وعد وعلي الجزء ١٥
وعد وعلي الجزء ١٥
كانت منى قاعدة في أوضتها ساكتة.
جرس الباب رن، قامت تفتح بلهفة زي طفلة، لكنها لقت الست راوية، مش علي… أخوها اللي نسيَت إنه مش هيرجع دلوقتي.
قالت راوية بابتسامة:
— جيبالك العشا يا حبيبتي.
هزّت منى راسها ووسّعت لها تدخل تحط الأكل.
قالت راوية وهي بتبص لها:
— شكلك هادية… ودي مش عادتك. أكيد زعلانة عشان أخوكي مش هنا؟
هزّت منى راسها، وبعدين ابتسمت بثقة طفولية:
— علي جاي… مش هيتأخر.
ابتسمت راوية بحنية:
— يرجع بالسلامة.
وهي خارجة قالت منى:
— رايحة فين يا طنط راوية؟
ردّت راوية:
— في طلبات ناقصة في البيت، رايحة أجيبها… على ما عمّك جمال ييجي.
سكتت منى، وراوية مشيت.
قعدت منى تاكل، لأنها كانت فعلًا جعانة، وخافت تشغل النار فتسمع صوت علي وهو بيعنّفها زي دايمًا.
وهي بتاكل، لمحت محفظة… محفظة راوية، كانت سايباها على الترابيزة.
اتلخبطت منى، وقامت ماسكاها، ولسه ريحة الأكل في إيديها.
افتكرت إنها رايحة تشتري حاجات، فابتسمت وقالت لنفسها:
طنط راوية تزعل
مسكتها وخرجت من البيت، وسيبت الباب مفتوح.
راحت للبيت اللي جنبهم، رنّت الجرس… مفيش رد.
كانت ست معدّية شافتها وقالت:
— مفيش حد في البيت يا بنتي.
بصّت لها منى وقالت:
— طنط راوية؟
قالت الست:
— راوية؟ آه… في آخر الشارع العام عند البقالة.
مشت الست، ومنى مشيت في الاتجاه اللي قالت عليه، ماسكة المحفظة بإيديها الاتنين كأنها كنز.
الشارع كان طويل، وصوت العربيات عالي، والضوضاء بدأت توجع ودانها… لأنها خرجت من عالمها الصغير الآمن، وبعدت عن المكان اللي علي دايمًا بيبقى فيه جنبها.
وهي ماشية، كرة اتحدفت ناحيتها.
رفعت عينها لقت شوية أطفال صغيرين بيلعبوا، بيشاوروا لها بابتسامة خجولة.
— ممكن تحدفيها؟
منّى بصّت للكورة،انحنت خدتها بلهفة…
هي من زمان ما لعبتش مع حد، من وقت ما علي منعها تقرب من الناس،
لأنهم كانو بيجرحوها.
رمت الكورة ليهم، صفّقوا لها، والفرحة نورت وشّ منى…
هي بتميل دايمًا للبراءة دي، للحظة اللي تحس فيها إنها مقبولة ومش مختلفة.
فجأة نور قوي خطف عينها.
لفّت تشوف… عربية ماشية بسرعة مرعبة، صوتها عالي وزعيقها بيشق الشارع.
رجعت خطوة لورا، ولسه بتحاول تبعد…
العربية كانت هتدوسها.
فرملت في آخر لحظة، لكن منى وقعت على الأرض.
سمعت ضحكات طالعة من جوه العربية.
واحد طلّع راسه من الشباك وقال بقلق:
— محصلهاش حاجة… كمل، يلا، بسواقتك دي هناخد غرامات بالهبل.
العربية اتحركت ومشيوا، ولا كأن في بنت وقعت قدامهم.
منى زمت شفايفها.
قامت، إيديها بترتعش، خدت حجر من الأرض… ورمته على العربية.
العربية وقفت.
منى ما خافتش…
مش لأنها شجاعة،
لكن لأنها مش فاهمة شر العالم.
العربية رجعت لورا.
وفجأة…
دواسة البنزين انقضت عليها.
خافت…
وكان خلاص هيدهسها،
لكن العربية لفّت في آخر لحظة، ومنى وقعت على الأرض تاني.
العربية ركنت.حركه متعمده عشان تخوفها
باب العربية اتفتح، ونزل شاب في حدود سبعتاشر سنة،
طويل، ملامحه وسيمة، لبسه باين عليه إنه ابن ناس غنيّة.
نزل وراه تلاتة من صحابه.
واحد فيهم قال وهو بيضحك:
— نزلت ليه يلا؟ عندنا سهرة بدل مدرسة بكرة.
الشاب مشي ناحية منى.
هي كانت بتقوم، مش رافعة عينيها.
ركع قدامها، على ركبته، وبص لوشها اللي عينه مش ثابتة على حد.
قال بهدوء فيه نبرة غريبة:
— خوفتِ؟ الحركة الشجاعة دي مش هتنفعك لو ناس مؤذية زي دول.
صحابه ضحكوا.
منى حاولت تقوم، رجليها خانتها، وقعت تاني.
ضحكهم عليها زاد.
بصّت لهم بخوف وبغض.
الشاب ركز أكتر في عينيها، في حركتها الغريبة، في ارتباكها.
قالت منى بصوت مهزوز لكنه متحدّي:
— لو… لو ممشيتوش… هقول للشرطة.
ضحك واحد وقال بسخرية:
— إلحق، بتقول شرطة!
قال التاني وهو يهز راسه:
— دي شكل الوقعة أثرت عليها… يلا يا عم.
الشاب اللي كان قدام منى فضل ثابت،
باصص لها بنظرة فاحصة.
قال بهدوء:
— فين بيتك
منى ما ردتش.
قرب أكتر، بص في عينيها مباشرة:
— طيب اسمك إيه؟
قالت منى بحزم طفولي:
— مش بكلم حد معرفهوش.
توقف لحظة، كأنه بيختبر ردها،
بيشوف نبرتها،
طريقتها.
ابتسم ابتسامة خفيفة كأنه اتأكد من الى فدماغه وهو اختلالها وقال:
— مكنتش مستاهلة أنزل فعلًا.
وقف، بعد عنها، وحط إيده في جيبه.
في اللحظة دي جه صوت من بعيد:
— منننّى!
كانت راوية، ظهرت في آخر الشارع وجاية بسرعة.
لمّا شافت الشباب وقفت منى وسحبتها ناحيتها.
قالت بقلق:
— في إيه؟ مالِك خرجتي ليه؟
منى مدت لها المحفظة.
— نسيتيها.
راوية أخذتها وقالت بحنية:
— يا حبيبتي… جيتي ورايا عشان تديهالي؟
إنتِ كويسة؟ حد ضايقك؟
منى بصّت ناحية الشباب،
ما ردتش.
راوية شدتها:
— امشي يلا.
منى، وهي ماشيه، لفّت راسها ناحية الشاب وقالت بصوت واضح:
— ولد… وحِش.
مشيت منى مع راوية،
والشِلّة كانوا لسه واقفين يتابعوا المشهد.
واحد قال وهو بيضحك:
— شكلها تعبانة في دماغها.
التاني رد:
— بس ما تنكرش… حلوة.
ضحكوا،
لكن الشاب ما ضحكش.
كان واقف لوحده،
عينه على نقطة دم صغيرة على الأرض.
عرف إنها منها…
اتعورت،
وبرغم كده ما صرختش ولا اشتكت،
بس خوفها كان باين في عينيها…
عينين طفلة
في وش ست كبيرة.
قال في سره:
— منى…؟!
لف وركب العربية وقال:
— يلا إنتوا.
ركبوا كلهم،
والعربية انطلقت بتهور.