DNA

DNA

وقف شعر جسم نورا وهي سامعة الكلمة دي.. تحليل DNA؟! الكلمة نزلت على دماغها زي المرزبة. هاني اللي ما حيلتوش حد في الدنيا.. هاني اللي بتقول عليه مالوش أهل وعاش عمره كله طفل يتيم مقطوع من شجرة.. طلع مخبي بلاوي سودا؟ ومنين جات الست دي؟ وإزاي بتكلمه بالجرأة دي في قلب بيتها وصالتها وعالصبح كده؟
قربت نورا من باب الصالة خطوة بخطوة، ضهرها لزق في الحيطة، حاطة إيدها على بقها عشان تمنع أي صوت طلوع أو نزول لنفسها المكتوم. كانت أطرافها بتترعش من الخوف والغضب الممزوجين ببعض. بصت من ورا الحلق الخشبي للباب، وشافت منظر يطير العقل.
كانت قاعدة على الكنبة ست في أواخر التلاتينات، لابسة عباية سودا وشال شيك، حاطة رجل على رجل وبتهز رجليها بعصبية. وفي إيدها كباية شاي. وهاني واقف قدامها ماسك رأسه بإيديه الاتنين، شكله يقطع القلب من التوتر والبهدلة.
الست هزت رأسها وقالت بصوت واطي بس حد حاد
هاني.. أنا مش جاية ألعب هنا. الولد ده مالوش ذنب في العك ده كله. نورا مراتك ست محترمة وعاقلة، بس لو عرفت من بره الدنيا هتقوم ومش هتتقعد. انطق وقول لها بدل ما تكتشف هي بنفسها وتخسرها وتخسر البيبي!
رد هاني بصوت مخنوق وبيحاول يوطيه أكتر
يا عبير أفهميني! نورا راجعة من السفر مهدودة الحيل، والخبر مش سهل خالص.. لو قلت لها إن الطفل ده يبدوا إنه… إنه ابني أو ابن حد قريبي، هتتجنن! هي فاكرة إن ماليش عيلة خالص. إزاي أقول لها فجأة كده إن الشكوك دخلت حياتنا وإن عندي ماضي أنا نفسي ما كنتش أعرف عنه حاجة؟
في اللحظة دي، نورا ما قدرتش تمسك نفسها. رجلها ما شالتهاش، فزقت باب الصالة بافتراء وطلعت لهم زي العاصفة!
الست هبت واقفة من مكانها، وهاني وشّه جاب ألوان.. اتخطف دمه واصفرّ زي الليمونة.
صرخت نورا بصوت هز جدران الشقة، والدموع مالية عينيها من كتر القهرة
ابنك؟! ابن مين يا هاني؟ ومين دي اللي قاعدة في بيتي وفي صالتي على الصبح بتتكلم عن حياتنا وأسرارنا؟! انطقوا بدل ما ألم عليكم أمة لا إله إلا الله دلوقتي!
هاني جرى عليها مسك إيديها ورجله بتخبط في بعضها
نورا.. وربنا كل حاجة ليها تفسير! اهدي بس عشان خاطر ربنا، الصحة هتروح منك والطفل جوه هيصحى يتفزع!
نفرت إيده بعنف وزقته بعيد عنها
أوعى تلمسني! تفسير إيه؟ أنت بتكدب عليا من أمتى؟ طفل مين ده اللي قاعد في سريري، ومين الأخت دي؟
اتقدمت الست اللي اسمها عبير وخدت نفس طويل، وحطت كباية الشاي على الترابيزة وقالت بنبرة هادية بس فيها حزن دفين
اهدي يا مدام نورا.. أنا اسمي عبير.. أنا أخصائية اجتماعية في دار الأيتام اللي هاني اتربى فيها زمان. وأنا اللي جيت له بالليل الشقة، مش الطفل اللي اتساب على الباب زي ما هاني قال لك.
نورا بصت لهاني بذهول وضياع، وبعدين بصت لعبير وقالت بصوت بيترعش
أنت كدبت عليا في كل حاجة؟ حتى موضوع الطفل إنه اتساب قدام الباب؟ ليه يا هاني؟ ليه حطيتني في الخرابة دي؟
هاني نزل رأسه في الأرض وسكت، فكملت عبير كلامها وقالت
أنا هفهمك كل حاجة يا نورا عشان هاني جبان ومش قادر يواجه. من أسبوعين، جات الدار ست كبيرة في السن، حالة صحية متدهورة جداً ومريضة بالسرطان في مراحله الأخيرة. الست دي جات تدور على ملف طفل سابته زمان من 30 سنة في الدار… الطفل ده كان هاني!
نورا حست إن الأرض بتدور بيها. بلعت ريقها بصعوبة وقالت
أم هاني؟ أم هاني عايشة؟
ردت عبير
كانت عايشة لحد من تلات أيام.. ماتت في المستشفى. بس قبل ما تموت، سابت معانا في الدار طفل رضيع عمره شهور.. وكتبت جواب ورقي بخط إيدها وشادة حيلها بالسياط، بتقول فيه إن الرضيع ده هو ابن أخو هاني! يعني هاني طلع ليه أخ.. والأخ ده اختفى في ظروف غامضة من فترة، وساب ابنه مع أمه المريضة، ولما الأم حست إن خلاص أجلها قرب، ما لقتش حد في الدنيا تحط الولد في إيده غير هاني.. أملها الوحيد إنه يشيل ابن أخوه وما يخليهوش يتربى ملطوش في الملاجئ زي ما هاني اتربى!
نورا كانت بتسمع الكلام وهي مش قادرة تستوعب. كل ثانية بتعدي بتتكشف حقيقة أتقل من اللي قبلها. تبص لهاني، تلاقيه كاتم دموعه وبيرتعش، وتبص لعبير، تلاقي كلامها مترتب ومنطقي.
نورا ردت بصوت مبحوح
وليه تحليل ال DNA؟ وليه كدبت عليا وقيل لي الولد اتساب على الباب؟
تدخل هاني وأخيراً اتكلم، وصوته كان مكسور بقلة حيلة
نورا.. أنا عمري ما شفت أمي ولا أعرف شكلها. ولما الأبلة عبير كلمتني وقالت لي إن فيه ست جات الدار وبتقول إنها أمي، وسابت طفل بتقول إنه ابن أخويا.. أنا عقلي اتجنن! إزاي بعد العمر ده كله أكتشف إن ليا أم، وليا

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *