حمزة
حمزة
حمزة ساب دراع بدور فجأة، كأنه لمس جمرة نار، وبص للشنطة وعينه اتملت غدر السنين:
— الشنطة دي فيها إيه يا بدور؟
بدور رجعت خطوة لورا، ووشها اتشنج وبان فيه الخوف الصريح، بس حاولت تعلي صوتها عشان تداري الرجفة:
— فيها هدومي وهدوم الواد! إيه.. هتخلي الغريبة تفتشني في بيتي وتشكك فيا قدام الخدم؟! أنت نسيت أنا مين يا حمزة؟!
نور وقفت في نص الصالة، فاردة ضهرها بكل شموخ، ونظرتها لبدور كانت نظرة صياد حاصر فريسته في كورنر ضيق:
— لا منسيناش.. أنتي بنت عمه وطليقته، بس الأهم من ده، أنتي واحدة جاية تطالب بحقها في السرايا.. واللي قلبه نضيف وداخل على بياض، ميخافش إن أدوية ابنه المريض تتعرض على الحكيم. خايفة من إيه؟ ده الحكيم قاعد، عشان يطمنا بس إن العلاج اللي ماشي عليه مش هو اللي بيهد حيله كده!
الحاجة حليمة، اللي كانت واقفة بعيد ساندة على عكازها ومتابعة كل همسة، خبطت بالعكاز على الرخام خبطة هزت البيت، وقالت بصوت صارم ملوش رجعة:
— هاتي الشنطة يا بت بطرس.. افتحي الشنطة قدامنا وقدام الحكيم، عشان نقطع الشك باليقين ومحدش فيكم يرمي بلاوي على التاني في بيتي!
بدور شافت الحصار بيضيق عليها من كل ناحية. حمزة مشي للشنطة بخطوات بطيئة تقيلة، وطى عليها وجابها من إيدها، وفتح السوستة الكبيرة ورما محتوياتها كلها على الترابيزة الرخام اللي في وسط الصالة.
الهدوم اتنطرت، ووقع معاها كيس قماش صغير ملفوف برباط أحمر.
الحكيم قرب بفضول وحذر، مد إيده وفتح الكيس، وطلع منه قزازة قطارة من غير تيكت، سائلها لونه مايل للصفار ومعكر، وشريط حبوب مطحون نصها ومحطوط في علبة بلاستيك مش بتاعة صيدليات.
الحكيم شم طرف القزازة من بعيد، وحواجبه اتعقدت بصدمة، وبص لحمزة وعيونه فيها أسف حقيقي:
— دي مادة بتتباع عند العطارين بيسموها “عشبة القيء”، بتستعمل لتنضيف المعدة في المواشي بحساب دقيق.. لو اتحط منها نقطتين في مية أو عصير لطفل صغير، تخليه يرجع لحد ما يجيله جفاف وسخونية نار تشبه التسمم، بس مبتسيبش أثر واضح غير بإجهاد فظيع للكبد.
الصالة كلها لفت بحمزة. بص للقزازة، وبص لبدور اللي كانت مسندة على الحيطة وبتنهج كأنها بتغرق. حمزة قرب منها، بس المرة دي مكنش بيزعق؛ كان صوته واطي لدرجة الرعب، زي فحيح التعبان:
— أنتي.. أنتي سممتي ابني؟ لحمي ودمي اللي مخرجتش من الدنيا بغيره؟ عملتي فيه كده عشان تلويني بمرضه، عشان تجيبيني راكع تحت رجليكي وتقوليلي ردني عشان خاطر الولد؟!