حمزة
حمزة
حمزة التفت ليها فجأة، وعينيه اللي كانت من شوية بتطق نار على نور، اتحولت لنظرة شك مرعبة مفيهاش ذرة رحمة. قرب منها بخطوة واحدة، ومسكها من كتفها بقوة خلت عضمها يزيق تحت صوابعه:
— خواله؟! والولد كان في حضنك أنتي ليل نهار بقاله ست شهور.. مين اللي بيأكله ومين اللي بيشربه بيده يا بدور؟! مين اللي طلع بيه فجأة من مصر وجابهولي بنصاص الليالي وهو بينزف سخونية وروح بتتسحب؟!
بدور ارتبكت، عينيها زاغت يمين وشمال، ولونها قلب أصفر زي الكركم:
— أ.. أنت اتجننت يا حمزة؟! بتشك فيا أنا؟! أنا أمه! فيه أم تضحي بضناها وتأذيه؟! أنا كنت هموت عليه وجريت بيه عليك عشان أنت سنده الوحيد!
فوق على درابزين السلم، كانت نور واقفة.. مسحت دموعها اللي نشفت، وبصت للمشهد اللي تحت بعينين واعية وذكية. كلام الحكيم رتب في دماغها كل الصور المشوهة: السخونية المفاجئة، جية بدور في ليلة الصباحية بالذات، اشتراط ردها عشان ترجع بالولد، والبرود اللي دخلت بيه الجناح تتحدى بيه سيدة البيت الجديدة.
نور نزلت درجات السلم بخطوات بطيئة، رنة كعبها على الرخام كانت بتدق في الصالة زي عقارب ساعة بتعد تنازلي لمصيبة جاية. وقفت قصادهم بكل هدوء، رمت نظرة احتقار على بدور اللي لسه بتتصنع العياط، وبصت لحمزة وقالت بنبرة هادية بس سمّها نافذ:
— ومين قال إن الأم متهونش عليها ضناها.. لما يكون الضنا هو الكارت الوحيد اللي باقي في إيدها عشان ترجع بيه القصر ده وتلوي بيه دراع كبير عيلة المنشاوي؟!
بدور شهقت بغل، وصوتها اتنبح:
— اخرسي يا خطافة الرجالة! أنتي جاية تتبلي عليا في شرف أمومتي؟!
نور مالت عليها، وبصتلها في عينها من غير ما يتهز لها جفن:
— شرف أمومتك ده الحكيم والمعمل هما اللي هيحكموا فيه.. الشنطة اللي دخلتي بيها السرايا الصبح، فيها إيه يا بدور؟ أدوية ياسين اللي كنتي بتديهاله بيدك.. مش المفروض الحكيم يشوفها دلوقتي حالاً قبل ما تدخلي بيها جناحك؟!
السكون نزل على الصالة فجأة، سكون يرعب أتقل من اللي كان قبل العاصفة.
بدور اتجمدت مكانها، إيدها اللي كانت بتلطم بيها على صدرها نزلت ببطء، وعينيها راحت لا إرادياً للشنطة الجلد السودة المركونة جنب فوتيه الصالون. الحركة البسيطة دي مقلتش من عين حمزة اللي كان واقف يراقب أنفاسها، وعروق رقبته نافرة كأن الدم هيفرقع منها.