حمزة

حمزة

الورقة اتحولت لرماد أسود، بس نور بصت للرماد ببرود تام، وبعدين بصت لحمزة وقامت وقفت:

— حرق الورقة سهل يا حمزة.. عود كبريت يطيرها في ثانية. بس اللي اتكسر في قلبي وفي كرامتي مش ورقة تولع فيها فتخلص الحكاية.

حمزة وقف قصادها، عينيه مليانة خوف حقيقي إنه يخسرها بعد ما حس بقيمتها:

— طب قوليلي أعمل إيه؟ أروح لأبوكي في بيته وأبوس راسه وأقوله غلطت في حق بنتك؟ أؤمري يا نور.. اللي هتقولي عليه هو اللي هيمشي.

نور بصتله نظرة طويلة، نظرة خلت حمزة يحس إنه لأول مرة في حياته واقف قدام ند حقيقي، مش ست بتطاطي وتخاف من صوت رجولي عالي:

— تعمل إيه؟ متعملش حاجة.. البنا هيجي يقفل الباب، وياسين هيفضل هنا تحت عيني أنا والحكيم لحد ما يخف تماماً.. لكن أنت.. مكانك في المندرة تحت مع الرجالة أو في أي أوضة تانية في السرايا.. لحد ما أشوف، هل حمزة المنشاوي يستاهل إني أديله مفتاح كرامتي وأأمنله على عمري، ولا كان غلطة هدفع تمنها وأمشي.

سابت حمزة واقف مكانه والشرار طالع من رماد الورقة المحروقة، ومشيت بخطوات هادية ناحية باب الجناح، ووقفت لثانية قبل ما تخرج وقالت بصوت مسموع:

— وصينية الفطار اللي اتدلقت الصبح.. الخدم يعملوا غيرها، عشان أهل البلد زمانهم جايين يباركوا، ونور مش هتكسر عينها قدام حد.

عدى أسبوع على اليوم المشؤوم ده، أسبوع كانت السرايا فيه مقلوبة زي خلية النحل، بس هادية من جوة بهدوء يسبق العاصفة.

بدور أهالي بلدها اتدخلوا بعد ما حمزة سلّم تقرير الحكيم وقزازة الدوا للنيابة، وخرجت بكفالة على ذمة قضية إهمال وشروع في أذى قاصر، بس بحكم عُرفي صارم من كبار البلد: رجلها متعتبش نواحي السرايا، وحضانة ياسين اتنقلت رسمي لحمزة بعد ما خواله نفسهم اتبروا من عمايلها وباعوها عشان يداروا فضيحتهم.

أما الباب الداخلي المشترك، فالبنا جه من تاني يوم على الفجر، بناه بالطوب الأحمر والمحارة، ودهنوه كأنه مكنش موجود في يوم من الأيام، وبقى جدار أصم فاصل بين ماضٍ اتقفل عليه بالضبة والمفتاح، وبين حاضر لسه تايه.

طول الأسبوع ده، حمزة نفذ كلام نور بالحرف. كان بينام في أوضة المكتب اللي ملحقة بالمندرة تحت، عيونه مكنتش بتدوق النوم، مش من تعب الشغل في الأرض والوكالة، لكن من منظر نور وهي نازلة وطالعة في السرايا زي الملكة؛ تدير البيت، تشرف على أكل ياسين وعلاجه بيديها، وتستقبل المهنئين بابتسامة هادية ولا كأن فيه سكاكين كانت بتدبح كرامتها من كام يوم. كانت ست بيت أصيلة من الدرجة الأولى، بس معاه هو.. كانت لوح تلج، مفيش غير كلمتين على قد السؤال والجواب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *