حمزة
حمزة
نور قربت ببطء، قعدت على طرف السرير، ومدت إيدها بحنية غير إرادية تلمس جبهته.. لقت النار بدأت تهدى فعلاً. سحبت الفوطة من طبق المية الباردة وعصرتها بالراحة، وحطتها على جبينه الصغير. الولد اتنهد في نومه وهمس بصوت واهن ومبحوح:
— ماما.. بطني بتوجعني أوي..
الكلمة نزلت على قلب نور زي نغزة حامية. طفل ملوش أي ذنب في لعبة الكبار الوسخة، كان كبش فدا لحقد وغل ونقص مش بتاعه. عيونها دمعت لأول مرة من الصبح، بس مسحت دمعتها بسرعة قبل ما تنزل، وهمستله وهي بتمسح على شعره:
— نام يا حبيبي.. متخافش، الوجع هيروح خلاص.
على الباب، كان حمزة واقف مسند بكتفه على الحلق، عينيه متبتة فيها ومتابع كل حركة بتعملها مع ابنه. كان باصص للبنت اللي مكملتش في بيته أربع وعشرين ساعة، اللي أهانها في صبحيتها وكسر خاطرها قدام أهله وخدمه، ورغم كده، أول حاجة فكرت فيها كانت تداوي جرح ابنه اللي أمه الحقيقية سممته عشان شوية دهب وجاه.
حمزة خطى لجوة الأوضة بالراحة، صوته كان طالع مخنوق ومكسور، نبرة عمر ما حد من عيلة المنشاوي سمعها منه:
— أنتي ملكيش حق تقعدي جنبه.. أنتي ليكي حق ، وتمشي وراسك مرفوعة وسط البلد كلها وتقولي حمزة المنشاوي مطلعش راجل معايا.
نور مالتفتتش ليه، فضلت باصة للولد وهي بتعدل الغطا على كتفه:
— أنا مش قاعدة عشان خاطرك، ولا عشان أعمل نمرة وأبين إني أحسن من غيري.. أنا قاعدة عشان الولد ده ملوش ذنب. أمه رمته في النار عشان ترجعلك، وأنت كنت أعمى ومستعد تدوس عليا وعلى كرامتي عشان تثبت لنفسك إنك مسيطر على الكل.
حمزة قعد على ركبة ونص جنب السرير، وبص في وشها برجاء حقيقي:
— اتعميت.. أيوة اتعميت، الشيطان ركبني وكنت خايف يلووا دراعي بيه. والله ما لمستها، ولا شوفتها ست من يوم ما طلقتها، الورقة دي مأذون السرايا كتبها امبارح الفجر ولسه في جيبي.. والله ما دخلت السجل ولا حد يعرف بيها غيري أنا وهي والمأذون!
مد إيده في جيب جلابيته الصديري، وطلع ورقة متطبقة أربع تِرباع، رماها قدامها على الكومودينو، وولع ولاعته وقرب النار من طرف الورقة لحد ما لهبت وسابها تتحرق في الطفاية الرخام قدام عينيها:
— أهي.. ولعت في السر اللي كان هيهد بيتي، وهطلب البوليس لبدور بنفسي، وبلد بحالها تشهد إن حمزة المنشاوي لا بيرضى بالوساخة ولا بيبيع اللي شارياه.