وعد وعلي الجزء ١٥

وعد وعلي الجزء ١٥

منى رجعت البيت مع راوية.
راوية قالت وهي بتقفل الباب:
— معلش يا حبيبتي، تعبتك معايا… كمان سيبت الباب مفتوح، ده لو حرامي دخل!
منى دخلت بهدوء،
لكن ابتسمت وقالت:
— مفيش حرامي هنا.
راوية ضحكت من طيبتها:
— طب حد ضايقك من العيال دول؟ كانوا واقفين ليه أصلاً؟
رفعت منى كتفها باستنكار،
ربّتت عليها راوية وقالت بهدوء:
— خلاص يا حبيبتي… نامي يلا، لو عوزتي حاجة كلميني.
مشت وسابتها.
منى دخلت أوضتها، غسلت إيدها،
كانت بتوجعها من الجرح،
لكنها ما اشتكتش.

في اليوم التاني،
منى كانت قاعدة عند باب البيت من بدري…
من صباحية ربنا،
مستنية علي،
اللي المفروض يرجع النهارده.
الوقت عدّى،
ولا حد جه.
فضلت قاعدة سرحانة،
لحد ما الجرس رن.
قامت فتحت بسرعة ولهفة…
لكن استغربت.
مفيش حد.
وقفت عند الباب تبص في الشارع،
يمين وشمال،
بتدور على طيف أخوها.
وفجأة…
وقفت.
عربية حمرا…
مالوفة قوي.
افتكرت على طول…
دي نفس العربية
بتاعة العيال الطايشة من امبارح.
لسه بتستوعب،
حست بإيد تمسك دراعها فجأة،
وإيد تانية تتحط على بقّها
وتسحبها لجوه.
عينيها اتسعت بالرعب،
ولما رفعت وشها…
شافته.
هو نفسه.
الشاب اللي كان سايق.
ابتسم ابتسامة مريبة وقال بهدوء مخيف:
— هاي.
ظهر خوف خفيف في عيون منى وهي شايفة الغريب قدامها.
قلبها كان بيدق بسرعة، بس نظرتها كانت أكتر حيرة من رعب.
بعد عنها خطوة وهو رافع إيده: – “متقلقيش… مش هأذيكي. هشيل إيدي من على بُقّك بس ما تعمليش صوت.”
هزّت راسها بطاعة، خوفها كان أكبر من أي اعتراض.
شال إيده فورًا، ومنى بعدت خطوة وهي ماسكة دراعها.
– “إ… إنت الولد…”
ابتسم ابتسامة غريبة: – “أيوه. جيت أعتذرلك عن امبارح. ملحقتش أصلّح غلطتي.”
سكتت منى، باصة له بعينين واسعتين.
قرب خطوة، صوته بقى أنعم:
– “مش زعلانة مني؟ أنا مش بحب أضايق حد… خصوصًا لو جميلة زيك.”
– “سامحاني؟”
من غير ما تفكر كتير، منى قالت ببساطة: – “بتقول إنك غلطت وبتعتذر… .”
هزّ راسه وهو ثابت نظره في عينيها.
منى اتلخبطت، لكن طيبتها سبقتها:
– “انت مش شرير زي ما توقعت. أنا مسمحاك… بس متعملهاش تاني، علشان ربنا يزعل منك.”
قالتها بصدق طفولي، كأنها بتوبخ طفل صغير،
مش شخص غريب اقتحم بيتها.
والشاب… ابتسامته اتسعت أكتر.
سكت الشاب بعد ردّها، وبص لها بنظرة طويلة، قبل ما يبتسم ابتسامة حد اتأكد من حاجة.
– “حاضر.”
لف بعينيه في البيت، وبعدين دخل من غير ما يستأذن.
منى وقفت مكانها، مش فاهمة تعمل إيه.
– “إنتِ لوحدِك؟”
ما ردّتش.
لفّ لها تاني:
– “متجوزة؟”
هزّت راسها بالنفي.
ابتسم: – “طب… مش هتضيفيني؟”
منـى اتلخبطت: – “اخرج… إنت غريب.”
رفع حواجبه: – “ده إكرام الضيف برضه. كده اتأكدت إنك لسه زعلانة مني.”
قالتها بسرعة وبصدق: – “لا… منى مش زعلانة.”
قرب منها أكتر. المسافة بينهم بقت تخوف، بس منى كانت واقفة، كأنها ناسية إن من حقها تبعد.
– “يبقى اثبتي بقى… اعمليلي قهوة ضيافة.”
– “أنا… أنا معرفكش.”
ضحك بخفة: – “تعرفيني من امبارح. وأنا اهو بعرفك بنفسي.”
بصّت له شوية، متلخبطه،
وهو ابتسم نفس الابتسامة الغامضة:
– “قهوة بقى يا آنسة منى.”
اتوسعت عينيها: – “عارف اسمي؟”
– “أيوه.”
– “إزاي؟”
ميل راسه وقال بخبث لطيف: – “سِحر… أنا ساحر.”
ومنـى… صدّقته.
امتلأت عيناها بالدهشة.
ابتسمت وقالت ببراءة:
– “ساحر؟”
أومأ لها، ومدّ يده وأمسك يدها: – “آه.”
قالت منى بحماس طفولي: – “طب ممكن توريني ماما وبابا؟”
ابتسم يوسف: – “أنا عطشان الأول.”
سيبته منى في البيت ولفّت تجيب له حاجة يشربها.
في اللحظة دي، عينيه ابتدت تتلفت في المكان… البيت هادي، أهدى من اللازم.
شاف أوضة مفتوحة، ودخلها.
بعد دقيقة، منى خرجت بكوبايه عصير.
وقفت مكانها لما ملقتوش.
استغربت، لكن فجأة سمعت صوت خبط خفيف على الإزاز.
رفعت عينها… واتصدمت لما شافت المطر بينزل.
قربت من الشباك فورًا، سرحانة في الشارع.
في نفس الوقت، جوه الأوضة، الشاب كان بيبص حواليه.
لقى أغراض رجاليّة…
عرف فورًا إنها مش بتاعة منى.
على المكتب كانت في رسمة.
مسكها… رسمة بسيطة لولد وبنت ماسكين إيد بعض.
استغرب.
مدّ إيده على صورة جنبها، ولسه هيمسكها…
وقف فجأة لما لمح من الشباك طيف منى واقفة برا في الشارع.
حط الصورة مكانها بسرعة.
ما شافش وش منى في الصورة،مع أخوها علي.
خرج الشاب، فشاف منى واقفة تحت المطر، وفي إيدها كوباية العصير.
المية كانت مغرّقاها، لكن على وشّها ابتسامة ملايكة…
ابتسامة بريئة طالعة من عينيها قبل شفايفها.
سند بإيده على الباب وهو شايفها بتحرّك شفايفها،
كأنها بتدعي بحاجة.
لما شافته، ابتسمت وشاورَت له يقف جنبها.
استغرب إزاي أخدت عليه بالسهولة دي.
قال بابتسامة خفيفة: – “شكرًا، مش عايز أتغرّق.”
بصّت للسما بتأمل: – “بتمطر…”
قال: – “بتحبي المطر؟”
ابتسمت بعينيها البنية المليانة دفء، رفعت راسها للسما وقالت بحكمة غريبة على براءتها: – “المطر يعني الفرج…
والفرج من عند ربنا.فتح أبواب السما،رفع الظلم،ونزول الحق للمظلوم.”
بصّ لها وهو سامع كلامها،
كأنه أول مرة يسمعه من حد عاقل بجد.
ابتسمت وكملت بهدوء: – “تيته كانت بتقول كده زمان.”
سكت الشاب وهو باصص لها شوية،
وقطرات الميه كانت بتنزل على وشّها وتنساب على رقبتها.
جمال فطري، من غير ولا نقطة مساحيق…
براءة غريبة تخلي حضورها لافت رغم كل شيء.
لما المطر وقف، مدّت له منى كوباية العصير.
لكنها لاحظت إن العصير بقى نصه مية مطر.
استغرب، خدّ الكوباية من إيدها ورماها على الأرض.
منى بصّت له بصدمة.
ابتسم وقال: – “مرسي على تعبك، بس ملوش لزوم.”
راح عند عربيته، ورنّ تليفونه الحديث.
رد: – “أيوه يا نادين.”
جاله صوت امرأه: – “ارجع البيت، مستنياك… عايزين نتكلم.”
سألها: – “مين عندك؟ بابا؟ ماما؟”
قالت: – “لا.”
قفل المكالمة، ركب عربيته، وبص على منى وقال: – “اركبي يا منى، هنروح مكان هيعجبك قوي.”
منى ما تحركتش، كانت باصة لآخر الشارع.
مسك إيدها وقال بحدّة: – “مش بكلمك.”
بصّت له بخوف.
غيّر نبرته فورًا وابتسم بنعومة مصطنعة: – “يلا… هاخدك فسحة.”
قالت منى بصوت واطي: – “لا.”
رجعت خطوة لورا.
ملامح الشاب اتغيّرت، مسك إيدها بقوة: – “بقولك تعالى معايا، مينفعش تقولي لا.”
بصّت له بخضة.
فجأة هدّى نبرته ومسح بإيده على شعرها بلطف مصطنع: – “هاخدك لباباكي ومامتك.”
اتسعت عيني منى بدهشة: – “ماما؟”
هزّ رأسه: – “نسيتي إني ساحر؟ ها… هتيجي ولا مش عايزة تشوفي أمك؟”
أومأت له بسرعة ولهفة.
ابتسم، فتح لها باب العربية، وأشار لها.
دخلت بكل ثقة…
وركب هو بعدها وقفل الباب.
في اللحظة دي كانت راوية راجعة، شايلة أكياس الطلبات.
وقفت فجأة لما شافت منى مع شاب غريب في عربية.
صرخت: – “منى… مننننى!”
الشاب بص في المراية، شاف الست بتقرب بسرعة.
ضغط على البنزين فجأة،
العربية اندفعت، وملّت الشارع تراب ودخان.
راوية كحت من الغبار وهي بتجري: – “م… منى!”
وقفت مكانها، بتبص للعربية اللي بتبعد،
قلبها بيتعصر من القلق: – “مين ده؟!”
كانت منى جوّه العربية، لسه بتلفّ راسها وبتبص وراها.
مسكها من دراعها وقال بنبرة آمِرة: – “بصي قدّام طول ما إنتِ معايا.”
قالت منى بخوف: – “سريع…”
فهم قصدها على سرعة العربية، فقال: – “خايفة؟”
كانت فعلًا خايفة: – “عايزة أنزل.”
مسك إيدها: – “متخافيش.”
بطّأ السرعة شوية عشانها وقال: – “خلاص كده يا منى… أمان.”
أنامله اتحركت على إيدها الناعمة كأنه بيطمنها،
لكن لمسته كانت غريبة، مش مريحة.
قال بابتسامة: – “إيدك ناعمة… مش شبه المكان اللي إنتِ عايشة فيه.”
بصّت له منى.
قرب منها وباس إيدها.
سحبتها بسرعة بحركة تلقائية.
ابتسم الشاب: – “بلاش تضايقيني… عشان نكون صحاب حلوين.”
قالت منى بتردد: – “إنتَ مين؟”
بصّ لها، فقالت: – “اسمك.”
رجّع عينه للطريق وقال: – “يوسف.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *