلف عليه عشان نفسك فيه
خرج حانقاً من المطبخ تنظر إليه مسبلة الجفون لا تُصدق إن تأخيره كان لهذا السبب
– يعني أروح اصالحه ولا أعمل إيه، خلاص هروح اصالحه ضميري بدء يوجعني غير إني مش هعرف أنام غير في حضـ,ـنه
وسرعان ما كانت تُحدق في بطنها التي ظهرت ببروز صغير لا يكاد يُرى
– أنت السبب في ضعفي ده معاه، بقيت أحب ريحته وحضـ,ـنه
واردفت حانقة من حالها
– عندهم حق اللي قال علينا إحنا مش عارفين عايزين إيه
حملت طبقها تمقت ضعـ,ـفها وتراجعها عن أي قرار اتأخدته في هجره.
وجدته يتسطح فوق الفراش عاري الصدر، فالتهمته بعينيها كعادتها هذه الأيام، ورغم إنه كان لا يُحب إحراجها حينا تفضحها عيناها إلا إنه اليوم قرر إحراجها عقابً لها
– للأسف أنا النهاردة مش هقدر ألبي الدعوة اللي شيفها في عينك
واقترب منها بعدما رأى إتساع حدقتيها وقد ضبطها في جرمها
– أصل عقلي مشغول في حاجه مهمه، وعايز أنام
مسح فوق خدها، يلتقط باليد الأخرى واحده من حبات البرقوق الذي التهمت أغلبه ولم يبقى منه إلا القليل.
تجمد كل شئ حولها تنظر ليدها التي لطمت خده دون قصد منها، لا تستوعب كيف فعلت هذا فهي تعلم أنه يتمازح معها بمزاحه الثقيل الذي اعتادت عليه.
ارتفعت عيناها نحوه بعدما استمعت لصوت أنفاسه العالية
– كاظم أنا مش عارفه عملت كده إزاي
وكاظم لم يكن يرى أمامه إلا صورة مرأة واحدة، منال زوجة أبيه حينما لطمت خده يوماً عندما أخبرها إنه لا يشحت منها المال..
كان يومها لا يبلغ الخامسة عشر، حينا اقسم أن ينال حقه منهم جميعاً.
تراجعت للخلف بعدما رأت عيناه تزداد قتامة تتذكر صوت الصفعة وقد سقطت بالفعل قوية فوق خده.
………..
اقتربت منه بعدما سقط فوق الفراش لا يشعر بشئ حوله، ومازال يُدندن ذلك اللحن الشعبي الذي أصر عليها أن ترقص عليه
– مسعد
هتفت اسمه حتى تتأكد أن المشروب قد سحبه لنقطه بعيدة، حاول مسعد رفع رأسه يجتذبها إليه
– تعرفي إنك كنتِ خسارة فيه بس هو مات خلاص
ضاقت عيناها لا تفهم عما يتحدث عنه
– شكل المشروب اللي شربناه أثر عليك يا مسعد
– لا ده أنا جامد أوي
اجتذبها هذه المرة بقوة إليه، وقد أخذ عقله يصورها له كما بات هاتفه يتخذ الأمر في تصويرها كلما رصدها واتبعها في الأماكن التي باتت تذهب إليها
ضجرت دينا من محاصرته، فهي لا تُريد إلا أخذ تلك الفلاشة التي تعلم بوجودها داخل سترته حتى تُنفذ مهمتها وتأخذ المال الذي اتفقت عليه مع هذا الرجل
– مش وقته يا مسعد
– اشمعنا هما ، جيه دوري أنا كمان
بدأت دينا تفهم إنه لا يُخاطبها هي
– حسن أخدك وهو كمان خدك منه فاضل أنا يا فتون
تجمدت عينين دينا نحوه، فمن هي فتون التي يقصدها،
إنها لا تعرف غير واحده انتصرت عليها ونالت الرجل الذي لهثت خلفه لسنوات
أرادت ان تتأكد من صاحبة الاسم، فمالت نحوه تقبل شفتيه تُخبره إنها معه
– ابن النجار واخد ليه كل حاجه من الدنيا، كفايه عليه الفلوس
****