حان الوصال ج 9
حان الوصال ج 9
أروح معاكم عادي.
تبسمت، معلقة بفضول يقتلها:
“إزاي جبت الرزانة دي؟ طفل في سنك وعاقل كده؟”
ضحكت عائشة متأثرة بكلامها، حتى هو شاركهم الابتسام، ثم أضاف:
عادي يعني يا طنط، تقدري تقولي طبع، بس ماما هي كمان كانت دايمًا تقولي كده، إني عاقل لدرجة الملل.
خبأت ابتسامتها فور ذكره لوالدته الراحلة، وحاولت جاهدة تمالك نفسها من غصة الحزن التي شقت حلقها. توقفت عن الطعام بعدما فقدت شهيتها تمامًا، ثم رسمت ابتسامة زائفة، و فركت كفيها ببعضهما ونهضت قائلة:
ماشي يا حبايبي أنا قايمة أجهز نفسي وإنتوا كملوا فطاركم على ما خلصت. وتوقفت موجهة كلماتها لآدم:
متنساش علاجك مع دادة يا نبوية يا آدم.
❈-❈-❈
عاد خميس من الخارج بخطوات متسارعة بعد أن أنهى عمله في الوكالة برزق وفير جمعه كعادته. كان يتأمل الأجواء بحذر، فرغم اختياره الدائم لموعد نومهم في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة، إلا أنه يخشى مقابلة أحدهم، فيزعجه بطلبات ومصروفات لم يعد قادرًا على تلبيتها. لقد ملّ من زحمة المنزل وحرقة الدم التي تصاحب الصرف المتواصل لكفاية هذه القبيلة من الأطفال ووالدتهم من الطعام. ما ينقصه فقط هو فرصة الهرب من كل هذا. طالما يجمع المال، يستطيع الزواج بغيرها، امرأة جميلة وصغيرة، ويفضل أن تكون عقيمة لا تنجب.
في هذا الوقت، كانت زوجته داخل المرحاض. لم يكلف نفسه عناء مناداتها، بل أسرع مستغلًا الفرصة، واتجه نحو الركن الفاصل بين الخزانة الخشبية للملابس والحائط ليخرج حقيبة السفر القديمة من مكانها المعتاد. ولكن، مهلاً… أين هي؟
لم يجد سوى كتب مدرسية للأطفال وكراسات وبعض الأقلام. زمجر بغضب:
يا صفاء! انتي يا صفاء!
صدح بصوته الجهوري عندما تأكد من عدم وجود الحقيبة، وواصل النداء بعجالة:
يا صفاااااء! هاقعد أنادي عليكي طول اليوم؟ انتي فييييين يا ست انتي؟
استجابت لندائه بصوت متذمر وهي تخرج من المرحاض، تلف رأسها المبلل بمنشفة صغيرة:
إيه؟ إيه؟ أنا جاية أهو… جرى إيه؟ الدنيا طارت؟
تخصر ليستقبلها بتهكم:
لأ، مطارتش، لكنها هتفرقع وتولع لو مردتيش على سؤالي دلوقتي! الشنطة القديمة اللي كانت هنا راحت فين؟
سألته ببرود:
شنطة إيه؟
صرخ بفزع:
شنطة الهاند باج السودة المقطعة! فينها يا ولية؟ اللي كانت فيها هدومي القديمة!