خيوط العنكبوت ج ٣

خيوط العنكبوت ج ٣

لا شيء في هذه الحياة أشدُّ مرارةً وانكساراً وألماً من فقدان الأب، أن تفقد أباك يعني أن تفقد الإنسان الوحيد الذي يعرفك أكثر من نفسك. إنّ كلُ فراقٍ يهونُ ويُحتمل إلا فراقُ الأب، فإنه يكسرُ الظهر وألمٌ لا يطاقُ مهما تظاهرنا بالسلوانِ والنسيانِ.
وهذا ما شعرت به نور بعد فراق جدها والاب الروحي لها وعوضها بعد فراق والدها، تشعر بغصة ومرارة داخل قلبها لم يستطيع أحد مواساتها ذلك الشعور المؤلم الذي لم يوصف.
شعرت بالوحده وهي تودع جدها وتعمل كل شيء بنفسها من أجل استخراج جثمان جدها من المشفى، تماسكت من أجل إتمام مراسم الدفن، شعرت بالاحتياج لزوجها، تريده جانبها الآن ليخفف عنها حزنها، هي من جرحته بافعالها الحمقاء، الآن تتمنى وجوده فلم يكن يتركها وحدها بذلك الموقف العصيب، لا تلوم إلا نفسها ولكن عليها أن تسترده الآن من أجل تحقيق هدفها من الانتقام..

❈-❈-❈
في نيويورك.
وعدته بأن تلتقي به بعد الجامعة، وعندما أنهت محاضراتها وغادرت مبنى الجامعة وجدته ينتظرها أمام بوابة الجامعة وهو مستند على السيارة، أبتسم لها عندما رأته، اقترب منها بخطوات واثقة وقال
-قولت أجي اخدك بنفسي، قبل ما حد يضايقك
لم تنكر سعادتها عندما رأته يقف أمامها بهيئتة الجذابة ثم هتفت قائلة بلكنتها التي بدء أسر يعشقها:
-عن چد كِلك ذؤق ما في منك
لاحت ابتسامة جانبية أعلى ثغره ثم قال:
-لا ولسه عازمك على الغداء ومحتاج اتكلم معاكي في موضوع مهم
فتح لها باب السيارة، لتستقل بالمقعد الامامي، ثم دار هو الجهة الأخرى ليستقل مكانه خلف المقود
تسألت عن صديقه قائلة:
-وينه سراج؟
نظر لها خلسة ثم قال:
-سراج بيعمل شغل، ثم أردف قائلا:
-خايفة مني، مش حابه نكون لوحدنا؟
هزت راسها نافية:
-لا سمح الله لية تقول هيك، وليش راح أخاف منك
عاد يتطلع لها بحب وقال:
-يعني بتحسي بالأمان معايا؟
ابتسمت برقة وقالت:
-من يوم ما التقيت فيك وراح إح.ساس الغربة، بقيت هلة أح.س ماني وحيدة هون
صفا السيارة أمام مطعم خاص بالاكلات السورية
ترجل أولا من السيارة ثم فتح لها باب السيارة لكي تترجل هي الأخرى،نظرت له بامتنان ثم رفعت انظارها لتجد المطعم الذي أمامها خاص بأشهر الاكلات السورية
مد كفه ليعانق كفها، نظرت لي.ده الممدودة برهة من الزمن وعندما تطلعيت لبركة العسل الخاصة بعينيه شعرت داخلهما بالأمان والاحتواء التي هي مفتقداه، لم تتردد وهلة ووضعت كفها داخل كفه، شدد هو في احتض.ان أناملها بين أنامله برفق
سارت قشعريرة لذ يذة باوصالها وغمرتها السعادة بذلك القرب، سارُ سويا لداخل المطعم، ثم سحب لها المقعد لتجلس اولا ثم جلس هو بالمقعد المقابل لها وأمسك بالمنيو الخاص بالطعام ثم وضعه ثانيا جانباً ونظر لها بهدوء قائلا:
-هتطلبينا على ذؤقك واعتقد مش محتاجين لمنيو
لمعة عيناها الرمادية بفرحة ثم قالت:
-فيك تأكل شاورما الدجاج ولا اللحم
ظل متسمرا وهو ينظر لها فقط شرد بملامحها الرقيقة
عادت تهتف على مسامعه:
-شو بتفضل الدجاج ولا اللحم؟ ولا ما بتحب الشاورما
هز رأسه سريعاً وقال بهيام:
– ده أنا بعشقها
ابتسمت بخجل وهمست قائلة:
-بفضل شاورما الدجاج
-يبقى ناكل الدجاج، في ايه تاني هنا
-في إشيا كتير، في فتوش، تبوله، مجدرة، كبه،
قاطعها بمرح:
-اوصفلي ايه هي المجدرة لأن الاسم غريب عليه
-المجدرة، أرز بسمتي، عدس بني، بصل محمص وممكن نضيف له برغل
قال بدهشة:
-تقريبا بيشبه الكشري عندنا، بصي أنا هسبلك نفسي خالص انهاردة هتاكليني سوري على ذؤقك، بكرة بقا هاكل أكل مصري ما حصلش
لمعت عيناها بحماس وقالت:
-أوكيه
ات النادل وأخبرته ميلانا بقائمة الأصناف التي تفضلها من الطعام السوري وأثناء انتظارهم للطعام.
هتفت ميلانا قائلة:
-شو الموضوع اللي بدك تحاكيني فيه
-أية رأيك تنزلي مصر معانا
أختفت ابتسامتها وقالت:
-راح ترجع بلدك قبل ما تكمل علاجك
تنهد بضيق ثم قال بنبرة تمليها اليأس والحزن:
-مرضي مالوش علاج، والعملية مخاطرة كبيرة، أنا عشت 28سنه بالمرض بقا خلاص جزء مني، وهكمل الباقي من عمري بيه بق هو قدري وأنا قدره
شعرت بحزنه وإرادت أن تبدل الحديث:
-تعودت على وجودك راح أشتقلك ما تنساني
هتف أسر دون تردد:
-عمري ما أنساكي، وعشان كده بقولك تيجي مصر معانا
-كيف وانا حياتي هون ودراستي
-أنا بجد عاوزاك معايا في مصر، أنتي هنا غريبة لكن في مصر هتحسي انك في بلدتك صدقيني
ثم استرسل حديثه قائلا:
-الدراسة ممكن تحولي لجامعة الأمريكية في القاهرة والشغل موجود هتكوني معايا في الشركة؛ أنا حاسس أن أعرفك من زمان وكمان حاسس بمسؤولية نحيتك، فكري يا ميلو كويس قبل ما ترفضي
هزت رأسها بالايجاب فهي أيضا تشعر بالاحتياج له بعدما تعودت على وجوده بحياتها، تلتقي به يوميا، يحاول أسعدها والقرب منها، تشعر بمشاعر ولدت بينهم من رحم الصدفة التي جمعتهما.
❈-❈-❈
بعد قضاء وقتًا ممتعًا برفقة ميلانا عاد إلى الفندق والسعادة تغمره بسبب كثرة الحديث بينهما كما أخبرته عن كل شيء خاص بحياتها، أفصح لها أيضا عن حياته الزو .جية ورغ.بة زو جته في الانفصال عنه كما أنها رفضت الانجاب منه بسبب مرضه وهي تخشى على أطفالها بأن يحملان مرضه.
شعر حينها بأنها تحاول دعمه ومواساته رغم حياتها البائسة منذ ما يقارب العامين بعدما توفيت عائلتها بحادث سير مروع داخل العاصمة وظلت هي وحدها بهذا البلد الغريب، عليها أن تكمل دراستها والانفاق على نفسها وعلى كل ما يخص دراستها وأجر السكن، حتى أنها لم تأخذ حقها في الحزن على والديها وشقيقها الأصغر، كان عليها تحمل المسؤولية والبحث عن عمل وظلت تتنقل من عمل لآخر إلى أن أستقر بها الحال لتكون نادل بمطعم.
انتشله من شروده صوت سراج القوي وهو يهتف مناديا إياه:
-أسر
تقدم أسر منه ليتفاجئ بحديث الأخير:
-سليم لسه قافل معايا وبلغته برفضك العملية، لكن هو بلغني بخبر محزن
هتف بقلق:
-خبر أية اتكلم يا سراج
-البقاء لله، شاكر بيه تعيش أنت
جحظت عيناه بصدمة ثم هوى بج.سده أعلى الأريكة
أردف سراج قائلا:
-ناوي على ايه؟ هننزل ولا هنعمل ايه ؟
هتف بجمود :
-وننزل ليه؟
قال سراج بصدمة:
-مش هتكون جنب مراتك في اللي هي فيه، معقول هتسيبها في موقف زي ده، أسر مهما كان اللي بينكم بس نور دلوقتي ملهاش حد غيرك ولازم تلاقاك جنبها، وتنسي خالص موضوع الطلاق دلوقتي مراتك مالهاش غيرك ودورك كزوج تقف جنب مراتك في الحزن قبل الفرح وجى دورك
قال ساخرًا:
-أنت بتتكلم على أساس أن عاوز أطلقها واتخلى عنها في ظروفها دي، لا يا سراج ده قرار نور وهي وخداه من زمان، هي رافضة تكمل حياتها معايا وأنا استحالة كنت اجربها تكمل غصب عنها، يعني وجودي جنبها دلوقتي مش هيفرق معاها
-بس ده واجبك اتجاه زوجتك، حقها عليك تقف جنبها وتدعمها في حزنها
ثم استرسل حديثه قائلا بضيق:
-فوق لنفسك يا أسر، احنا خلاص ملناش قعاد هنا مدام مش هتعمل العملية، يبقى نرجع مصر ونشوف ورانا ايه ، مراتك مستنياك وانا شغلي مستنيني، ماتفكرش أن مش واخد بالي باهتمامك بميلانا، ده مجرد وقت بتحاول تطيب بيها جروحك مش اكتر ، ومش معنى أن نور جرحتك هتداوي الجرح ده بجرح اكبر لم تعلق ميلانا بيك، وانت هترجع بلدك وتسبها هي لحياتها هنا، فوق يا أسر فكر بعمق بلاش تفكر بسطحية، مهما كان جرح نور بلاش تقابلة أنت كمان بقسوة، اعملي اللي عليك كراجل واقف جنب مراته ولم تعدي اذمة وفاة جدها وقتها بس هتاخد القرار اللي في مصلحتكم، يا عالم يمكن دي إشارة من ربنا يغير بها الأوضاع ويصلح حالكم.
ثم تركه سراج يتخبط بالافكار ولا يعلم ماذا عليه فعله الآن، هل حقا لم تعد زو.جته تهمه، لم يكترث لحزنها الآن ام جرح قلبه مازال يقطر دمًا منها؛
ما أصعبها من لحظات، عليه أتخاذ القرار الصائب وهو مذبذ المشاعر؛ فهو بحيرة فالقرار الذي سيأخذه ليس بهين وسوف يترتب عليه أمورًا كثيرة..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *